أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة















المزيد.....

محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


عندما نتحدث عن القصّاصين الذين عبروا بوابة الصحافة قبل أن يستقرّوا في عالم السرد، فإن القائمة طويلة ومضيئة: همنغواي الصحافي الشجاع الذي كتب الحرب كما لو كان يكتب جسده، ماركيز الذي وجد نفسه في غرفة الأخبار قبل أن يسقط في بئر الواقعية السحرية، أمبرتو إيكو الذي كان صحافيًا من طراز رفيع، وفرجينيا وولف التي تركت في ملحق التايمز الأدبي ما يكفي لملء مجلدات.
إلى هذه السلالة، أضيف اسم القاص العراقي محمد حياوي. الذي أحببته صحافيا قبل أن يكون قاصا، فعلى مدى سنوات عمله في مجلة "حراس الوطن" وجرائد "القادسية" و "الجمهورية"، كتب حياوي استطلاعات وحوارات وتحقيقات جعلته أقرب إلى صحافي من طراز كتّاب فايننشيال تايمز البريطانية. لكنه -لسوء الحظ- لم يكن مخلصًا للصحافة، بيد أن تلك الخيبة تتراجع حين نقرأ قصصه الجديدة "نصوص المرقاة"، لأن الصحافي لم يمت فيه، بل تحوّل إلى عين سردية تلتقط التفاصيل كما لو أنها أدلة في تحقيق ميداني.
عرفته أول مرة عبر قصته “غرفة مضاءة لفاطمة” التي نشرت في مجلة "أسفار" في الثمانينات، ثم في مجموعته الأولى التي حملت الاسم نفسه. يومها بدا واضحًا أن حياوي يكتب كما يرى، لا كما يُطلب منه أن يرى.
وبعد سنوات عندما قرأت روايته "خان الشابندر" وجدت كيف امتلك حياوي تلك القدرة المفجعة على تحطيم قلوب القرّاء... اليوم، يعود بمجموعة “نصوص المرقاة”، إحدى عشرة قصة، تبدو جميعها مكتوبة في مغتربه الهولندي، لكن المكان العراقي حاضر فيها كشبح ظلّ، لا يغيب ولا يتجسّد تمامًا.
ما يميّز هذه المجموعة هو أن حياوي يكتب كما لو أنه لا يزال يحمل كاميرته القديمة. وذلك يكفي -بالنسبة لي- أن يبقيه صحافيا، كما أريد!
ففي قصة “حصار الحلزون”، يفتتح المشهد بجغرافيا الحرب "منظر النخل المقطوعة رؤوسه لا يبعث على الارتياح في النفس".
هذه ليست جملة سردية فحسب، بل صورة صحافية: لقطة أولى، زاوية منخفضة، ضوء قاسٍ، وملح يحفظ الجثث من التفسخ.
القاص يصل إلى منطقة معزولة لكنها حاضرة في الذاكرة كمدينة الدم والفداء والملح والشهادة وزمن عراقي حقيقي تم استعادة فيه الفاو من المحتل الإيراني، يلتقي السائق عبد الرزاق، شخصية ملتبسة بين البطولة والتهريب، والمعلمة الوحيدة في القرية، والمرأة العجوز التي تقرأ الحلزونات كما لو أنها تقرأ خرائط الشك.
هنا تتداخل الأسطورة بالحرب: شجرة بمبر تبكي دمًا لأن تحتها سبعة جنود إيرانيين مخدوعين بأن الوصول إلى الفاو سيجعلهم على بعد خطوات في كربلاء!، وفاطمة التي تزورهم في المنام وتعرف حكاياتهم.
هذه ليست واقعية سحرية، بل واقعية ملحية، تنتمي إلى جغرافيا الفاو، حيث الملح يحفظ الجثث، وحيث الحرب لا تموت بل تتخثّر.
القصة تبلغ ذروتها حين يرى الراوي قدم أم فاطمة المبتورة داخل صندوق خشبي، ثم يهرب من حقيبته المليئة بالكوابيس ويتركها في القطار العائد من البصرة، لكنه يتلقّى بعد سنوات طردًا يعيد له الحقيبة مع رسالة "كن حذرًا في المرّة المقبلة ولا تنسَ الحقيبة"!
هذه النهاية ليست مجرد مفاجأة، بل عودة قسرية للذاكرة، تذكير بأن الحرب لا تترك أحدًا ينجو منها مهما ابتعد.
في قصة “صانع الآلهة”، ينتقل حياوي إلى فضاء مختلف: مدرّسة نحت نحيلة، بسيطة، ذات حضور غامض، تلتقي الراوي في المعهد، ثم تزوره في قريته قرب خرائب أور.
هناك، في المقبرة الملكية، يستعيد الراوي الفتاة السومرية التي رآها في طفولته، مستلقية في قبر، تسند رأسها إلى جرّة من الآجر، تمد ذراعها نحو الضوء.
هذه القصة تشتغل على ثلاث طبقات: الذاكرة الطفولية التي لا تزال تعمل ككاميرا بدائية. الأسطورة السومرية بوصفها مادة حيّة، لا أثرًا متحفيًا. والفن بوصفه محاولة لاستعادة الغائب، أو إعادة تشكيله.
الأب الذي يقضي الليل في كوخه يصنع آلهة صغيرة من حجارة وأخشاب صلدة، والمدرّسة التي تختفي فجأة في عمق البستان، كلاهما ينتميان إلى عالم لا يفصل بين الأسطورة والواقع، بل يراهما طبقتين فوق بعضهما. هذه القصة تقول شيئًا مهمًا: أننا لا نصنع آلهتنا، بل آلهتنا هي التي تصنع مصائرنا. "كان محمد حياوي في طفولته يصنع تماثيل الحيوانات من الطين حتى وصل اليوم الذي حطم فيه والده تلك التماثيل عقابا له على فشله الدراسي".
في قصة “ليلة سيدوري”، يذهب حياوي إلى منطقة أخرى من اشتغاله السردي، منطقة تتجاوز الواقعية الملحية التي تهيمن على معظم نصوص المجموعة، لتلامس الأسطورة مباشرة. يستعيد القاص شخصية سيدوري، نادلة الحانة التي لجأ إليها جلجامش في ملحمة البحث عن الخلود، تلك المرأة التي لم تمنحه سرّ الحياة، لكنها خففت عنه وطأة الحزن. يخرجها حياوي من اللوحة السومرية القديمة ليجدها في كل امرأة يراها بطله في طريقه، كما لو أن سيدوري تحولت إلى نموذج أولي للأنوثة التي تمنح العزاء دون أن تغيّر المصير. القصة قصيرة، لكنها محفزة للخيال، لأنها تعيد طرح السؤال الذي ظلّ يرافق جلجامش منذ آلاف السنين: هل العزاء شكل من أشكال الخلود؟ هنا ينجح حياوي في أن يجعل الأسطورة جزءًا من الحياة اليومية من بغداد مرورا بعمان حتى امستردام، لا بوصفها إرثًا ثقافيًا، بل كظلّ يتكرر في الوجوه، وكأن سيدوري لم تعد امرأة واحدة، بل فكرة تتجسد كلما احتاج الإنسان إلى يد تربت على حزنه. هذه القدرة على تحويل الأسطورة إلى ملمس يومي هي ما يجعل القصة واحدة من أكثر نصوص المجموعة لمعانًا.
تشتغل “نصوص المرقاة” على أربع ثيمات مركزية: الملح بوصفه مادة سردية، فالملح يحفظ الجثث، يحفظ الذاكرة، يحفظ الخراب.إنه ليس عنصرًا طبيعيًا، بل مكوّنًا سرديًا يعيد تشكيل الزمن.
والموت "كما في قصة الموتى لا يملون الانتظار" والجثة بوصفها أثرًا لا يموت، فالجثث في قصص حياوي ليست موتى، بل شهودًا. تتحرك، تتزحزح، تنهشها الكلاب، تعود في الأحلام، وتبكي من تحت الشجر.
ثم الذاكرة بوصفها حقيبة لا يمكن التخلص منها، فالحقيبة التي تعود بعد سنوات هي استعارة مركزية: كل ما نحاول التخلص منه يعود إلينا في طرد بريدي.
وأخيرا الظل العراقي في المغترب الهولندي، فالمكان العراقي لا يظهر مباشرة، بل كظلّ، كصورة من كاميرا قديمة، كصوت بعيد، كجغرافيا لا يمكن نسيانها.
لغة حياوي ليست شعرية، بل بصرية. تشتغل على الضوء، على الملمس، على الجغرافيا، على الأشياء الصغيرة: الحلزون، الخرزة الخضراء، الحجل الذهبي، الجرة السومرية، الملح، النخل المقطوع.
هذه لغة قاصٍّ يعرف أن التفاصيل ليست زينة، بل أدوات تفكير. هكذا يكتب كما يبدو لي بعين الصحافي الذي يرى بأكثر من عين ويسمع بأكثر من أذن ويتحرك بأكثر من قدم. ومع أن محمد حياوي لا يعبأ كثيرا بارثة الصحافي مثلما أنا أريد! لكنه أيضا قاصٌّ يكتب كما يرى، لا كما يُطلب منه أن يرى.
في النهاية "نصوص المرقاة” ليست مجموعة قصصية فحسب، بل أرشيف بصري لزمنٍ لم يعد يملك رفاهية البراءة.
محمد حياوي يكتب كما لو أنه لا يزال يحمل كاميرته القديمة، لكنّه يحمّل الصورة طبقات من الأسطورة، والهلع الهادئ، والحنين، والملح.
إنها مجموعة تليق بزمنٍ لا يمكن فهمه إلا عبر التفاصيل الصغيرة، وبقاصٍّ لم يتخلَّ عن حدسه، لأنه لم يفرط بقصصه.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي
- تكرار أسطورة أغويرو بين السيتي وأرسنال
- مات صادق الصائغ متوكأ على سنوات الخيبة!
- هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر
- من بيروت إلى بغداد وصنعاء… هل يمكن تعميم اللحظة؟
- هشام مطر يجسد في رواية «أصدقائي» حماقة الاعتقاد بتحررنا من ا ...


المزيد.....




- مهرجان الجاز الدولي في بطرسبورغ يسجل رقما قياسيا بـ210 آلاف ...
- المهتران العثمانية.. أقدم فرقة موسيقى عسكرية في العالم
- دمى بلا أطفال.. فعالية مؤثرة لتكريم ضحايا الحرب من أطفال دون ...
- تسعون عاما على ميلاد ماريس ليبا.. أحد أساطير الباليه السوفيت ...
- في ذكراه الـ185.. ليرمونتوف الذي رفع مسدسه للسماء فسقط قتيلا ...
- الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري أبطال إف ...
- -الرجل الطائر-..فنان فرنسي يتحدى قوانين الجاذبية ويحّول الحر ...
- مسرح المونو يطلق جائزته الأولى.. تكريم شامل لصنّاع العرض الم ...
- إشهار -مؤسسة الكرامة للثقافة- في دمشق... دعوة لبناء الإنسان ...
- ذاكرة القدس البصرية (قراءة في تجربة الفنان المقدسي الراحل صل ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة