أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية














المزيد.....

فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


الصورة الأخيرة للفنان فاروق هلال—جالساً على طرف سريرٍ بسيط، في غرفةٍ تبدو كأنها آخر ما تبقّى له من العالم—ليست مجرد لقطة عابرة، بل مرثية بصرية لبلدٍ انهارت فيه الذائقة السمعية قبل أن ينهار كل شيء آخر. صورة رجلٍ كان يوماً أحد كبار مؤرخي الذائقة العراقية، ينتهي في عزلةٍ لا تليق بتاريخٍ حمله بأصابعه، كأن الموسيقى كلها انكمشت في غرفة واحدة، وكأن العراق فقد آخر شاهدٍ على زمنٍ كان فيه اللحن جزءاً من كرامته.
لم يكن رحيل فاروق هلال اليوم حدثاً فنياً، بل حدثاً وطنياً. فهذا الرجل لم يكن ملحناً فقط، بل كان أرشيفاً حيّاً لروح العراق السمعية. كان يعرف أن اللحن العراقي ليس زخرفة، بل شهادة على زمنٍ كان فيه العراقيون يملكون ما يسمعونه وما يشعرون به. كان يعرف أن الأغنية العراقية ليست مجرد كلمات، بل طريقة في النظر إلى العالم، وأن اللحن يمكن أن يكون وطناً حين يضيع الوطن.
بينما كانت البلاد تنفض عن نفسها غبار الحرب والأناشيد عام 1991، كان فاروق هلال مشغولاً بالقصيدة، يبحث عن لمسة عراقية يضعها على نصٍّ يليق بزمنٍ كان يتداعى. لم يجد بين أصوات أبناء جيله من يعوّل عليه، فانفتح على جيل شاب خرج من تحت يديه. سألته يوماً: لماذا؟ ألم يكن الأجدر أن تعيد المجد لتلك الأصوات التي أرّخت لذائقتنا؟ فقال: عليك ياكرم أن تترقب ما يعيد الأمل للأغنية العراقية.
وبالفعل غنّى “بلدي” و“هكذا يلعب المحاصرون” بصوته، بينما توّج صوت جمعة العربي بقصيدة “الهاتف” وجميعها من قصائد رعد بندر. وفي ذروة القتل على الهوية الذي اجاح العراق بعد احتلاله، كان عليه أن يعود من جديد إلى شعر رعد بندر وهذه المرة بقصيدة "لاتقل ديني لا تقل مذهبي، قل عراقي" أنشودة وطن أريد له وللأنشودة أن تغيب كي يسود العراق المزيف.
كان على الجميع أن يعيدوا اكتشاف موسيقى فاروق هلال، لكن ملحناً عراقياً بارعاً استاء من مقالٍ لي، حين أطلقت عليه لقب “الموسيقار”، بذريعة أن إنتاجه لم يتعدَّ الأغاني العشر. وهذا صحيح وفق مدونة الأرقام، لكنه غير عادل وفق تعبيرية هلال وأثرها على الذائقة السمعية.
كان فاروق هلال من كبار مدوّني التعبيرية اللحنية، لأن أثره لم يقتصر على أبناء جيله، بل فتح الطريق أمام أصوات وملحني جيل الثمانينيات في برنامجه التلفزيوني الشهير “أصوات شابة”. لا يغيب لحنه الباهر لصوت مائدة نزهت “سألت عنك”، ولا "خطار" لحسين نعمة و "أشتاق إلك" لقيس حاضر ولا أثره في “راح ومشى” لياس خضر، ولا ترنيمة “ردت أنساك” لصلاح عبدالغفور، ولا حداثة “أحسب ليالي” لسيتا هاكوبيان، ولا تجربته الفارقة مع عبدالله الرويشد في “علمني عليك”.
هذا الرجل كان يكتب اللحن كما لو أنه يكتب حياةً كاملة. كان يكتب العراق وهو يتداعى، ويكتب الذائقة وهي تُحتضر، ويكتب ما تبقّى من جمالٍ في بلدٍ يزدحم بالضجيج ولا يسمع شيئاً.
لكن أقسى ما في المرثاة ليس رحيل فاروق هلال، بل الطريقة التي رحل بها. عاد إلى بغداد بعد اغترابٍ مرير، ليجد أن الذائقة التي عاش من أجلها انهارت، وأن الأصوات التي كان يراهن عليها صارت تبحث عن جمهورٍ لا يسمع إلا ما يُصنع على عجل. عاد ليجد أن الموسيقى التي كانت تُربّي الأجيال أصبحت اليوم تُربّي الخيبة والعويل والمراثي الطائفية.
الصورة الأخيرة له ليست صورة رجلٍ أنهكه المرض، بل صورة موسيقى تُحتضر. صورة بلدٍ فقد القدرة على الاحتفاظ بمبدعيه، وفقد القدرة على حماية ذاكرته، وفقد القدرة على أن يسمع نفسه.
رحل صديقي فاروق هلال الذي اطلق عليّ في مقال منشور له "مؤرخ الاغنية العراقية، فما يكتبه كرم نعمة عن علوم الغناء فيه فلسفة فنية ترقى لتصل إلى أي قارئ سواء كان متخصصاً أو غير متخصص، لأنه يعرف أسرار الرؤية النقدية العميقة إلى جانب الأداء المتميز للفنانين....". لكن رحيله ليس نهاية ملحن، بل نهاية فصلٍ من تاريخ العراق الموسيقي. يرحل آخر الذين كانوا يعتقدون أن الأغنية العراقية يمكن أن تكون وطناً صغيراً حين يضيع الوطن الكبير. يرحل الرجل الذي كان يكتب اللحن كما لو أنه يكتب حياةً كاملة، ويترك خلفه سؤالاً واحداً: من سيحرس الذائقة بعده؟
هذه المرثاة ليست لفاروق هلال وحده، بل للعراق أيضاً: لبلدٍ فقد صوته، وفقد ذائقته، وفقد أولئك الذين كانوا يصنعون له معنىً حين يفقد المعنى.
ولعلّ أقسى ما في رحيل فاروق هلال أن صورته الأخيرة تبدو كأنها صورة العراق نفسه: بلدٌ يجلس على طرف سريرٍ وحيد، يحدّق في ما تبقّى من ذاكرته السمعية، ويستعيد أسماء الذين صنعوا له معنىً حين كان المعنى ممكناً. لم يكن هلال مجرد ملحن، بل كان آخر من يعرف شكل العراق حين كان يسمع، وآخر من يعرف كيف يمكن للّحن أن ينقذ الروح من الخراب. رحل الرجل، وبقيت الصورة شاهداً على بلدٍ فقد صوته، لكنه ما زال يبحث عن من يعيد إليه القدرة على الإصغاء.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...
- بيدر البصري تعيد الأغنية إلى إنسانيتها


المزيد.....




- أبرز أفلام الخيال العلمي في 2026.. لماذا عاد المستقبل لقيادة ...
- أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
- نصف قرن من -البث المباشر من عمّان-.. حين يصبح برنامج إذاعي ص ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي (صور)
- -بروكوفييف 135-.. عرض موسيقي مبتكر في ذكرى المؤلف الكبير
- لوحات فنية بقيمة مليار روبل تُطرح في مزاد علني بموسكو
- لاتفيا تقرّ حظر بث بعض أغاني المؤلف الموسيقي اللاتفي رايموند ...
- برلماني أوروبي ينتقد دور المفوضية الأوروبية في الثقافة بعد س ...
- حسام جنيد يعتذر للشعب السوري: -غلطت.. والاعتراف بالذنب فضيلة ...
- من معرة صيدنايا إلى قرية السودا.. -خارج التغطية- ينسج حكاية ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية