أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته














المزيد.....

يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 03:00
المحور: الادب والفن
    


ليس غريباً أن يغادر الصحافي العربي مهنته عندما يصبح ناطقاً باسم الرئيس أو وزيراً أو مستشاراً في السلطة. فالمغادرة هنا ليست انتقالاً وظيفياً، بل انسلاخاً عن جوهر الصحافة نفسها. أول ما يفعله هو سحق ذلك الجوهر الذي كان يفترض أن يحميه: الحق في السؤال، والشك، والرقابة، والوقوف على مسافة من السلطة. يتحول إلى صوت يبرّر كل ما تفعله الحكومة، ويهاجم زملاءه السابقين، ويعيد إنتاج خطاب السلطة كما لو أنه جزء من جهازها الأمني. لدينا جميعاً أمثلة تبعث على الخيبة؛ زملاء كانوا يكتبون بجرأة، ثم صاروا يكتبون بجرأة ضد كل ما كتبوه سابقاً لمجرد انتقالهم إلى وظيفة حكومية.
سأبتعد عن الأمثلة العربية التي تعرفونها جيداً، لأقف عند حالة مختلفة تماماً: كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب، التي غادرت منصبها هذا الأسبوع بإرادتها لا بتغريدة غاضبة من الرئيس، ولا بتوبيخ علني، ولا بإهانة كما جرت العادة مع كثيرين ممن عملوا معه. غادرت لأنها أرادت أن تعتني بأطفالها. هذه وحدها مفارقة تستحق التأمل. لكنها وفق الزميلة أروى مهدي في صحيفة الغارديان “تركت ورائها أرثا من الأكاذيب”!
ليس منصب المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض، حين يتعلق الأمر بترامب، منصباً هيناً. فمصطلح “الانضباط في الرسالة” يصبح بلا معنى في إدارة لا يعرف أحد—بمن فيهم الرئيس نفسه—ما الذي سيقوله بعد دقيقة. يغيّر مواقفه فجأة، يناقض كبار مسؤوليه، ويناقض نفسه. ومع ذلك، كانت ليفيت قادرة على أداء الدور الأصعب: إرضاء جمهور مكوّن من شخص واحد.. هو ترامب.
ترامب بارع في التلاعب بالإعلام. شيطن الصحفيين وأطراهم وتلاعب بهم لعقود. يعرف شغف الإعلام بالعناوين المتغيرة، ويستخدمه كأداة للتشتيت. وفي هذا المناخ، كانت ليفيت تؤدي دوراً يشبه تماماً دور السكرتير الصحافي للزعيم العربي، رفضت أسئلة الصحفيين، هاجمت دوافعهم، ودافعت عن الرئيس حتى عندما كان يهاجمهم بألفاظ مهينة. نالت إعجابه بسبب “شفتيها السريعتين”، مع أنه لا يحتاج إلى متحدث باسمه؛ فهو أكثر الرؤساء صخباً في التاريخ الحديث، يوصل رسالته بنفسه عبر فوضى يومية من المنشورات والمقابلات والمشاحنات.
ومع ذلك، بقيت ليفيت في النهاية موظفة تغادر منصبها بإرادتها، وتعود إلى حياتها الخاصة دون أن تتحول إلى جزء من السلطة. لم تصبح وزيرة، ولم تُمنح حقيبة، ولم تُكافأ بمنصب سياسي، ولم تُطلب منها كتابة رواية جديدة عن الرئيس. غادرت ببساطة لأنها أرادت أن تعتني بأطفالها.
وقد أخبرتني زميلة سورية تعمل مراسلة معتمدة في البيت الأبيض، وتعرف ليفيت من خلف الكاميرات، أن الصورة ليست دائماً كما تبدو على المنصة. قالت لي: إن ليفيت، رغم حدّتها في المواجهات العلنية، كانت أكثر ودّاً ومرونة في الكواليس، متاحة للصحفيين، وتعرف كيف تفصل بين وظيفتها السياسية وبين احترامها للمهنة التي تقف أمامها كل يوم.
هذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في المنصب نفسه حين يتحول من وظيفة إعلامية إلى وظيفة سياسية.
أما نظيرها العربي، حين يغادر موقعه الصحافي، فإنه لا يغادره فعلاً؛ بل ينتقل إلى داخل السلطة نفسها. يصبح وزيراً، أو مستشاراً، أو ناطقاً رسمياً، أو جزءاً من ماكينة الحكم. يغادر الصحافة ليصبح جزءاً من الرواية الرسمية، ويبدأ بتدمير ما تبقى من استقلاليته، ويحوّل الصحافة إلى ملحق إداري في مكتب الرئيس.
جوهر الصحافة ليس وظيفة، بل شرف مهني. هو القدرة على قول ما لا يريد الرئيس سماعه، والوقوف في المسافة التي تحمي الحقيقة من السلطة، والاحتفاظ بالحق في الشك حتى عندما يكون الثمن باهظاً. الصحافي الذي يصبح جزءاً من السلطة يفقد هذا الشرف، مهما كان منصبه الجديد لامعاً. أما الصحافي الذي يغادر منصبه دون أن يغادر مهنته، فيحافظ على ذلك الشرف، حتى لو أخطأ، حتى لو دافع عن رئيسه، حتى لو كان جزءاً من ماكينة سياسية.
الناطق الرسمي—في أي بلد—لا يستطيع مهاجمة الرئيس أو الحكومة، هذا مفهوم. لكن ما ليس مفهوماً، ولا مقبولاً، هو أن يتحول إلى ممرّ للأكاذيب، أو إلى جهاز تبرير يقدّم الأخطاء بوصفها إنجازات، والوقائع بوصفها مؤامرات، والحقائق بوصفها “تشويه سمعة الدولة”.
لا يُطلب من المتحدث الرسمي أن يكون معارضاً، لكن يُطلب منه أن يكون نزيهاً، أن يقول ما يعرف أنه صحيح، وأن يرفض ما يعرف أنه كاذب، وأن يحتفظ بحدٍّ أدنى من احترامه لذاته وللمهنة التي جاء منها. هذا الحدّ الأدنى هو ما يسقط عند كثيرين في العالم العربي، فيتحول المتحدث الرسمي إلى جزء من ماكينة التضليل، لا إلى موظف يشرح سياسات الدولة.
الدفاع عن السلطة وظيفة سياسية. أما الدفاع عن الحقيقة فهو وظيفة الصحافة. المتحدث باسم الرئيس الأميركي—حتى في إدارة فوضوية مثل إدارة ترامب—يعرف أن مهمته ليست كتابة التاريخ، بل شرح موقف سياسي. يعرف أن الصحافة ستسأله، وستنتقده، وستسخر منه، وأنه سيغادر منصبه يوماً ما دون أن يغيّر موقعه من الحقيقة. أما المتحدث العربي، فيُطلب منه أن يكون جزءاً من صناعة التاريخ الرسمي، وأن يشارك في إعادة كتابة الوقائع، وأن يقدّم الرواية الحكومية بوصفها الحقيقة الوحيدة التي يجب على الرأي العام أن يصدّقها.
وهذا هو الفارق الجوهري: الصحافي الأميركي يغادر منصبه دون أن يغادر الحقيقة. العربي يغادر الحقيقة ليبقى في منصبه.
الأول يعود إلى حياته، والثاني يعود إلى السلطة.
الأول ينسحب من الدور، والثاني ينسحب من الصحافة نفسها.
الأول يخطئ، والثاني يبرّر الأخطاء.
الأول يترك المنصب، والثاني يترك الحقيقة.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة
- كاظم الساهر يعيد اللحن العراقي إلى دمه
- ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف!


المزيد.....




- عموتة يكثف محاضراته الفنية للاعبي الأهلي قبل مواجهة زد
- موقف مفاجئ من السيسي مع فنانة مصرية بعد ظهورها باحتفال المول ...
- أبعد من الجدل اللاهوتي.. كيف قرأ أدباء أوروبا المولد والرسال ...
- نجم فيلم -Rocky Horror-.. وفاة تيم كاري عن عمر يناهز الـ80 ع ...
- وفاة نجم فيلم -وحيد في المنزل- تيم كاري
- الأبوذية.. -مع تميم- يستعرض مكانة أحد أبرز فنون الشعر الشعبي ...
- سرقة على طريقة أفلام -الأكشن-.. كيف حاول لصوص نهب شاحنة وهي ...
- سلسلة أفلام -فاست أند فيوريوس- تحتفل بمرور 25 عامًا على انطل ...
- كنز من 2600 قطعة نقدية فضية يكتشف في مدينة روسية بعد 600 عام ...
- فيلم -طبيب أمريكي- يوثق شهادات صادمة حول استهداف المنظومة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته