أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة















المزيد.....

الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 17:42
المحور: الادب والفن
    


في قصيدة «أتدخنين؟» من الغضب المكتوم والأنفة ما يكفي لنعرفَ لميعة عباس عمارة حين تستشيطُ كبرياءً! غير أن يٌلحّنَ هذا الرفض بكلِّ هذه الرقةِ الذائبة، المسكونة بولَهِ التساؤل وتحدي الاستعلاء الشرقي، وأن يُشارك في أدائها الفنان كاظم الساهر مع ذاك الصوتِ الشاب والغضِّ لـ «سندي لطي»، فمعنى ذلك أن لميعة ستستفيقُ حتماً من رقادها الأبدي المليء بالزهور والفراشات في مغتربها الأميركي، لتترك لنا ابتسامتها الأخيرة، بعد أن خذلتها الحياةُ في شيخوختها.
ارتبطت هذه القصيدةُ في ذاكرتنا الشعرية بوقعِ قراءتها الأولى؛ حين اعتلت لميعة المنبرَ في دار المعلمين العالية ببغداد، وسط حشد من كبار شعراء العراق تقدمهم آنذاك وزير الثقافة شفيق الكمالي وابن خالتها عبد الرزاق عبد الواحد. ومع أول «لا» رددتها الشاعرة نادمةً بعد تساؤلها «أتدخنين؟»، لم يستوعب الجمهور—وغالبيته من طلبة الجامعة آنذاك—نبلَ النفي، بل استعذبوا اللعبة؛ ومع التساؤل الثاني «أتشربين؟»، ارتفع صوتُ القاعة بـ «لا» جماعية صاخبة، لتتحول القراءة إلى تظاهرة تهكمية تفاقمت فيها الـ «لا» مع "أترقصين؟" وتصاعد معها غضب الشاعرة.
يومها، التفتت لميعة نحو الجمهور بذخيرةِ كبريائها وقالت جملتها الشهيرة التي حُفرت في الذاكرة "كنتُ أرتقي المنابر وأقرأ شعري قبل أن تلدكم أمهاتكم!"، ونزلت عن المنصة دون أن تكمل قراءة القصيدة.
انتقل الذهول والغضب إلى شفيق الكمالي، وكأن الصدمة وقعت على رأس الوزير والشاعر معاً، ليلعن سلوك الطلبة وجهلهم بمقام الشعر، متمتماً بحسرة "عندما تزعل لميعة.. من يستطيع مراضاتها؟".
ورغم أن الشاعرة أعادت قراءة القصيدة في أمسيات عربية لاحقة، إلا أن ندبة القراءة الأولى ظلت وجعاً مسكوناً في الذاكرة الشعرية العراقية. واليوم، وبعد كل تلك العقود، يأتي الفنان كاظم الساهر ليُعيد لهذه القصيدة توهجها المسلوب، مراهناً على دمج صوته بصوت الشابة سندي لطي؛ في اختيار ينمُّ عن وعي عميق بعلوم الغناء وتركيب الطبقات. فذاك الصوت البكر، على طراوته، بدا وكأنه صُقل بمران ودربة عاليتين، ليحلّق بالأداء ببراعة تتجاوز السنَّ والتجربة، بدءاً من المخارج الرخيمة للحروف، وصولاً إلى الاحساس بروح المفردة دون الوقوع في الفخ الآلي للتأدية.
لم يكن خيار الساهر لقصيدة لميعة (التي رحلت في مغتربها الأميركي عام 2021) وليد مصادفة أو رغبة عابرة، بل هو ثمرة لقاءاتٍ وجدانية جمعته بالشاعرة الراحلة كما عرفت منه. ويبدو أن في خزانته اللحنية ما هو أبعد من هذه الأغنية، ليس للميعة وحدها، بل لقامات الإرث الشعري العراقي—وهذا ما نترقبه بشغف—من السياب إلى سعدي يوسف، وعبد الرزاق عبد الواحد، ويوسف الصائغ...
تبدأ الأغنية بصوت الشاعرة لميعة عباس عمارة نفسه؛ استحضارٌ ذكي لمشروعية النص وتاريخه، قبل أن تنزلق الموسيقى مباشرة إلى إيقاعات التانغو الأرجنتينية؛ تلك اللعبة الراقصة التي تتطلب مسافةً من الكبرياء والمناورة في حفلٍ ساهر. يقف الساهر في الأغنية كمحاول يروم التعرف على سيدة تمتلك مشيةً محفوفة بالوقار والعزة الشرقية، سيدة ترمقُ محاولاته بتهكم حذر.
وهنا تتجلى الفطنة الموسيقية حين تتسلل الموسيقى ببراعة نحو مقام البيات المتغير المزاج عند مقطع: فما الذي يشدُّ رجليكَ إلى مكاني؟؛ إذ تنعطف الأغنية فجأة نحو طابع شرقي أصيل، ليعكس شجن الرفض وخصوصية الهوية.
تكتمل روعة هذا المعمار الموسيقي من الناحية اللحنية في عبقرية الجملة القائمة على البساطة المركبة، حيث صيغت الألحان لخدمة النص الشعري بدقة وتدفق سلس؛ إذ تتلاحق النغمات بتوازن نادِر بين الآلات الوترية والإيقاعات الموزونة التي تخلق خلفية سينمائية تدعم السرد القصصي للعمل، وتتنقل بمرونة بين الحيرة والاعتزاز دون أن تثقل الموسيقى على المفردة، بل تلتف حولها لتعزز التباين بين النفي الكثيف (جمعُ لا) واللحظات العاطفية المنسابة.
وفي قلب هذا المزيج، يتجلى نضج تعبيري وفريد في صوت كاظم الساهر؛ إذ يطعم أداءه ببصمته الرخيمة المميزة التي تجمع بين الصرامة والهمس العاطفي المتزن. وهكذا تستمر الأغنية على قصرها بإلقاء حواري شبه مسرحي، محولاً الجمل اللفظية البسيطة إلى مقاطع مفعمة بالثقل الدرامي والوقار الموسيقي.
يعتمد الساهر في هذا العمل على التحكم الدقيق بالنَفَس والمساحات الصوتية المتوسطة والمنخفضة حتى يعلو أخير مع الكورال، مما يمنح المستمع إحساساً بالعمق والغموض دون الحاجة إلى الاستعراض بالمساحات العالية، ليترك المساحة الأنثوية الغنائية لسندي تتداخل بسلاسة وتخلق تبايناً جذاباً يعزز من المفهوم الحواري والجمالي للأغنية.
تنتهي الأغنية عندما يتوارى الساهر خلف الكورال، يرافقهم وكأنه يجسد حشداً من "المتحملقين" والمفتونين حول هذه السيدة، يمارسون الغواية ذاتها، ليُختتم المشهد بـ «لا» قوية وجماعية ينطق بها الساهر مع الكورال. لكنها بالقطع ليست الـ «لا» التي أزعجت لميعة قديماً في قاعة دار المعلمين العالية، بل هي «لا» المصالحة والإنصاف؛ كتلوينٌ غنائي يربتُ على كتف الشاعرة في غيابها.
من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه ليست المحاولة الأولى لاستنطاق شعر لميعة غنائياً؛ فقد سبق للشهيد محمد عبد المحسن أن لحّن لها قصيدة «خلصت صدك» لصوت ياس خضر، وتلاه الفنان عبد الحسين السماوي في «أشتاق لك يا نهر» بصوت فاضل عواد. كما اختار سعدون جابر في بداية تجاربه اللحنية قصيدة «لو أنبأني العراف» ليؤديها الفنان عارف محسن وشاركت آنذاك في مهرجان القصائد المغناة الذي أقيم في بغداد. غير أن تجربة الملحن كاظم فندي في قصيدتي «خلصت صدك» و«أرد أسألك» كشفت عن مكامن تعبيرية طريّة في صوت سعدون جابر وظلت حية في المهج.
واليوم، تغلق أغنية «أتدخنين؟» الدائرة قبل أن تفتح من جديد؛ فتظل لميعة حيةً لا تموت، لكنها هذه المرة تعود إلينا بتوقيع موسيقارٍ عرف كيف يستلّ الرفض والكبرياء من القصيدة، ويداوي به زخم الذاكرة بصوتي كاظم الساهر وسيندي لطي.

https://www.youtube.com/watch?v=HgayBT9r3sA



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية
- لجان تحكيم تمنح صك غفران للآلة


المزيد.....




- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...
- الولايات المتحدة: هيئة محلفين تدين زعيم عصابة بتهمة قتل مغني ...
- بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة ...
- ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي ...
- أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة