أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين يُعيد كاظم الساهر صياغة المعجم بالنغم














المزيد.....

حين يُعيد كاظم الساهر صياغة المعجم بالنغم


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


جمعتني في لندن جلستان منفصلتان مع ملحنين ينتميان إلى ذلك الزمن المخلص للموسيقى في أسمى حساسياتها؛ أحدهما من ليبيا والآخر من العراق. كلاهما يرتكز على مدونةٍ لحنية رصينة تتشكل جذورها منذ سبعينيات القرن الماضي.
وكالعادة، كانت ألحان الفنان كاظم الساهر محور جدلٍ فني وموضوعي ساخن بيننا. ورغم أن صديقي الملحن العراقي كان أقرب مسافةً وشهرة إلى الساهر مني، إلا أنني لمستُ في آرائه نبرةً تتداخل فيها الخصومة بالضغينة الفنية.
لخّص الملحنان موقفهما في نقد حاد: “الساهر لا يصنع جملةً موسيقية مبتكرة، وهو يُفرط في التفكير بشرط الوصول السريع على حساب التعبيرية الموسيقية الصارمة!”.
أجبتُهما في كليتي الجلستين: “دعونا نضع ألحان الساهر تحت مجهر التشريح الموسيقي المجرد قبل إطلاق الأحكام”. واخترتُ نموذجاً لحنياً مرّ عليه أكثر من عقدين، يقع في منطقة إبداعية تتجاوز مرحلة البدايات الشابة لتكرّس نضج الأدوات؛ وهي أغنية «مشتاق» التي كتب كلماتها الشاعر السعودي الراحل طلال الرشيد.
إن هذا اللحن تحديداً يتجاوز التلحين التقليدي؛ إنه يستلُّ روح المفردة الشعريّة، ويترك آلياتها الذهنية حائرة أمام سلطة النغم. قلتُ لهما إن الساهر ابتكر في موسقة مفردة «مشتاق» وحدها دلالةً نغمية تتجاوز المعنى التاريخي الجاف الذي أودعته إياه القواميس والمعاجم اللغوية؛ وتلك—لعمري—هي أقصى مراتب التعبيرية التي يطمح إليها أي ملحن.
تكشف قراءة الجملة اللحنية في “مشتاق”عن معمارٍ نغمي يقوم على «التشخيص الموسيقي” ( Word Painting).
لا يتعامل الساهر مع النص الشِعري بوصفه كلاماً مقفى يُلبَس نغماً خفيفاً، بل كحالة نفسية ومقامية معقدة. يبدأ المدخل اللحني بتمهيدٍ آلي مشحون بالانتظار، ثم تأتي هجمة الأداء بكلمة “مشتاق”؛ فلا يرسلها الساهر مسطحة أو استهلالية، بل يبنيها على مدّ صوتي متموج، فيه كسرٌ حنون للمقام، يتأرجح بين اللوعة والاستغاثة، وكأن النغمة نفسها تعاني زفرة الشوق ذاتها قبل أن تنطق بها الشفاه. في تصعيد الجملة اللحنية، ينقلنا الساهر من الاستكانة إلى الذروة التعبيرية عبر الانتقال الذكي بين أبعاد المقام (الانتقال من مستقر المقام إلى درجاته الحادة)، حيث يرتفع بالصوت في مقاطع الشوق ليصل إلى بحّةٍ شجية ليست ناتجة عن عجزٍ حنجري، بل عن “قصدية جمالية” تُترجم انكسار العاشق. تتناغم هذه النبرة مع حركة وتريات الفرقة الموسيقية التي لا تكتفي بكونها خلفية إيقاعية، بل تدخل في “حوارية نداء وجواب” (Call and Response) مع حنجرته؛ فكلما صمت الساهر بعد إرسال نغمةٍ محملة بالشجن، ردت الآلات الوترية بتعييرٍ لحني حزين يُكمل ما عجز الكلام عن قوله.
هذا التناسق البنيوي بين الأداء الحنجري والبناء اللحني في «مشتاق» يُثبت أن الساهر لا يلحن الشِعر، بل “يترجمه حركياً ونفسياً”. فهو يتحكم بمسار التنفس، وتوزيع التقطيع الصوتي (Phrasing) بطريقة تجعل كل سكتةٍ موسيقية تحمل وزناً تعبيرياً يعادل وزن النغمة المكتملة.
خرجتُ من النقاش مع صديقَي الملحّنَي بتأكيدٍ أساسي: إن اتّهام كاظم الساهر بالسهولة والتسرّع يسقط تماماً عند تفكيك هذه الأعمال التي حُفرت بعناية في ذاكرة الأغنية العربية. فالموسيقى التعبيرية ليست بالضرورة استعراضاً معقداً للمقامات الشرقية المتداخلة، بل هي القدرة على جعل نغمةٍ واحدة تصيب الروح في مكمنها، وتُعيد تعريف “الشوق” في أذن المستمع إلى الأبد.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توقيع بروتكول تسليم عرش العالم
- حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا
- أطياف أورويل تحت سقف كوفنت غاردن
- بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!
- الإنسان السلعة التي لا تنفد
- ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا


المزيد.....




- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين يُعيد كاظم الساهر صياغة المعجم بالنغم