أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري














المزيد.....

سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 17:30
المحور: الادب والفن
    


في أحد أيام عام 1749، كان جان جاك روسو يسير في شوارع باريس حين وقعت عيناه على سؤالٍ علّقه المجمع العلمي في ديجون: هل أفضى ارتقاء العلوم والفنون في ارتقاء الأخلاق وتزكيتها من شوائب المفاسد؟ وأطلقه آنذاك على المفكرين والفلاسفة والأدباء في مسابقة يكافأ فيها من يقترح أفضل إجابة.
يصف ساطع الحصري في كتابه “آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة” تلك اللحظة بوصفها شرارةً اخترقت حياة روسو، كأن السؤال لم يكن دعوة للمشاركة في مسابقة، بل صفعة أيقظت عقله من سباته.
وفي لحظةٍ معاصرة أكثر مرارة، نرى كيف أن الانحطاط الطائفي في العراق اليوم يحاول أن يقدّم ساطع الحصري وفق غريزته الطائفية، كأن الرجل الذي كرّس حياته لفكرة الأمة يُعاد تشكيله اليوم في مختبرات الانقسام، لا بوصفه مفكراً مصلحا تربويا، بل كمادة خام تُستخدم في صراع الهويات. هذا التشويه نفسه هو دليل إضافي على أن التكنولوجيا والمنصات لا تكتفي بنقل الأفكار، بل تعيد تشكيلها وفق رغبات الجماعات، وتعيد إنتاج الأخلاق كأداة صراع لا بوصفها قيمة.
وقف روسو في منتصف الطريق، والمدينة من حوله تتجمّد، وبدأ يشعر بأن العالم الذي يفاخر بتقدّم العقل قد يكون في الحقيقة يبتعد عن جوهر الإنسان.
كتب آنذاك مقالته الشهيرة التي قلبت أوروبا الفكرية رأساً على عقب، مجادلاً بأن ارتقاء العلوم لا يعني ارتقاء الأخلاق، وأن المعرفة قد تُنمّي الغرور أكثر مما تُنمّي الفضيلة. كانت تلك اللحظة، كما يصفها الحصري، ولادة سؤال أخلاقي جديد: هل يمكن للتقدّم أن يكون انحطاطاً متنكرًا؟
بعد ثلاثة قرون تقريباً، يعود السؤال إلينا، لكن بوجهٍ آخر. لم يعد الأمر يتعلق بارتقاء العلوم والفنون في القرن الثامن عشر، بل بتسارع التكنولوجيا على نحوٍ لم يعرفه التاريخ، وبصعود الذكاء الاصطناعي، وبشيوع المنصات الشخصية التي جعلت كل فردٍ ناشراً ومؤثراً وصانع سرديات. وكما وقف روسو في منتصف الطريق، نقف نحن اليوم أمام سؤال أكبر من قدرتنا على الإجابة السريعة: هل يقود هذا التقدّم الأخلاقيات إلى الارتقاء، أم إلى التآكل؟
يكتب الحصري “إن الاخلاق لم ترتق ارتقاء مناسبا مع تقدم العلوم، فأن العلوم قد تقدمت خلال القرون الأخيرة في جميع الميادين بدون استثناء، في حين الأخلاق إذا كانت قد ارتقت في بعض الميادين، فإنها انحطت انحطاطا صريحا في ميادين أخرى”.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل شريكاً في التفكير، منافساً في الإبداع، ووسيطاً في العلاقات الإنسانية. المنصات الشخصية لم تعد مجرد فضاء للتعبير، الكل يدون كلمته ويمضي، بل منظومات تُعيد تشكيل الأخلاق عبر آليات الإعجاب، والانتشار، والتفاعل اللحظي. هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل ما زالت الأخلاق قادرة على اللحاق بسرعة التكنولوجيا؟
روسو كان يرى أن المعرفة تُغري الإنسان بالزهو، وأن التقدّم قد يخلق طبقة من المتعلمين الذين يملكون أدوات التفوق دون أن يملكوا فضيلته. اليوم، يمكن أن نعيد قراءة هذا الموقف عبر عدسة الذكاء الاصطناعي. المعرفة أصبحت متاحة بلا جهد، والإبداع قابلاً للاستنساخ بضغطة زر، والرأي يُصنع عبر خوارزميات لا عبر تجربة بشرية.
يقول الفيلسوف المعاصر والباحث في مفاهيم العدالة في جامعة هارفارد مايكل ساندل إن أخطر ما في التكنولوجيا أنها «تُضعف الإحساس بالاستحقاق الأخلاقي»، لأن الإنسان لم يعد يشعر أن ما ينتجه هو ثمرة جهد أو فضيلة، بل نتيجة نظام ذكي يعمل نيابة عنه.
بينما ترى أستاذة الفلسفة في جامعة أدنبره، شانون فالور أن التكنولوجيا الحديثة «تُعيد تشكيل فضائل الإنسان عبر تسريع كل شيء: الحكم، الغضب، الرغبة، والقرار». السرعة هنا ليست مجرد خاصية تقنية، بل قوة أخلاقية تُعيد صياغة السلوك.
أما المنصات الشخصية فقد خلقت عالماً جديداً للأخلاق، عالماً تُقاس فيه الفضيلة بعدد المتابعين، ويُقاس فيه الصدق بمدى الانتشار، وتُقاس فيه الحكمة بقدرتها على أن تصبح محتوى قابلاً للمشاركة. وهكذا يرى عالم النفس الاجتماعي وأستاذ القيادة الأخلاقية بجامعة نيويورك جوناثان هايدت إن وسائل التواصل «تُحوّل الأخلاق إلى عرضٍ جماهيري»، حيث يصبح الإنسان أكثر اهتماماً بالظهور الأخلاقي من الفعل الأخلاقي. وهذا يعيدنا إلى روسو الذي كان يخشى من أن تتحول الفضيلة إلى قناع اجتماعي.
الذكاء الاصطناعي لا يملك أخلاقاً، لكنه يملك القدرة على التأثير في أخلاق البشر. التكنولوجيا تُسهّل الحياة، لكنها تُعقّد المسؤولية. الذكاء الاصطناعي يُنتج معرفة، لكنه يُضعف ملكية الإنسان لهذه المعرفة. المنصات تُقرّب البشر، لكنها تُعمّق الانقسام الأخلاقي بينهم.
يقول المدير المؤسس لمعهد مستقبل الإنسانية في جامعة أكسفورد نيك بوستروم إن الذكاء الاصطناعي «يُجبرنا على إعادة تعريف الأخلاق، لا لأن الآلة أخلاقية، بل لأن الإنسان أصبح يعتمد عليها في اتخاذ قرارات أخلاقية”.
هكذا نعود إلى سؤال ديجون الذي اقترحه علينا الحصري منذ عام 1951 بينما كان يبني العراق المتعلم وليس العراق الرث المسكون بالخرافة التاريخية، لكن بصيغة جديدة: هل ساهم تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تهذيب الأخلاق؟ الإجابة ليست نعم أو لا. الإجابة أن الأخلاق أصبحت أكثر هشاشة، وأكثر حاجة إلى إعادة بناء. التكنولوجيا ليست عدواً، لكنها ليست حليفاً تلقائياً. إنها قوة تحتاج إلى توجيه، مثل العلوم في زمن روسو، لكنها اليوم أكثر سرعة، وأكثر نفوذاً، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل الإنسان.
ولعل أهم ما يمكن أن نقوله في هذا العصر هو ما يشبه صدى روسو: إن التقدّم لا يصبح فضيلة إلا إذا حمل الإنسان معه، لا إذا تركه خلفه.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم


المزيد.....




- تكريم الممثل مايكل جي فوكس بجائزة -بوب هوب- للعمل الإنساني
- جلسات الاستئناف في قضية سعد لمجرد تنطلق الخميس في فرنسا
- من مادوكس إلى زاهارا وفيفيان.. أبناء أنجلينا جولي وبراد بيت ...
- عبد الإله سباهي: نشكر روسيا على جمع الشباب في مهرجان دولي
- ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم ...
- دار -ليتفوند- تعرض أول سيرة مطبوعة لإيفان الرهيب في مزاد
- -حماس- تدعو للتحقيق في شهادات فيلم -نازا- وتوثيقها كأدلة على ...
- مخرج -أفضل فيلم رسوم متحركة في التاريخ-.. يوري نورشتين في عي ...
- القاهرة السينمائي الدولي يطلق ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ب ...
- زلزال فيلم -نازا- يواصل ارتداداته داخل إسرائيل واستنفار لاحت ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري