أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - القراءة أرقى أشكال العصيان














المزيد.....

القراءة أرقى أشكال العصيان


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


لا أريد أن أعد الكتب التي قرأتها خلال عام كامل، حتى لو كان ذلك إنجازاً لم يكن متاحاً لي قبل سنوات، لكن هذا الإنجاز لا يمكن أن يبدد الشعور التاريخي المستمر بـ”المذلة” عندما أسمع بكتاب عظيم آخر لم اقرأه بعد! فمهما قرأ الإنسان يبقى يشعر بأنه لم يقرأ ما يكفي لجعلة مطمئنا على طريقة تفكيره.
ففي زمنٍ يتفتّت فيه الانتباه كما لو أن الوعي نفسه أصبح شاشة مكسورة، تعود القراءة كفعل مقاومة لا كعادة ثقافية. لم يعد القارئ المعاصر قارئاً بالمعنى التقليدي، بل ناجياً من طوفان الشاشات، يلتقط أنفاسه بين موجة وأخرى، ويصرّ على أن للإنسان حقاً في أن يبطئ الزمن ولو لصفحة واحدة. القراءة اليوم بغض النظر عن نوعها وطبيعتها رقمية كانت أم ورقية، ليست هواية، بل احتجاج على عالم يريد أن يحوّل كل شيء إلى سرعة، وكل معنى إلى موجز، وكل فكرة إلى “ريل” من عشر ثوانٍ على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب.
يشبه القارئ الآن من يشعل شمعة في غرفة مضاءة بالكهرباء، ضوءٌ صغير، لكنه يذكّر بأن الضوء الحقيقي ليس ما يسطع، بل ما يكشف. في الصحراء الرقمية التي نعيش فيها، يمشي القارئ كمن يبحث عن واحة ليست ماءً، بل معنى. ولأن هذا العطش للمعنى لم يعد خافياً، بدأت الثقافة الشعبية نفسها تعيد اكتشاف قيمة الذكاء وربما لهذا السبب تحديداً، كما تشير جيس كارتنر-مورلي في صحيفة الغارديان، أصبح الذكاء “الكول الجديد” في الثقافة الشعبية. ففي اللحظة التي تنحدر فيها السياسة إلى مستوى الثرثرة الشعبوية، وتتحول فيها الخطابات العامة إلى عروض بهلوانية، يعود الكتاب كعلامة على الجاذبية، وكأن العالم يكتشف فجأة أن العقل يمكن أن يكون مثيراً.
تتحدث مورلي في مقالها الرائع عن نجمات بوب يقرأن كامو ودوراس وفرجينيا وولف، وعن عارضات أزياء يحملن كتب ديديون ومارغريت آتوود خلف الكواليس، وعن منصات رقمية تتحول إلى ملاذ لمن يريد أن يفكر خارج ضجيج الخوارزميات.
هذا ليس مجرد تحول في الموضة، بل علامة على جوعٍ عميق للمعنى. فجيل وُلد في قلب العاصفة الرقمية، وتربّى على الشاشات، بدأ يشعر بأن العالم الذي صُمّم له لا يكفيه. يريد شيئاً آخر: عمقاً، فكرة، جملة تُبطئ نبضه قليلاً.
لكن المفارقة هنا لافتة، القراءة تعود في اللحظة نفسها التي ينهار فيها الخطاب العام تحت ثقل التفاهة. كأن الكتاب أصبح اللغة السرية لمن يرفضون أن تتحول حياتهم إلى موجز رقمي بلا ذاكرة. وكأن القارئ، في هذا الزمن، يمارس نوعاً من العصيان الهادئ: يفتح كتاباً بينما العالم يفتح هاتفه، يقرأ بينما الآخرون يمرّرون الشاشات بإصبع واحد، يختار أن يغوص بينما الجميع يطفو على السطح.
هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه “موضة ثقافية” فقط، بل بوصفه رد فعل وجودي على عالم يزدري البطء، ويخاف من العمق، ويعامل التفكير كترف غير ضروري. القراءة هنا ليست بحثاً عن المعرفة، بل بحثاً عن الذات. ليست محاولة لفهم العالم، بل محاولة لفهم ما تبقى من الإنسان داخل هذا العالم. وربما لهذا السبب تحديداً، كما تقول مورلي، أصبح حمل كتاب أكثر إثارة من حمل حقيبة باهضه الثمن أو ارتداء عقد ألماس، ليس لأن الكتاب أجمل، بل لأنه يعلن شيئاً، أن صاحبه ما زال يملك قدرة على التفكير، وأنه لم يستسلم بعد لسطوة الخوارزميات.
إن القارئ اليوم يشبه من يزرع شجرة في زمن يفضّل البلاستيك. يشبه من يصرّ على أن للمعنى وزناً، وللكلمات حياة، وللوقت قيمة لا تُقاس بعدد الإشعارات وعدد المتابعين على أكس وفيسبوك.
القراءة ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل من السطحية التي تبتلعه. هي فعل مقاومة ضد عالم يريد أن يجعل الإنسان مجرد مستهلك، لا كائناً يفكر ويشك ويبحث.
ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة، أن الإنسان لا يُعرّف بما يملك، بل بما يقرأ. وأن الكتاب، مهما بدا قديماً، يظل قادراً على أن يفتح نافذة في جدار العالم. وأن القارئ، مهما بدا وحيداً، يظل آخر من يذكّرنا بأن العقل ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء.
في النهاية، ليست القراءة مجرد فعل ثقافي، بل فعل نجاة. نجاة من الضجيج، من التفاهة، من السرعة، من العالم الذي يريد أن يختصر الإنسان في شاشة. القراءة هي ذلك العصيان الهادئ الذي يمارسه القارئ ضد زمنٍ يكره الهدوء. وهي، في جوهرها، محاولة لاستعادة ما فقدناه: القدرة على أن نفكر ببطء، وأن نشعر بعمق، وأن نرى ما وراء السطح.
ولعل هذا وحده يكفي ليجعل القراءة اليوم أكثر الأفعال ثورية. فلا توجد سعادة أكثر من أن يمتلك المرء اطمئنانا معيشيا، يجعله يقرأ ويقرأ ويفكر بما لم يقرأه بعد كي يستعد له في الغد!



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!
- امتحان التفكير النقدي في الصحافة
- عامٌ لا يكفي لغيابك هيثم الزبيدي


المزيد.....




- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - القراءة أرقى أشكال العصيان