أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ














المزيد.....

ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 15:22
المحور: الادب والفن
    


كان الموعد في مبنى نقابة الفنانين بمنطقة المنصور؛ يومها كانت الأسئلة تتهيأ في ذهني على زمن الورقة والقلم، وفي غمار شقاء عراقيّ خالص لا يشبهه شقاء. حين وصلت، كانت القاعة تحتشد بعشرات الوجوه والأنفاس عقب اجتماعٍ للمجلس انتهى لتوه وكأن الكل ينتظر نتيجة يترقبها من اجتماع مجلس النقابة. التفت إليّ صلاح عبد الغفور بابتسامته الأليفة وقال " لا أظن أننا سنستطيع التحاور وسط هذا الصخب.. هيا بنا يا كرم!".
كان بيته على بعد دقائق معدودة من مبنى النقابة. هناك، قضيت معه أمسيةً شائكة ومثقلة بالجدل. أذكر أنه قال لي ضاحكاً إن أحداً لم يستجوبه من قبل بطريقة المتهم موسيقيا كما فعلت! كنت أصوب أسئلتي كأنها اتهامات فنية محبة؛ كيف لا وهو الصوت الوحيد الذي حظي بألحان كبار عمالقة النغم من غير أبناء جيله، ممتداً من ناظم نعيم—سيد المأثور المقامي لنغمة ناظم الغزالي—وصولاً إلى ياسين الراوي وفاروق هلال؟ خرجتُ من بيته في ذلك المساء وفي أوراقي حوارٌ استثنائي، حوارٌ كان مقدراً له أن يعيد اكتشاف صلاح عبد الغفور لجمهورٍ يجهل الكثير من أغوار نبرته وثقافته الموسيقية.
في كواليس مجلة «الرافدين»، اعتنيتُ بتصميم الحوار صفحةً بصفحة برفقة صديقي الفنان التشكيلي ضياء الراوي، لينزل على مساحة صفحتين كاملتين. مجلةٌ طواها الزمن اليوم ولم يتبقَ من أسرتها ومحرريها على قيد الحياة سوى صديقي الشاعر علي عبدالأمير، بعدما أومأ لنا بالوداع الأبدي كل من محمد الجزائري، ومظهر عارف، ورشيد الرماحي، وحسين الحسيني، وناظم السعود.. رحلوا جميعاً وتركوا في الممرات صدى ضحكاتهم القديمة.
لكن، أيُّ قدرٍ أعمى هذا الذي فاجأنا بتوقف إصدار المجلة والعددُ يغالب أنفاسه الأخيرة على مكابس المطبعة؟! لم يكسرني توقف المجلة بقدر ما اعتصرني الأسى على حوارٍ سهرتُ عليه بحماس الصحفي العاشق لمهنته؛ حوار كنتُ قد أطلعتُ صديقي الناقد عادل الهاشمي على مسودته الأولى، فقال لي بذهول "إنها مفاجأةٌ أن تستخرج كل هذا المكنون الغزير من صلاح عبد الغفور!".
ضاع الحوار.. وظلّ ندبةً غائرة في روحي. كانت المسودات والماكيتات محتجزةً في مطبعةٍ صرنا نتجنب المرور بقربها (...)، ولم تسعفني الذاكرة المعذبة بالأسى لإعادة كتابته من جديد.
مرت الأربعون عاماً دون أن نلتقي؛ باعدت بيننا السبل، وحتى حين زرتُ دمشق عام 2001، كان صلاح في سفرة عمل.. وكأن الأقدار كانت تحرص على إبقاء مسافة الغياب بيننا.
وفجأةً، في عام 2013، قرأت خبر رحيله صاعقاً ومفجعاً. أصبتُ بـ «صمٍّ لغوي» تام، وعجزتُ عن تدوين حرفٍ واحد؛ فماذا يمكن للكلمات القاصرة أن تقول في رثاء حنجرة جمعت بين أطياف المدارس اللحنية والأنغام المقامية العراقية بنبلٍ لم يحظَ به فنانٌ آخر؟
واليوم، وبعد مضي ثلاثة عشر عاماً على الغياب، يباغتني الصوت والمواجع؛ يصدمني اللحن والداء الشجي الموجع الذي أداه شقيقه الفنان نجاح عبد الغفور في أغنيته يسألوني عليك. أغنيةٌ كتبها علي هليل بإخلاص شعريّ تقطر منه اللوعة، ولحنها وأداها نجاح عبدالغفور بنغمٍ مدجج بالفخامة ومرارة الاستذكار لشقيقه الراحل.
حين تصغي لنبرة نجاح وهي تستحضر روح صلاح في هذه الأغنية، لا يسعك إلا أن تشعر بأن الوجع العراقي لا يشيخ، وأن الموت أجبن من أن يمحو هذه الأطياف.
هل يكفي أن نصرخ بملء حشرجتنا "تباً للموت!"؟ أم أن تجديد أوجاعنا هو ما تبقى لنا لنحتفظ بملامح أولئك الذين غادرونا مبكراً، وتركوا أصواتهم تنبض في تلافيف الذاكرة؟



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب
- روزينا.. وجه سوريا الحقيقي
- الحشود: من وزن الثور إلى قطيع الوهم


المزيد.....




- ورشة في -زمن الأبطال- تناقش أخلاقيات صناعة الأفلام وبناء الص ...
- -عبر 3 مستويات صخرية تحت الأرض-.. مقابر -كوم الشقافة- تروي ت ...
- ضبط آلاف الوسائط الصوتية خلال مداهمات واسعة في عدة ولايات أل ...
- بعد هجوم واسع.. فنانة مصرية توضح حقيقة زفاف الرجال الثلاثة
- علماء آثار فلسطينيون يسابقون الزمن لإنقاذ تراث غزة
- 163 دار نشر و90 ندوة في الدورة 67 لمعرض بيروت الدولي للكتاب ...
- ورشة -الفيلم الوثائقي: من الفكرة إلى الإنتاج- في ملتقى -زمن ...
- التقدم والاشتراكية يعزي عائلة الفنان المغربي الأصيل عمر بوتم ...
- -هتلر كان مجرما كسولا ينام حتى الظهر-.. كتاب جديد يتحدى الرو ...
- هل أثرت الاستقالة وانسحاب النجوم على موعد مهرجان الموسيقى ال ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ