أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها














المزيد.....

حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


كان حسين عبد اللطيف في تسعينيات البصرة، تحت وطأة طوق الحصار الأعمى، يصارع القصيدة كما لو أنها آخر ما تبقّى له من العالم. لم أرَ شاعراً عراقياً مخلصاً للشعر حدّ الرمق الأخير كما رأيت أبو رسال: يؤجل القصيدة مرة، ويهذّب بعض حروفها مرات، لكنه يكتب القليل النادر، ذلك القليل الذي يشبه قطرة ماء في زمن العطش. وعندما كان ينشر بعض نصوصه، كان يبعث لك نسخاً ورقية عبر البريد ما بين البصرة وتونس حتى لندن، كأن الورقة والقلم تاجان على رأس المشاعر، وكأن الشعر لا يكتمل إلا إذا وصل بخط اليد.
اليوم، من مغتربه الأميركي البعيد القريب، استعاد الشاعر رعد السيفي شيئاً من ذلك الزمن. استعاد حسين عبد اللطيف الذي مات كمداً، لا من خيبة الشعر وحدها، بل من ذلك الكسر الذي أحدثه موت ابنه الصغير، كأن الموت جمع كل آذاه ليحطم قلب الشاعر دفعة واحدة.
رعد، بصوته المخلص للذكرى كما هو مخلص للشعر، أعاد إليّ اليوم تلك الرسالة القديمة، لكن هذه المرة جاءت على هيئة قصيدة نشرت في صحيفة “القدس العربي”. قرأتها وكأنني أقرأ رسالة أبو رسال الورقية قبل أكثر من ثلاثين عاماً. فحسين حاضر في قصيدة السيفي، ليس لأنها مهداة له فحسب، بل لأن الشعر في ذاكرتي لا يحضر إلا عندما يكون حسين عبداللطيف هناك.
قصيدة رعد السيفي تبدأ من العزلة، من تلك النقطة التي كان حسين عبد اللطيف يقيم فيها حياته كلها:
“هو في عزلتهِ ينظرُ للغيمِ”
الغيم هنا ليس طقساً، بل استعارة للزمن الذي لا يُمسك، للقصيدة التي تتشكل ولا تُكتمل، للروح التي تبحث عن شيء لا تعرف اسمه.
ثم تأتي “زهرة خرساء من نار السهول”، وهي صورة حسين نفسه: شاعرٌ يحمل زهرة لا تتكلم، لكنها تحترق. زهرة بلا صوت، لكنها مشتعلة من الداخل. هذا هو حسين كما عرفته: صمتٌ يشتعل. كما كتب في قصيدته الشهيرة “قطار الحمولة قطار الليالي قطار السنين الخوالي، إلى أين تمضي بركابك المتين، تجوب الصحارى بلا زهرة من حنان أو زهرة من حنين، سوى الذكريات القتيلة” تلك القصيدة التي حملتها بيدي من البصرة إلى بغداد، مع تخطيطات صديقي الرسام خالد خضير الصالحي، كوديعة ثمينة كي انشرها في جريدة الجمهورية في منتصف ثمانيات القرن الماضي.
كذلك تستدعي قصيدة السيفي الريح، لا بوصفها حركة طبيعية، بل بوصفها ذاكرة:
“فهو في ذاكرة الريح يقيم”
الريح هنا هي البصرة نفسها، تلك المدينة التي كانت تهبّ على الشاعر ثم تتركه في عزلة لا تشبه عزلة أحد. الريح هي المكان، وهي الزمن، وهي الخيبة، وهي الشعر.
ثم تأتي الوصايا: إقرأي بعض وصاياه على الثاوين في مسرى الحنين”. هذه ليست وصايا شاعر، بل وصايا رجل عاش حياته كلها في الهامش، ولم ينل من الدنيا “كفاء الطير من فيض الفصول”.
حسين كان يعرف أن الشعر لا يكافئ أحداً، وأن الحياة لا تمنح الشاعر سوى ما تمنحه للغيم: مروراً بلا أثر.
تمضي القصيدة بعدها إلى الشناشيل، إلى البصرة التي كانت تضئ، إلى المقاهي التي كانت تجمعهم جميعا، إلى زمنٍ “تبعثرنا هناك”. هذا ليس حنيناً عادياً، بل حنينٌ إلى زمن كان الشعر فيه ممكناً، وكان اللقاء ممكناً، وكان حسين نفسه ممكناً.
الشناشيل ليست مكاناً، بل ذاكرة جماعية، ذاكرة مدينة كانت تضيء رغم كل شيء، ثم انطفأت.
ثم تأتي الضربة الكبرى في القصيدة: “كل ما جادت به الأحلام عندي قبض ريح” هذه الجملة هي حسين نفسه. هي حياته. هي شعره. هي خسارته. هي موت ابنه. هي موته هو.
قبض ريح: هذا هو حصاد الشاعر في بلدٍ لا يكافئ الشعراء إلا بالغياب.
ويأتي السؤال الذي يشبه نهاية الطريق: “هل بلغنا آخر الرحلة من تلك الطريق؟”
هذا سؤال لا يخصّ السيفي وحده، ولا يخصّ القصيدة وحدها، بل يخصّي أيضاً، ويخصّ حسين، ويخصّ كل من عاش الشعر في زمنٍ لا يحتمل الشعر.
وهكذا تنتهي القصيدة بنارٍ أخرى: “ذهبٌ يسطع طول الوقت في سرّ الحريق”.
وهذا هو حسين: ذهبٌ يحترق. شاعرٌ يلمع وهو يحترق. حياةٌ تتوهج وهي تتلاشى.
قصيدة رعد السيفي ليست رثاءً، بل استعادة. ليست بكاءً على شاعر، بل محاولة لإعادة الشاعر إلى مكانه الطبيعي: في الذاكرة، في اللغة، في الريح، في الشناشيل، في تلك الرسائل الورقية التي كان يرسلها حسين عبداللطيف إلي.
رعد السيفي لم يكتب قصيدة مهداة لحسين فحسب، بل كتب قصيدة تعيد حسين إلى الحياة، تعيدني إلى تلك اللحظة التي كان فيها الشعر ممكناً، وتعيد البصرة إلى زمنها الذي ولّى.
القصيدة تقول شيئاً واحداً: إن الشعر الحقيقي لا يموت ما دام هناك من يتذكره، وإن حسين عبد اللطيف لم يغادر إلا جسداً، أما روحه فتمضي في الريح، في الغيم، في الشناشيل، وفي كل قصيدة تُكتب اليوم كما لو أنها رسالة وصلت متأخرة بعد عقود.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟
- المونديال في زمن الصفقات الترامبية


المزيد.....




- موسكو تستضيف ملتقى سينمائيا دوليا بمشاركة شباب من 8 دول
- فيلم -أرض الخرسانة- الوثائقي الأردني يفوز بجائزة مهرجان لندن ...
- الوطن الذي نحمله معنا.. الهجرة والمنفى في أفلام الأنيميشن
- بشار المصري يبحث مع اتحاد الكتاب والأدباء تعزيز الهوية الثقا ...
- السنن الكونية في النظام القرآني
- مجلة “سينماتيك” في عندها 6.. من ذاكرة الأرشيف إلى رهانات الر ...
- مصرع مقاتل في الفنون القتالية المختلطة في هجوم تراب الإرهابي ...
- كوميديا سوداء أرجنتينية تستعيد أجواء هتشكوك في فيلم العلاج ع ...
- مهرجان لوميير بمدينة ليون يستحضر روائع السينما العالمية في د ...
- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها