أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها














المزيد.....

الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


كنتُ هناك قبل سنوات، في قلب بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان، أتحرك ببطء بين الأعمدة التي تشبه أشجاراً حجرية نبتت من زمن آخر. كل شيء كان يلمع بوقارٍ لا يشبه الفخامة، بل يشبه ما قبل اللغة، ما قبل القدرة على تسمية الأشياء.
كنتُ أتجوّل كمن دخل فجأة إلى كتابٍ مكتوب بالذهب، كتاب لا يمكن قراءته إلا بالبصيرة، أما اللغة فتبقى واقفة عند الباب، عاجزة، مترددة، كأنها تخشى أن تخون ما تراه أو تصل متأخرة غير جديرة بالوفاء.
لم تكن العمارة مجرد بناء، بل كانت ذاكرة متجسدة، ذاكرة أوروبا حين كانت تصنع مجدها بالحجر والضوء والخيال.
كنتُ أرفع رأسي إلى القباب التي تتداخل فيها الظلال مع الذهب، فأشعر أن الزمن نفسه يتباطأ، وأن الخطوات تتحول إلى صدى بعيد، وأنني لست زائراً، بل شاهداً على شيء أكبر من قدرتي على الفهم. هناك، قرب الأعمدة الملتفّة حول نفسها كأنها تنهض من حلم باروكي، شعرتُ أن اللغة التي أكتب بها كل يوم تتراجع خطوة إلى الوراء. ليس لأنها ضعيفة، بل لأن المكان يطلب لغة أخرى، لغة لا تُكتب، بل تُحسّ، لغة تشبه ما كان أمبرتو إيكو يلمّح إليه حين يتحدث عن العمارة بوصفها نصاً لا يُقرأ، بل يُعاش.
كنتُ أتحرك بين الرواقات كمن يبحث عن كلمة واحدة تكفي لوصف هذا الامتلاء، لكن الكلمات كانت تتساقط من يدي مثل غبارٍ خفيف. البصيرة وحدها كانت تعمل: تتشبع، تتوسع، تلتقط التفاصيل التي لا تُرى إلا مرة واحدة في العمر. أما اللغة فكانت تقف خلفي، تتنفس بصعوبة، كأنها تقول: هذا ليس لي… هذا لك أنت وحدك.
وحين خرجتُ من البازيليك، شعرتُ أن شيئاً ما تغيّر في داخلي، شيئاً لا يمكن شرحه ولا يمكن استعادته إلا بالكتابة التي تحاول أن تقترب من تلك اللحظة دون أن تدّعي امتلاكها. كأن المكان ترك في الروح علامة صغيرة، لا تُرى في الصور، لكنها تظهر في النصوص التي تُكتب بعدها، في الجملة التي تتردد قبل أن تُكتب، في الفكرة التي تتوهج فجأة دون سبب.
وهكذا، كلما نظرتُ إلى تلك الصور، أعود إلى ذلك اليوم: إلى الأعمدة التي تشبه صلاة، إلى الضوء الذي يشبه موسيقى، إلى الصمت الذي يشبه معرفة لا تحتاج إلى لغة. أعود لأتذكر أن بعض الأماكن لا نزورها، بل نزور أنفسنا فيها.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم
- دول عربية تقف في طابور مواطنيها
- لندن بلا صحافتها العربية
- العراقيون يبحثون عن جائزة ترضية في كرة القدم
- يشتري الفقراء الهتاف ويستأجر الأثرياء الصمت؟


المزيد.....




- جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار
- شيري عادل تنجو من حادث سير في طريقها إلى مهرجان -الغردقة لسي ...
- بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
- وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي ...
- -أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها ...
- قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه ...
- أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م ...
- أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون ...
- زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا ...
- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها