أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الإنسان السلعة التي لا تنفد














المزيد.....

الإنسان السلعة التي لا تنفد


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 18:15
المحور: الادب والفن
    


كانت صوفي فالييه، ابنة صاحب الفندق الشجاعة في بلدة «بان بوشان» الريفية الفرنسية، من أوائل من مارسوا «التسعير التجسسي» بدهاء فطري. وتقول الحكاية—التي يطيب لنا تصديقها—إنه في عام 1814، توقف نابليون بونابرت في فندقها وطلب وجبة «أومليت». وعندما قُدّمت له الفاتورة بمبلغٍ باهظ يتحدى المنطق، تساءل الإمبراطور مستغرباً: «أوَيُعدُّ البيض نادراً في هذا الجزء من فرنسا؟»، فأجابته فالييه بثقة ناعمة: «البيض يا سيدي؟ كلا.. ولكن الأباطرة؟ نعم”!
هذه الحكاية ليست مجرد طرفة تاريخية؛ إنها إعلان مبكر عن ولادة اقتصاد جديد يعرف أن قيمة الشيء لا تُحدد بما هو عليه، بل بمن يطلبه. كانت فالييه تقرأ الإنسان قبل أن تقرأ قائمة الأسعار، وتعرف أن لحظة الضعف أو لحظة المجد أو لحظة الغرور يمكن أن تُضاعف قيمة أي سلعة مهما كانت بسيطة.
ولعقود طويلة، ظل هذا النمط القائم على التمييز والقدرة على المساومة هو الحاكم في معاملات السوق. غير أن مفارقات الفواتير لم تتوقف عند جشع الفنادق مع الفاتحين؛ بل امتدت إلى وقاحة الساسة المعاصرين.
طالما قضى بنيامين نتنياهو وزوجته سارة الأماسي في المطاعم الفاخرة غارقين في الملذات دون أن يدفعا شيكلا واحدا—باعتراف صريح من حارسه الشخصي السابق آمي درور الذي شهد على طقوس “المجانية” الفاسدة. وعلى النقيض، حين حاول باراك أوباما استدعاء كبرياء السلاسة ذاتها في أحد المطاعم، لم يتردد صاحبه في إعادة إرسال الفاتورة رسمياً إلى البيت الأبيض لتسديدها حتى آخر سنت؛ فتاريخ السلوك الإنساني يؤكد أن الأباطرة يرحلون، لكن الفواتير—عاجلاً أم آجلاً—تجد طريقها دائماً إلى أصحابها.
وليس بعيداً عن هذه المفارقات، يروي خبراء الطيران حادثة طريفة لكنها كاشفة: في إحدى الرحلات التجارية، التقطت خوارزميات شركة الطيران وجود جيف بيزوس على متن الطائرة. لم يكن الأمر يعني شيئاً للركاب، لكنه عنى الكثير للخوارزميات التي رفعت فوراً أسعار الترقية لجميع المسافرين، باعتبار أن وجود “أغنى رجل في العالم” مؤشر على استعداد الآخرين للدفع أكثر. لم يطلب بيزوس شيئاً، ولم يتدخل في الأسعار، لكن مجرد وجوده أعاد تشكيل السوق حوله. إنها نسخة حديثة من أومليت نابليون، لكن بذكاء اصطناعي يراقب كل مقعد وكل بطاقة صعود.
ما كان في الماضي يعتمد على حدس صاحبة فندق، أصبح اليوم صناعة عالمية تُدار بخوارزميات تعرفك أكثر مما تعرف نفسك. شركات الطيران لا تبيع مقعداً في السماء؛ بل تبيع درجة قلقك من التأخر عن سفرك الضروري. وتطبيقات حجز الفنادق لا تبيع غرفة؛ بل تبيع استعدادك للدفع عندما تكون مرهقاً أو مسافراً في اللحظة الأخيرة. أما منصات التجارة الإلكترونية، فهي لا تعرض سعراً ثابتاً، بل سعراً يتغير وفقاً لسلوكك، وتاريخ بحثك، وحتى نوع الجهاز الذي تستخدمه.
لقد أصبح التسعير الحديث أقرب إلى تجسس ناعم: يعرفون ما إذا كنت تتسوق من هاتفك أو من حاسوبك، يعرفون أن كنت في عطلة أو في رحلة عمل، يعرفون أن كنت تتصفح في منتصف الليل، وهو الوقت الذي يضعف فيه الانضباط المالي لدى البشر. إنها نسخة حديثة من فالييه، لكن بذكاء اصطناعي لا ينام.
وفي قلب هذا التحول، يظهر جوهر الاقتصاد السلوكي، لم يعد السؤال «كم يكلف هذا المنتج؟» بل أصبح «كم يمكن أن ندفعك لتدفع؟». الأسواق الحديثة لا تحدد الأسعار بناءً على التكلفة أو الندرة، بل بناءً على الهشاشة البشرية. ترتفع أسعار التذاكر عندما ترتفع رغبتك في الهروب، وتقفز أسعار الفنادق عندما تقفز مستويات الوحدة، وتتغير أسعار الطعام وفقاً لمدى قربك من وقت الإغلاق. إنه اقتصاد يعرف أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً كما افترضت الكتب القديمة، بل كائناً يتخذ قراراته تحت ضغط الوقت، والعاطفة، والقلق، والرغبة في تجنب الخسارة.
وهنا تتجلى الفكرة المركزية لهذه الأسطر. الإنسان هو السلعة التي لا تنفد. فالأسواق الحديثة لم تعد تتعامل مع المنتجات بوصفها وحدات اقتصادية، بل تتعامل مع البشر بوصفهم مخزوناً لا ينتهي من الانفعالات والرغبات والقرارات المتسرعة. السلعة الحقيقية ليست المقعد في الطائرة، ولا الغرفة في الفندق، ولا الأومليت في مطعم ريفي؛ السلعة هي الإنسان نفسه، بكل ما يحمله من ضعف وتردد ورغبة في تجنب الألم أو شراء الراحة. إنه اقتصاد يقوم على استخراج القيمة من النفس البشرية، لا من السلع. وكلما ازدادت هشاشتنا، ازدادت أرباحه.
الدرس الحقيقي الذي تكشفه قصة نابليون ليس أن الأباطرة يدفعون أكثر، بل أن كل فاتورة هي مرآة لسلوكنا. ما فعلته صوفي فالييه لم يكن جشعاً، بل قراءة دقيقة لطبيعة الإنسان، نحن ندفع أكثر عندما نكون في لحظة ضعف، أو لحظة مجد، أو لحظة خوف. وفي زمن الخوارزميات، لم يعد التسعير يعتمد على حدس صاحبة فندق، بل على ملايين البيانات التي تُحلل كل حركة تقوم بها. كيف تتصفح، متى تتردد، متى تتسوق، ومتى تكون مستعداً لدفع أكثر مما ينبغي.
إنه عالمٌ يعرف أن الأباطرة يرحلون، لكن السلوك البشري يبقى هو العملة الأكثر استقراراً. وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقاً فوق كل فاتورة تُقدّم لنا: هل ندفع ثمن السلعة… أم ندفع ثمن أنفسنا؟



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي


المزيد.....




- ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور ...
- ختام فعاليات مهرجان «فنون الأداء» في دورته الخامسة  بمسرح نه ...
- الفنان الروسي يوري بوريسوف يدخل سباق الأوسكار عن فيلم -آرتيف ...
- موجة احتجاج تطالب بإلغاء حفل أندريا بوتشيلي في البتراء الأرد ...
- نجيب محفوظ في أرشيف نوبل قبل 13 عاما من الفوز.. وستة أدباء ع ...
- -GigaAM- الروسي يتفوق على OpenAI وNvidia في أداء المهام بالل ...
- هوليوود تعود إلى أمريكا.. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم ...
- مصطفى الخاني يعلن تعرضه لتهديد ويخاطب -الصندوق السيادي السور ...
- مخرج لاتفي يفوز بجائزة كبرى قدرها 400000 يورو في مهرجان أفلا ...
- تحرك برلماني بسبب “انقطاع الكهرباء” وتوقف الأنشطة المسائية ب ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - الإنسان السلعة التي لا تنفد