أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟














المزيد.....

هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


كان عليّ أن أتخيل السلسلة الكاملة لوظيفتي السابقة “مبرمج هندسي” قبل أكثر من أربعين عاماً. كان ذلك في زمنٍ لم يكن فيه الكمبيوتر متاحا للجميع كما هو اليوم. كنا نعتمد على حاسبة يدوية سوداء صغيرة لجمع الأرقام وطرحها، وحساب الجذور، وحل المعادلات التي تحكم تصميم وتصنيع أوعية الضغط العالي والمبادلات الحرارية. كنا نفكك المخططات الهندسية ذهنياً ورياضياً، ونترجمها إلى حزم من الأوراق والرسومات لتتحول في الورشة إلى حديد وصُلب مقاوم للصدأ. ولأن المهندس غالباً ما يُصاب بـ “العمى التشغيلي” تجاه أخطائه الشخصية، كان التسيير يقتضي أن يدقق زميل على عمل زميله. كان ذلك زَمَنَ الصفاء الذهني، والورقة، والقلم، وصرير الحاسبة اليدوية.
اليوم، ما كان يستغرق منا أياماً من التدقيق المضني ينجزه الذكاء الاصطناعي في دقائق معدودة. لكن، هل انقرضت وظيفة “المبرمج الهندسي”؟ إطلاقاً. لقد أعادت تجديد نفسها؛ إذ تحول المهندس من حاسِبٍ للقيم والمساحات للصفائح وأبعاد الانابيب إلى مدققٍ للذكاء الآلي، يقف بين مدخلات البيانات ونتائج المخرجات ليحمي المنشآت من “هلوسة” الآلة.
وهنا ينبثق السؤال الجوهري الذي يحكم حركة التاريخ المهني: كيف تتشكل المهن في الأساس؟ ومن أين تأتي الوظائف الجديدة حين تندثر القديمة؟
علينا العودة زهاء 240 عاماً إلى الوراء، حين وضع الاقتصادي آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” يده على المحرك الأساسي لنشوء المهن، التخصص وتقسيم العمل. فالوظائف في جوهرها ليست سوى حزمٍ من المهام؛ وكلما اتسعت رقعة الأسواق وتضخمت، تفككت تلك الحزم إلى مهنٍ أضيق وأكثر دقة.
وثقت السجلات القضائية والتجارية في بريطانيا كيف أن مهنة “صانع الساعات” البسيطة عام 1550، انقسمت بعد قرنين من الزمان إلى أكثر من ثلاثين مهنة مستقلة؛ فظهر “نقاش الساعات”، و”مذهب الساعات”، و”صانع زنبرك الميزان”، و”معدّ التروس”.
غير أن التكنولوجيا الحديثة اليوم تمارس لعبة عكسية تماماً لم يتوقعها آدم سميث؛ فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بابتكار وظائف جديدة كـ “مهندس الأوامر أو “محلل أخلاقيات الآلة”، بل يقوم بعملية “إعادة دمج المهام”.
لقد ألغت الخوارزميات مهناً حديثة وليدة مثل “مظهّر الأفلام الفوتوغرافية”، و”مشغل المقاسم الهاتفية”، و”كاتب الآلة الطابعة”، و”عامل مصفوفات حروف الطباعة”، لتدمج وظائفهم جميعاً في تطبيق ذكي واحد يستقر في هاتف محمول. بل أن المحنة التعبيرية تكمن اليوم بأن الغناء لم يعد بحاجة إلى ملحن وعازف، عندما تقدمت الخوارزميات بصلافة تاريخية لتسحق الملحن والعازف لتؤلف وتعزف الموسيقى بلا تردد أو خجل إنساني!
إن خطورة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في كونه يلتهم الوظائف فحسب، بل في كونه ينسخ مفهوم “التخصص” نفسه؛ فهو يتجاوز تقسيم سميث العملي ليقدم “معرفة فائقة التجميع”. فالآلة اليوم لا تكتفي ببديل للموظف في مهمة محددة، بل تبتلع الحزمة كاملة —من التحليل إلى التنفيذ— مما يضع العنصر البشري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الارتفاع إلى مستوى “المشرف النقدي” الذي يوجه الآلة، أو الارتداد كلياً نحو المهن البدائية التي تعجز التكنولوجيا عن محاكاتها.
وهذا ما يوصلنا إلى المفارقة الأكثر دهشة في تاريخ المهن؛ فهي لا تكمن دائماً في قفزات التكنولوجيا نحو المستقبل، بل في ارتداد المهن من المتحف تحت وطأة الندرة والشحة.
ففي رواية “اللاسؤال واللاجواب” للراحل فؤاد التكرلي، نرصد كيف عادت مهنٌ ظن الجميع أنها اندثرت للأبد إلى شوارع بغداد تحت طوق الحصار الأعمى في تسعينيات القرن الماضي. لم يكن أحد يتخيل أن مهنة “راتق الفخار والزجاج” ستنبعث من جديد، ليرمم الناس دورق الشاي المكسور، أو أن يعود “الإسكافي” ليصبح ركناً اقتصادياً رابحاً لأن الأحذية الممزقة لم تعد تُرمى.
هذا الانبعاث الواقعي ليس مجرد أدب؛ بل هو قانون اقتصادي نراه يتبدى اليوم بوضوح في غزة والسودان واليمن، حيث أحيت الحرب والندرة مهناً مثل “سقّاء الماء الدوّار”، و”مصلح الخيام”، و”صانع شواحن البطاريات اليدوية”.
وليس الأمر مقصوراً على بؤر الأزمات والحروب؛ ففي قلب العالم المتطور، أعادت أزمة سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف المعيشة مهناً منقرضة بأسماء جديدة. لقد عادت مهنة “مصلح الأجهزة الإلكترونية” تحت شعار حركة (Right to Repair) في أوروبا، وبعثت المجتمعات الغربية مهنة “مُجَدّد الأثاث” لمواجهة التضخم، بل إن قطاع التكنولوجيا الفائقة نفسه اضطر لمطاردة مهندسين تقاعدوا منذ عقود يتقنون لغة COBOL البرمجية القديمة جداً، لإصلاح الأنظمة المصرفية العتيقة التي عجز الذكاء الاصطناعي عن فهم التواءاتها!
يكشف هذا الارتداد المدهش عن حقيقة غائبة عن أدبيات التكنوقراط، المهنة لا تموت بقرار تقني، بل بمُعامل الحاجة.
إن الذكاء الاصطناعي واقتصاد الوفرة يفترضان دائماً خطاً مستقيماً من التقدم التكنولوجي، لكن الأزمات والندرة تعيدان بناء الاقتصاد بشكل دائم؛ حيث ترغم القسوة البشرية على استعادة أدوات الصيانة الأولى. فالوظائف المنقرضة هي في الواقع “احتياطي استراتيجي” للديمومة البشرية، تستدعيها المجتمعات فور انهيار شبكات الأمان الرقمية.
تتدافع موجات التكنولوجيا لتطيح بالأعمال القديمة وتعدنا بفرصٍ أحدث، لكن التاريخ يخبرنا بأمرٍ مختلف، المهن لا تموت بالكامل، بل تنام فقط في انتظار الشرارة. إما أن تيقظها خوارزمية ذكية تعيد تعريف التخصص، أو تبعثها ندرةٌ قاسية تعيد لليد البشرية قيمتها الأولى في ترميم ما انكسر.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُعيد كاظم الساهر صياغة المعجم بالنغم
- توقيع بروتكول تسليم عرش العالم
- حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا
- أطياف أورويل تحت سقف كوفنت غاردن
- بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!
- الإنسان السلعة التي لا تنفد
- ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع


المزيد.....




- فيلم ألماني بهوية موسيقية فلسطينية
- تضارب الروايات بين التحالف والحوثيين حول مسيرة مكة
- إلسينور» يتقدّم سباق جوائز الفيلم البريطاني المستقل بـ12 ترش ...
- الدوحة السينمائي يحتفي بتجارب موسيقية عربية معاصرة
- باريس تحقق في مقتل فنان فرنسي لبناني بقصف إسرائيلي
- لماذا أمر البطريرك نيكون بفقء عيون القديسين في الأيقونات الر ...
- المغرب يستضيف أول معرض لمتحف تريتياكوف الروسي
- ابتلع 35 ألف قرص وألهم فيلما سينمائيا.. مريض سرطان يقترب من ...
- سلطنة عمان على رادار الإرميتاج الروسي لعام 2027
- اشهار مجموعة قصصية ورواية للكاتب البروفيسور وجيه ضاهر


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟