أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد














المزيد.....

آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 18:17
المحور: الادب والفن
    


في أغنيته الجديدة «أحباب»، يعيد كاظم الساهر اكتشاف هذه المفردة العراقية التي مرّت على الغناء مئات المرّات من دون أن تفقد وقعها، لكنه ينجح هنا في تحويلها إلى مادة لحنية جديدة، كأن الكلمة نفسها تُعاد صياغتها تحت أصابعه.
فـ«أحباب… لا مو أحباب» ليست افتتاحية لغوية، بل مفتاح مقام، وبوابة شعورية يدخل منها الساهر إلى منطقة تعبيريّة لا تشبه ما سبقها في تجربته الطويلة. المفردة التي استهلكها الغناء العربي، يضعها الساهر في موقع مختلف: موقع الجملة الموسيقية التي تُبنى على المدّ، وعلى الارتجاف الخفيف في نهاية الباء، وعلى ذلك التردّد الذي يجعل المستمع يشعر بأن الكلمة تُقال للمرة الأولى.
هنا يظهر الملحن الذي لا يكتفي بالمعنى، بل يعيد تشكيل الصوت داخل الكلمة نفسها. لكن اللحظة الأكثر حضوراً في الأغنية تبدأ مع «الآه» التي يطلقها الساهر في المقطع الثاني من هذه الأغنية. هذه الآه ليست امتداداً لآهاته القديمة، بل توقيع جديد، خلاصة أربعين عاماً من التجريب الصوتي. إنها آه قصيرة، محكومة، بلا استعراض، لكنها مشحونة بحزن مهذّب، وبأسئلة لا تُقال.
يبدو واضحاً أن الساهر أخضع هذه الآه لتجريب طويل، بحثاً عن طبقة صوتية تكشف عمق التجربة من دون أن تجرحها. إنها آه تُشبه وصيّة عاطفية، وتُشبه أيضاً لحظة اعتراف متأخر بأن التعبير لا يحتاج إلى صراخ كي يكون مؤثراً.
ويبلغ الساهر ذروة التعبير حين يوظّف عبارة «لخاطر الله»، ذلك التعبير العراقي الصرف الذي يحبه العرب حين يسمعونه بلهجته الأصلية. يضعه الساهر في مكان حساس داخل الجملة، في لحظة الانكسار، حين يتحوّل العتاب إلى رجاء. لكن جمال التوظيف لا يأتي من الكلمة وحدها، بل من طريقة نطقها، ومن الإيقاع الذي يتراجع قليلاً كي يفسح المجال للرجفة العاطفية التي تحملها العبارة. هنا يظهر الملحن الذي يعرف كيف يضع المفردة الشعبية داخل هندسة موسيقية راقية من دون أن تفقد أصالتها. البناء اللحني في «أحباب» لا يعتمد على التكرار، بل على تصعيد درامي واضح. يبدأ بالإنكار، ثم ينتقل إلى الوعي، ثم الاعتراف، ثم الرجاء، ثم التسليم. كل مقطع يرفع السلم نصف درجة، أو يغيّر الإيقاع، أو يخفّف التوزيع، ليخلق إحساساً بأن الأغنية تتطور نفسياً، وأن الساهر يكتب حالة عاطفية كاملة لا مجرد أغنية. هذا التصعيد اللحني يوازيه تصعيد صوتي، إذ يستخدم الساهر ثلاث طبقات: طبقة منخفضة للإنكار، طبقة متوسطة للوعي، وطبقة عالية للرجاء. هذا التدرّج يعكس نضوجاً صوتياً يعرفه المتخصصون في علوم الغناء، ويكشف فناناً يعي تماماً أين يضع صوته وكيف يوزّع طاقته.
أما التوزيع الموسيقي الذي قدّمه محب الراوي، فيمنح الأغنية شفافية خاصة. آلات قليلة، مساحات واسعة للصوت، إيقاع خفيف، وخلفية وترية لا تتدخل إلا حين تحتاج الجملة إلى دعم عاطفي. هذا النوع من التوزيع يذكّر بتوزيعات الأغاني العراقية القديمة، لكنه أكثر حداثة، وأكثر قدرة على إبراز الانفعال الداخلي الذي أراده الساهر.
يبقى الفيديو المولّد بالذكاء الاصطناعي المرافق للأغنية نقطة ضعف واضحة، لأنه يربك الاستماع ويقدّم قصة لا علاقة لها بمفردة «أحباب» ولا بدلالتها السمعية. الأغنية تعتمد على الحميمية الصوتية، بينما الفيديو المٌصنّع يقدّم ضجيجاً بصرياً يطغى على الجملة الموسيقية. لكن هذا لا ينتقص من قيمة العمل، بل يسلّط الضوء على أن الساهر قدّم أغنية أقوى من الصورة الاصطناعية، وأن جمالها يكمن في صوتها لا في محاولات تجميلها بصرياً.
"أحباب" أغنية كتبها الساهر لصوته تُضاف إلى الرصيد التعبيري لهذا الفنان، وتكشف من جديد نضوجه الشعري واللحني، وتؤكد أنه في هذه المرحلة من تجربته يعي تماماً ماذا يغنّي، وكيف يحوّل المفردة البسيطة إلى عالم كامل من الموسيقى. إنها أغنية سيجد فيها محبوه ما يردّدونه مع أنفسهم، وسيجد فيها الحاسدون لثقافته الموسيقية سبباً جديداً لمراجعة أنفسهم، فهم أمام ملحن ومغنٍ يواصل اكتشاف طبقات جديدة في صوته، ويواصل كتابة موسيقاه كما لو أنه يبدأ من جديد.

https://www.youtube.com/watch?v=rfcWp-_6Vx8



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال


المزيد.....




- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...
- لوكارنو يستعيد أفلام هوليوود اليسارية التي تحدّت المكارثية
- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد