جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
متابعةً لتغطية الانتخابات النصفية الجارية في الوولايات المتحدة من خلال بي بي سي عربي و رويترز واسوشيتد برس وسي بي اس نيوز وقناة الجزيرة وغيرها حيث تحولت هذه النتخابات في ظل رئاسة ترامب الى اختبارعميق لمستقبل الدولة الامريكية نفسها, ولمدى قدرة نظامها السياسي على المحافظة على توازنه الداخلي والخارجي, فالولايات المتحدة قائدة العالم ,ولكنها تواجه اليوم تحولات قد تكون من اخطر ما شهدته في تاريخها الحديث, وذلك بسبب ظاهرة سياسية تجاوزت شخصية ترامب لتصبح تيارا اجتماعيا وفكريا يمتلك القدرة على اعادة تشكيل المجتمع الامريكي وعلاقاته بالعالم ويتصف بالعنصرية والتكبر والعدوان المستمر .
هذه الانتخابات تجري وسط انقسام داخلي حاد, وقلق اقتصادي متزايد وتراجع في الثقة بالمؤسسات السياسية, فضلا عن التداعيات التي خلفتها سياسات ترامب الخارجية, ولا سيما الحرب مع ايران وتوتر العلاقات مع الحلفاء , وقد اظهرت استطلاعات الناخبين عند خروجهم من مراكز الاقتراع ان القلق من تكاليف المعيشة والاقتصاد ومستقبل الديمقراطية يحتل مكانة بارزة في توجهاتهم الانتخابية, ممايجعل هذه الانتخابات استفتاء غير مباشر على سياسات ترامب حتى وان لم يكن اسمه موجودا على بطاقات الاقتراع.
والواقع ان خطورة الظاهرة الترامبية لا تكمن في المواقف المثيرة للجدل التي يتخذها الرئيس فحسب, وانما في طبيعة التحول الذي احدثه في مفهوم السلطة السياسية, فقد اعتادت الديمقراطية الامريكية على وجود تنافس حزبي تحكمه مؤسسات دستورية قادرة على احتواء الخلافات, الا ان ترامب نقل هذا التنافس الى مستوى اتصف بالحدة والعنجهية وسوء الخلق, وجعل الولاء لشخصه جزءاً اساسيا من هوية تيار واسع داخل الحزب الجمهوري, وهكذا لم يعد الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين مقتصرا على الضرائب والهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية ,بل امتد الى طبيعة الدولة ودور المؤسسات وحدود السلطة الرئاسية ومعنى الانتماء الوطني.
وهنا يطرح سام كيلي, محرر الشؤون العالمية في صحيفة الاندبندنت رؤية مثيرة للقلق في مقاله المعنون (هزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي ستجعل ترامب اكثر خطورة) نشرته بي بي سي عربي اليوم 3 -11-2026 اذ يرى ان خسارة الجمهوريين قد لا تدفع ترامب الى الاعتدال, بل ربما تحرره من بعض الحسابات الانتخابية وتدفعه الى مواقف اكثر اندفاعا في السياسة الخارجية, ويستند هذا التحليل الى طبيعة سلوك الرئيس الذي يميل الى تحويل التحديات السياسية الى مواجهات مباشرة, والى تقديم نفسه بوصفه القادر على اتخاذ القرارات التي يعجز عنها السياسيون الاخرون.
ومع ذلك فان خسارة الجمهوريين اذا تحققت لن تعني بالضرورة ان ترامب يمكن ان يفعل ما يشاء وبصورة مطلقة, لان انتقال السيطرة على احد مجلسي الكونغرس او كليهما الى الديمقراطيين سيمنح المعارضة قدرة اوسع على الرقابة والتحقيق وتعطيل بعض التشريعات, فضلا عن استخدام الصلاحيات المتعلقة بالميزانية والانفاق العام. لكنهذه القيود قد تدفع الرئيس الى الاعتماد بصورة اكبر على الصلاحيات التنفيذية والقرارات الاحادية التي تعود عليها, مما قد يفتح مرحلة جديدة من الصراع بين البيت الابيض والكونغرس والمحاكم, نعم يمكن للهزيمة الانتخابية ان تحد من قدرة الرئيس التشريعية, لكنها قد تزيد حدة المواجهة السياسية داخل البلاد.
اما على المستوى الدولي, فهذه الانتخابات ستؤثر على العلاقات مع اوربا التي عانت الامرين من تقلبات مزاج ترامب الذي فرض عليها الكثير من الشروط والضرائب حتى لم تعد تعتمد على الولايات المتحدة في اتخاذ القرارات الهامة واخذت بالبحث عن سبل اخرى وتحالفات جديدة .
اما الشرق الاوسط فهواكثر عرضة للتداعيات المباشرة لهذه التحولات, فالحرب مع ايران وما نتج عنها من اضطراب في اسواق الطاقة وارتفاع في اسعار الوقود, كشفت مرة اخرى مدى الترابط بين القرارات العسكرية الامريكية والحياة اليومية للمواطن الامريكي, فضلا عن تاثيرها على امن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي, وقد أشار كيلي الى احتمال اتجاه ترامب نحو مزيد من التصعيد مع طهران, بينما ترى نسرين مالك في صحيفة الغارديان التي نشرت مقالها ال بي بي سي عربي اليوم ايضا, ان تفكيك تبعات هذه الحرب قد يصبح من اصعب التحديات التي تواجه اي ادارة امريكية مقبلة. والواقع ان استمرار الصراع, او اتساع نطاقه, قد يؤدي الى نتائج تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة, لان المنطقة التي تضم أهم مصادر الطاقة والممرات التجارية العالمية لا تستطيع تحمل مواجهات مفتوحة دون ان تنتقل آثارها الى الاقتصاد الدولي برمته.
غير ان السؤال الاكثر اهمية لا يتعلق بما سيفعله ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته, بل بما سيتركه بعد مغادرته البيت الابيض عام 2029. وهنا تكتسب مقالة نسرين مالك في الغارديان, بعنوان (هل تقترب حقبة ترامب فعلاً من نهايتها؟ اهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مستقبل الرئيس الى مستقبل الظاهرة التي يمثلها. فالكاتبة ترى ان الولايات المتحدة قد تتخلص من ترامب بوصفه رئيسا, لكنها لن تستطيع بسهولة التخلص من التحولات السياسية والمؤسساتية والاجتماعية التي احدثها. وهذه الملاحظة تلامس جوهر المشكلة, اذ ان السياسات يمكن تعديلها بقرارات وتشريعات جديدة، اما التحولات العميقة في الوعي الاجتماعي والثقافة السياسية فقد تحتاج الى سنوات طويلة لتجاوزها.
لقد نجح ترامب في استقطاب قطاعات واسعة من المجتمع الامريكي شعرت بان العولمة والتحولات الاقتصادية والهجرة وتراجع الصناعات التقليدية قد اضعفت مكانتها وهددت مستقبلها. كما استطاع تقديم نفسه بوصفه صوتا للمواطن الذي فقد ثقته بالنخب السياسية والاعلامية والاقتصادية. ولذلك فان اختزال الترامبية في شخصية واحدة قد يؤدي الى سوء فهم طبيعة الازمة الامريكية, لان ملايين الناخبين الذين يؤيدون هذا الاتجاه لا يتحركون جميعا بدافع الاعجاب بشخص الرئيس ,وانما نتيجة شعور متراكم بأن النظام السياسي لم يعد يستجيب لمطالبهم, ومن هنا فان هزيمة ترامب أو حزبه انتخابياً لن تكون كافية لانهاء الظاهرة ما لم تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساعدت على ظهورها.
وتزداد الصورة تعقيدا حين ننظر الى مستقبل الحزب الديمقراطي نفسه, الذي لم يتمكن حتى الان من تقديم مشروع سياسي قادر على تجاوز مجرد معارضة ترامب. وقد انتقدت نسرين مالك هذا الضعف, قائلة ان استمرار اعتماد الديمقراطيين على شخصيات تقليدية وخطاب سياسي لا يستجيب بما يكفي للتحولات الاجتماعية قد يمنح الترامبية فرصة جديدة للعودة حتى لو تعرض الجمهوريون لهزيمة انتخابية كبيرة. وهذا يعني ان مستقبل الديمقراطية الامريكية لا يتوقف على قدرة المؤسسات على مواجهة نزعات التفرد بالسلطة فحسب, بل يتوقف ايضا على قدرة القوى السياسية على استعادة ثقة المواطنين وتقديم حلول عملية لمشكلاتهم.
وهنا ايضا تكشف مقالة ناتالي اليسون في صحيفة واشنطن بوست والتي نشرتها اليوم بي بي سي عربي بعنوان ( فانس يبني هوية سياسية تتجاوز ترامب) عن جانب اخر من مستقبل هذه الظاهرة, يتمثل في استعداد نائب الرئيس فانس لوراثة القاعدة السياسية التي بناها ترامب, فالهتافات التي تشير الى احتمال ان يصبح فانس الرئيس المقبل للولايات المتحدة لا تعبر عن طموح شخصي فحسب, بل تكشف عن محاولة نقل الترامبية من مرحلة الزعامة الفردية الى مرحلة الاستمرار السياسي المنظم, ويبدو فانس اكثر حرصا على مخاطبة بعض المخاوف الاقتصادية والاجتماعية التي يتردد ترامب في الاعتراف بها ,ولا سيما الاعتراضات على الحرب مع ايران وارتفاع تكاليف المعيشة, وقد تمنحه هذه المرونة قدرة على المحافظة على القاعدة الجمهورية مع توسيع دائرة المؤيدين, لكن ذلك سيظل مرهونا بنتائج الانتخابات المقبلة وقدرته على بناء شخصية سياسية مستقلة دون خسارة انصار ترامب.
وهنا يمكن القول ان الولايات المتحدة تقف امام ثلاثة احتمالات رئيسية, اولها ان يتمكن ترامب من المحافظة على نفوذه السياسي حتى نهاية ولايته, وثانيها ان تؤدي خسارة الجمهوريين الى مرحلة من الشلل التشريعي والمواجهات الدستورية والسياسية, وثالثها ان تتحول الترامبية الى تيار دائم داخل الحزب الجمهوري يقوده فانس او شخصية اخرى بعد عام 2028. وهذه الاحتمالات تتداخل فيما بينها, فتضعف سلطة ترامب الرسمية بينما يستمر نفوذه الشعبي والسياسي, او تتراجع شعبيته الشخصية دون ان تتراجع الافكار التي ساعدت على صعوده.
اما العالم الذي اعتاد التعامل مع الولايات المتحدة بوصفها القوة الاساسية في النظام الدولي, سيضطر الى الشعور بالخوف من تقلبات المزاج السياسي وعدم القدرة على فهم واستيعاب تلك التقلبات ,وتتزايد فيه اهمية المصالح الوطنية المباشرة على حساب الالتزامات التي كانت سائدة قبل الترامبية , وقد تستفيد الصين وروسيا وقوى دولية اخرى من التباعد بين واشنطن وحلفائها, لكن هذا لا يعني بالضرورة نهاية التفوق الامريكي, لان الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وعسكرية هائلة, فضلا عن مؤسسات عميقة الجذور يصعب تفكيكها او تجاوزها بسهولة, ولذلك فان الحديث عن انهيار امريكي وشيك لا يستند الى قراءة متوازنة لموازين القوى, مثلما ان تجاهل التحولات الجارية فيها يمثل خطأً لا يقل خطورة.
ان هذه الانتخابات مهما كانت نتائجها النهائية, لن تكون نهاية للصراع الذي تشهده الولايات المتحدة, وانما قد تكون بداية مرحلة جديدة منه, فالمشكلة التي تواجهها امريكا اليوم ازمة تتعلق بمستقبل النموذج السياسي الذي قدمته للعالم, وبقدرة الديمقراطية على التوفيق بين ارادة الاغلبية وحماية المؤسسات والحقوق والحريات.
واسؤال المهم هو هل ستتمكن الولايات المتحدة من تجاوز الاسباب التي انتجت الترامبية ؟, أم ان هذه الظاهرة ستصبح عنوانا لمرحلة تاريخية طويلة تعيد صياغة الداخل الامريكي وعلاقات واشنطن بالعالم؟ ولعل اخطر ما يمكن ان تخلفه هذه المرحلة هوانتقال العالم من نظام دولي عرف قواعده وتحالفاته, رغم تناقضاته الكثيرة الى نظام اكثر اضطرابا واقل قدرة على التنبؤ بمستقبله حيث تصبح القرارات الفردية والصراعات الداخلية للقوى الكبرى عاملا مباشرا في تحديد مصائر الشعوب والدول.
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟