أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - العراق… بنطالٌ بلا قماش!














المزيد.....

العراق… بنطالٌ بلا قماش!


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 20:16
المحور: الادب والفن
    


استعاد ساطع الحصري في كتابه "آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة" قبل سبعين عاماً حكاية البحار الانجليزي والخيّاط الصيني المشهور الذي يُضرَب به المثل.
يُقال إن بحّاراً إنجليزياً كان يقضي وقتاً طويلاً في البحار النائية، وخلال تلك الأسفار تمزّق بنطلونه، فاضطرّ إلى ترقيعه مراراً. ولمّا وصل إلى ميناءٍ صيني، بحث عن خيّاطٍ ماهرٍ يستطيع أن يخيط له بنطلوناً جديداً على النموذج الذي يحمله. دلّوه على خيّاط بارع تعهّد أن ينجز له البنطلون خلال بضعة أيام، مطابقاً للنموذج تماماً. وعندما عاد البحّار في اليوم المتّفق عليه لاستلام البنطلون، وجد أن الخيّاط قد أتقن التقليد كل الإتقان، وقدّم له بنطلوناً جديداً مطابقاً للأصل… بما فيه الرقع أيضاً!
تبدو هذه الحكاية كأنها كتبت على جدار بغداد لا على صفحات كتاب صدر في منتصف القرن الماضي.
فالعراق يعيش حرفياً حكاية الخياط الصيني التي استشهد بها الحصري: بلدٌ يرتدي بنطالاً سياسياً واجتماعيا و طائفيا مليئاً بالرقع، لأن من تولّوا أمره لم يفهموا النموذج الذي حاولوا تقليده، بل استنسخوا عيوبه كما هي، وأضافوا إليها ما يكفي من الخراب المحلي ليصبح الثوب غير قابل للارتداء.
ما فعله الاحتلال الأميركي لم يكن تأسيس دولة، بل تفصيل بنطال على مقاس الوهم. ظنّت واشنطن ولندن أن الديمقراطية يمكن أن تُنقل كما تُنقل معدات عسكرية، وأن المجتمع العراقي سيقفز تلقائياً إلى نموذج الدولة الحديثة بمجرد كتابة دستور مسخ وإجراء انتخابات ملفقة. لكن ما حدث هو أن النموذج الطائفي نُسخ كما هو، بكل ثقوبه، دون أن يُفهم أو يُكيّف أو يُهذّب. فكانت النتيجة ديمقراطية مشوّهة، بلا مؤسسات، بلا سيادة، بلا مركز، أشبه ببضاعة مقلّدة في سوق شعبية، تحمل الاسم نفسه لكنها لا تعمل.
وفي الجهة الأخرى، جاء النفوذ الإيراني ليضيف رقعة جديدة، رقعة طائفية كثيفة اللون، غطّت ما تبقى من القماش الواهن.
لم يأتِ هذا النفوذ من قوة فكرة، بل من ضعف الدولة. فاستنسخت القوى السياسية أسوأ ما في التجربة الإيرانية: تحويل الهوية إلى سلاح، والولاء إلى طقس، والجمهور إلى قطيع سائر صوب الخرافة التاريخية كم يمشي وهو نائم. لم يكن ذلك تقليداً واعياً، بل خوفاً من الفراغ، ورغبة في استنساخ نموذج يضمن بقاء السلطة الطائفية، حتى لو كان النموذج نفسه مأزوماً ومفلساً.
وهكذا وجد العراق نفسه بين نموذجين مستوردين، كلاهما فاشل، وكلاهما غير قابل للحياة: ديمقراطية أميركية بلا مؤسسات، وطائفية إيرانية بلا دولة. وبينهما نشأت طبقة سياسية لا تفهم شيئاً سوى كيفية ترقيع الثوب كلما تمزّق، حتى صار الثوب كله رقعاً، وصارت الرقعة أهم من القماش نفسه. كل رقعة لها لون مختلف ومصدر مختلف وخيط مختلف: رقعة الاحتلال، رقعة الميليشيات، رقعة الفساد، رقعة الاقتصاد الريعي، رقعة القضاء المسلوب، رقعة التعليم المنهار، رقعة الثقافة التي فقدت قدرتها على إنتاج معنى.
جوهر مأساة "العراق المزيف" اليوم هو غياب القدرة على الابتكار. بلدٌ يملك تاريخاً هائلاً، لكنه يعيش بعقلية الخياط الذي يقلّد الرقع بدلاً من أن يصنع ثوباً جديداً. بلدٌ يستورد الحلول كما يستورد السلع، دون أن يسأل نفسه: هل هذا النموذج يناسبني؟ هل هذه الديمقراطية قابلة للعيش هنا؟ هل هذه الطائفية يمكن أن تبني دولة؟ هل هذا الاقتصاد يمكن أن ينهض؟ هل هذا الإعلام يمكن أن يخلق رأياً عاماً؟ هل هذه الثقافة قادرة على إنتاج وعي؟
ساطع الحصري كان يكتب عن التعليم، لكنه كان يكتب أيضاً عن العراق اليوم دون أن يدري. كان يحذّر من أن التقليد الأعمى لا يصنع نهضة، بل يعيد إنتاج العيوب. وهذا بالضبط ما حدث: العراق لم يستورد نموذجاً ناجحاً، بل استورد مشكلتين كبيرتين، ودمجهما في نظام واحد، ثم أضاف إليهما فساداً محلياً جعل كل شيء أسوأ.
العراق اليوم لا يحتاج إلى رقعة جديدة، بل إلى ثوب جديد بالكامل يخاط مع إيصال العملية السياسية القائمة منذ عام 2003 إلى المعادلة الصفرية. إلى دولة تُفكّر قبل أن تقلّد، وتبتكر قبل أن تستورد، وتبني قبل أن ترفع راية هذا الطرف أو ذاك. دولة تفهم أن التقليد الأعمى ليس طريقاً إلى المستقبل، بل طريقاً إلى إعادة إنتاج الماضي بكل ما فيه من خراب.!



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه


المزيد.....




- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - العراق… بنطالٌ بلا قماش!