أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!














المزيد.....

بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


دعوني أتخيل أن سليمة مراد نهضت فجأة من رقادها الأبدي، وقد أقلقها صوت يتسلل من بعيد ويمس شغاف قلبها الموجوع. لا تجد أمامها إلا أن تطرق باب شاعرها عبد الكريم العلاف، ثم تبعث نداءً عاجلاً إلى صالح الكويتي عبر المسافات البعيدة القريبة بين الأمس واليوم، وتطلب منه أن يحضر فوراً. ثمة معجزة صغيرة تحدث في مكان ما، وثمة فتاة تستعير روح بغداد القديمة وتعيدها إلى الحياة.
تلك الفتاة هي بيدر البصري. ليست نسخة من أحد، وليست محاولة لاستعادة زمن مضى، بل امتداد نادر لذلك الخيط الفضي الذي انقطع طويلاً في الغناء العراقي. وما إن تبدأ بأداء "قلبك صخر جلمود" وهي تستعين بعزف في غاية الحساسية لوالدها الموسيقار حميد البصري، عزف لا يرافق الصوت بقدر ما يحنو عليه، ويترك له المساحات الكافية لكي يتنفس ويكشف خبايا الجملة اللحنية الأولى التي صاغها صالح الكويتي لـ سليمة مراد عام 1932. ذلك اللحن الذي تحول مع العقود إلى أحد النصوص المؤسسة للوجدان الغنائي العراقي، حتى يشعر المستمع أن الزمن يتراجع إلى الوراء، وأن أسطوانة قديمة دارت فجأة، ولكن بصوت جديد.
أي وجع كان سيصيب ذلك الجمع الافتراضي لو اجتمعوا اليوم؟ وأي حنين؟ بل لعل الموت نفسه، الذي اختطفهم جميعاً، كان سيشعر للمرة الأولى في التاريخ بشيء من الندم، فيعتذر عن قسوته ويُرخي قبضته قليلاً أمام هذا الأداء الذي يعيد إلى الأسماء الغائبة نبضها ويمنحها حياة إضافية.
ما يدهش في غناء بيدر البصري ليس جمال الصوت وحده، بل قدرتها النادرة على النفاذ إلى المعنى الداخلي للأغنية. فهي لا تنطق الكلمات نطقاً فحسب، وإنما تستخرج ما استقر فيها من شجن وخيبة وانتظار. أما مخارج الحروف البغدادية فتخرج من فمها كأنها مصقولة بفضة قديمة، فضة احتفظت ببريقها رغم كل ما مر على #العراق من غبار السنين.
في "قلبك صخر جلمود" لا تبدو بيدر مغنية يافعة تختبر نفسها أمام تراث عريق، بل فنانة اجتازت مسافات طويلة من الدربة والإصغاء والمران. لقد اختارت واحدة من أصعب المحطات في الغناء العراقي، وهي تدرك أنها تدخل ميداناً وقف فيه كبار المؤدين، من سليمة مراد إلى مائدة نزهت وهناء وأمل خضير. ومع ذلك لم تدخل خائفة من المقارنة، بل دخلت وفي صوتها ما يكفي من الصدق والوعي الفني ليجعلها تقف بينهم لا باعتبارها وريثة فحسب، بل باعتبارها إضافة جديدة إلى السلسلة الذهبية نفسها.
لعل أجمل ما فعلته بيدر البصري أنها لم تغنِّ الأغنية بوصفها أثراً من آثار الماضي، بل بوصفها كائناً حياً ما زال قادراً على التنفس. وهكذا لم نستمع إلى "قلبك صخر جلمود" مرة أخرى فحسب، بل استمعنا إلى ذاكرة العراق وهي تستعيد صوتها.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان السلعة التي لا تنفد
- ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية
- الجواهري… وتمثال لا يعرفه
- عطرٌ وإنفاقٌ بلا وجع قلب


المزيد.....




- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!