أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي














المزيد.....

محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


الذاكرة ليست ما نحتفظ به في الحقائب، بل ما يسبقنا إلى الأماكن الشاهقة ويهيّئ لنا الطريق. هكذا وأنا أقرأ بشغف مذكرات محمد حديد، والد زها، وجدتُني أستعيد تلك المرة الوحيدة التي التقيته فيها. كان بصحبة صديقي الباحث زهير العطية في بهو فندق “الرشيد” وسط بغداد، قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
جلستُ أستمع إليه باحترامٍ لا يخلو من رهبة، دون أن أجرؤ على طلب حوار أو تصريح صحفي؛ فقد كان معروفاً بأنه لا يمنح أحداً ذلك الامتياز. مرّت أكثر من ساعة، ثم قال لنا بهدوئه الرصين: “لا شيء مما تحدثنا فيه يصلح للنشر”. التفتَ إليّ زهير العطية بابتسامته الواثقة وقال له: “اطمئن.. فكرم موضع ثقتي”.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتمحنني شعوراً نادراً: أنني في حضرة رجلٍ يعرف قيمة الكلمة، ويتقن سرّ صونها قبل إطلاقها. وها أنا أجد ذلك الانضباط الأخلاقي متجسداً في متن كتابه الرائع “مذكراتي”، الذي حرره نجدة فتحي صفوة.
لم يكن محمد حديد مجرد وزير في حكومات العهدين الملكي والجمهوري، بل كان واحداً من أولئك العراقيين الاستثنائيين الذين عبروا العالم وهم يحملون في جيوبهم ثقل الحضارة العراقية ونبالتها.
في إحدى زياراته إلى أسرته في الموصل بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يعمل يومها في بغداد، “كما يروي في مذكراته” وقف أمام خيمةٍ منصوبة على تلّ “نمرود”؛ حيث كان المنقّب الآثاري البريطاني ماكس مالوان وزوجته الروائية أغاثا كريستي يواصلان حفرياتهما في القصور الآشورية، كأنهما ينقبان عن روح العراق لا عن أحجاره فقط. هناك، في ذلك اللقاء العابر، جلس الاقتصادي العراقي القادم من الموصل والمُتخرج في “مدرسة لندين للاقتصاد” (LSE)، مع سيدة رواية الجريمة العالمية، يشربان الشاي في خيمةٍ فوق أطلال ملوك آشور. تبادلا حديثاً يشبه الاحترام المتبادل بين ثقافتين تلتقيان على نديّة المعرفة، بلا سياسة ولا ضجيج.
ولم يكن ذلك اللقاء مصادفة، بل بداية لعلاقةٍ امتدت حين دعته أغاثا وزوجها إلى منزلهما في لندن؛ وكأن الذاكرة الآشورية التي حملها من نمرود وجدت طريقها الطبيعي إلى بيتٍ بريطاني يعرف قيمة الشرق.
هذه التفاصيل الثمينة تكشف أن زها حديد وشقيقيها هيثم وفولاذ لم يكونوا طارئين على لندن، ولم يدخلوا العاصمة البريطانية كغرباء يفتشون عن موطئ قدم. ذاكرة عائلتهم سبقتهم إلى هناك؛ عبر خيمة في نمرود، ودعوة شاي في بيت أغاثا كريستي، وعلاقة احترام بين عالم آثار ورجل دولة كان يرى في الحضارة جزءاً من تكوينه الشخصي.
لم تكن سنوات محمد حديد في لندن مجرد مرحلة دراسية في “LSE” تشكلت فيها أفكاره الاقتصادية والسياسية، بل كانت العمارة الذهنية التي استندت إليها زها فيما بعد. الوالد الذي استوعب صرامة التخطيط الغربي دون أن يفقد هويته الشرقية، زرع في وجدان ابنته تلك الجسارة الحضارية. وهكذا لم تأتِ زها إلى لندن لتبني مجرد انحناءات وهياكل معمارية مائلة بطريقة الرقص أو الحليب المسفوح!، بل جاءت لتعيد صياغة الفضاء المعماري في بريطانيا والعالم بأسره؛ من مركز الألعاب المائية في لندن، إلى متاحف ومشاريع امتدت من الصين إلى قلب أوروبا حتى أبوظبي والرباط. كانت زها تكسر جلود المباني القاسية بنفس العناد والأنفة اللذين حملهما محمد حديد وهو يفاوض على مستقبل بلاده.
حضور زها في الفضاء المعماري العالمي لم يكن حدثاً منبتّ الجذور، بل كان امتداداً لسيرة عائلية وعراقية طويلة، عبرت الجغرافيا الإنسانية قبل أن تعبر خطوط الهندسة والعمارة.
لعل أوجع ما في هذه المفارقة، أن عراقاً يرزح اليوم تحت وطأة الخراب، كان يوماً بلداً تستقبله أغاثا كريستي فوق أطلال نمرود، ويُرسل محمد حديد إلى أرستقراطية لندن لا كلاجئ، بل كضيفٍ يملك الحضور والمعنى.
ذاكرةٌ كهذه لا تُكتب، بل تُعزف؛ مقطوعةٌ شجية تصدح لتذكرنا بأن العراق الحقيقي، مهما أمعنوا في تغريبه، كان يوماً مركزاً يلتقي عنده العالم!
واليوم، وفي قسوةٍ أخرى من قسوات الأوديسة العراقية، يرقد محمد حديد وابنته زها معاً في مقبرة “بروكوود” بقرب لندن.
الأب الذي حفظ كرامة الكلمة ورسم السياسات الاقتصادية لبلدٍ شاهق، ينام إلى جوار السيدة التي روّضت الباطون وانحنت لها خطوط الهندسة في العالم. إنهما هناك، في ذات التراب البريطاني الغريب؛ يتبادلان صمتاً أخير يشبه صمت خيمة نمرود، ويذكراننا بأن العراق الحقيقي -مهما أمعنوا في إطفاء ضوئه- كان يوماً مركزاً يلتقي عنده العالم، قبل أن يرمي بأجمل أبنائه ليصبحوا حبات ثرى في الأرض البعيدة القريبة!



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة


المزيد.....




- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي