أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا















المزيد.....

حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


في صباح واحد، "الخميس الخامس عشر من أكتوبر"، اتفقت صحف بريطانية لا تتفق عادة على شيء تقريباً.
وفق هذا الإجماع احتلت محاكمة الممثل الكوميدي راسل براند مساحات بارزة من الصفحات الأولى، من «ميترو» إلى «ديلي ميل»، ومن «ذي صن» إلى «ديلي تلغراف»، وحتى «آي بيبر".
وتكررت صورة هذا الممثل ومقدم البرامج بالحجم نفسه تقريباً، والكلمات نفسها تقريباً أيضاً: "المفترس"، "الاعتداءات"، "الضحايا"، و"المحكمة". بدا وكأن البلاد استيقظت على حدث مصيري سيغير وجه بريطانيا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان من حق الصحافة تغطية المحاكمة. فهذا حق مشروع وواجب مهني. السؤال هو: كيف تصبح قضية تخص شخصاً واحداً، مهما بلغت شهرته أو فظاعة الاتهامات الموجهة إليه، الخبر الأكثر حضوراً في بلد يواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة تمس حياة الملايين كل يوم؟
ما تكشفه هذه الصفحات ليس محاكمة راسل براند بقدر ما تكشف التحول الذي أصاب الصحافة البريطانية نفسها.
في الماضي كانت الصحف تحدد أولوياتها وفق معيار بسيط نسبياً: ما الذي يؤثر في حياة الناس؟ أما اليوم فقد أصبح معيار آخر ينافسه، وربما يتغلب عليه أحياناً: ما الذي يجذب انتباه الناس؟ وبين التأثير والانتباه مسافة شاسعة.
أزمة الإسكان تؤثر في ملايين البريطانيين، لكنها لا توفر صورة درامية جذابة. قوائم الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية قضية تمس المجتمع كله، لكنها تفتقد عنصر الإثارة. الضرائب، والتضخم، وتراجع الإنتاجية، وشيخوخة السكان، ومستقبل العلاقة مع أوروبا، كلها ملفات تشكل الشريان الحقيقي للحياة البريطانية، لكنها لا تمنح المحرر صورة لرجل مشهور يدخل المحكمة وسط عدسات المصورين.
هنا تكمن المعضلة. فالصحافة، مثل كثير من المؤسسات الإعلامية الغربية، انتقلت تدريجياً من اقتصاد الخبر إلى اقتصاد الانتباه. ولم تعد المنافسة على نشر المعلومة أولاً، بل على جذب العين أولاً. وفي هذه المنافسة تمتلك المحاكمات الشهيرة أفضلية هائلة. فهي تقدم شخصيات معروفة وصراعاً أخلاقياً واتهامات صادمة وشهادات متجددة، أي أنها تتحول إلى مسلسل يومي يمكن تسويقه بسهولة أكبر من أي نقاش حول الإنفاق العام أو إصلاح التعليم.
المفارقة أن الصحف الجادة لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. صحيح أن «ديلي تلغراف» أبقت ملفات الدولة والاقتصاد في متن الصفحة، وصحيح أن «آي بيبر» خصصت مساحات لقضايا أخرى أكثر صلة بالشأن العام، لكن العين تقع أولاً على صورة راسل براند لا على أرقام الاقتصاد. وكأن المعادلة الجديدة أصبحت: اجذب القارئ بالفضيحة، ثم قدم له الأخبار التي يحتاجها.
لكن التجربة تقول إن كثيرين يتوقفون عند الفضيحة ولا يصلون إلى ما بعدها.
الصحافة لا تحتاج إلى الكذب كي تشوه أولويات الرأي العام. يكفيها أن تعيد ترتيبها.
فالصحيفة لا تقول إن محاكمة ممثل أهم من أزمة الرعاية الصحية أو من أزمة السكن. لكنها تمنح الأولى العنوان والصورة والمساحة والضجيج، فيما تضع الثانية في زوايا أصغر. وهكذا تتشكل لدى القارئ، من دون أن يشعر، خريطة ذهنية جديدة لما هو مهم وما هو ثانوي.
هذه هي قوة ترتيب الأخبار، لا مضمونها فقط.
والحقيقة أن ما رأيناه في هذه الصفحات الأولى يشير إلى ظاهرة أوسع من قضية راسل براند نفسها. فالوجوه أصبحت أكبر من القضايا، والشخصيات أكثر حضوراً من الأفكار، والفضائح أقوى تأثيراً من السياسات.
لعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذا المشهد يأتي من قلب البلد الذي أنجب واحداً من أكثر تعريفات الخبر بلاغة واستمراراً في التاريخ الصحافي. فقد نُسب إلى اللورد نورثكليف، مؤسس «ديلي ميل»، قوله إن «الخبر هو ما يريد شخص ما منعه من النشر، وما عدا ذلك فهو إعلان». وبعد أكثر من قرن على هذا التعريف، تبدو بعض غرف الأخبار وكأنها تعيد ترتيب المعادلة: لم يعد المهم ما يسعى أصحاب النفوذ إلى حجبه عن الجمهور، بل ما يكفي لجذب الجمهور إلى الصفحة.
لم يكن المقصود بالطبع تمجيد الأسرار أو الفضائح، بل الإشارة إلى أن القيمة الصحافية الحقيقية تكمن في كشف ما يؤثر في حياة الناس، وتسعى السلطات أو المؤسسات أو أصحاب المصالح إلى إبعاده عن الضوء. وبالمقارنة مع هذا المعيار، يصعب عدّ محاكمة شخصية مشهورة، مهما بلغت جماهيريتها، الحدث الأجدر باحتلال معظم الواجهات الإخبارية في بلد تتنازع حكومته أزمات الاقتصاد والخدمات العامة والإسكان والهجرة ومستقبل النمو.
وليس المقصود هنا التقليل من أهمية القضية نفسها أو من خطورة الاتهامات المرتبطة بها، فالعنف الجنسي ضد النساء قضية عامة وجدية تستحق المتابعة والتغطية. لكن السؤال يتعلق بحجم الهيمنة التي مارستها هذه المحاكمة على الصفحات الأولى، مقارنة بملفات أخرى لا تقل عنها أهمية في تشكيل حياة البريطانيين اليومية.
المشكلة هنا ليست في المحاكمة نفسها، فهي قضية جنائية مشروعة وتستحق التغطية. لكن تحويلها إلى العنوان الجامع لصحف مختلفة المشارب يكشف تبدلاً في الفلسفة الإعلامية ذاتها. فالصحافة التي كانت تبحث عما يتصل بالمصلحة العامة أصبحت، تحت ضغط السوق واقتصاد النقرات والمنافسة على الانتباه، تبحث عما يضمن أعلى درجات الاستهلاك الجماهيري.
وهكذا يُستبدل سؤال: "ما القضية التي يحتاج المجتمع إلى فهمها اليوم؟" بسؤال آخر أكثر إثارة: "ما القصة التي ستجعل القارئ يتوقف لثوانٍ إضافية؟". وبين السؤالين تقع المسافة كلها بين صحافة تصنع وعياً عاماً وصحافة تلاحق مؤشرات السوق.
راسل براند سيخرج يوماً من الصفحة الأولى، سواء بالإدانة أو البراءة. أما السؤال الذي سيبقى مطروحاً فهو: ماذا خسر المجال العام البريطاني في الطريق؟
في اليوم الذي توحدت فيه الصحف حول محاكمة رجل واحد، كانت بريطانيا الحقيقية، بكل أزماتها وأسئلتها ومخاوفها، تنتظر دورها بصبر في الصفحات الداخلية. وربما كانت تلك هي المحاكمة الأهم، وإن لم تُعقد في محكمة ساوثوارك، بل في غرف التحرير نفسها.
هناك، تحديداً، يمكن العثور على السؤال الأكثر إلحاحاً: متى توقفت الصحافة عن البحث عما يجب أن يعرفه الناس، وبدأت تنشغل بما يكفي فقط لجذب انتباههم؟



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أطياف أورويل تحت سقف كوفنت غاردن
- بيدر البصري توقظ صالح وسليمة من رقادهما الأبدي!
- الإنسان السلعة التي لا تنفد
- ندبة الحوار مع صلاح عبدالغفور ورثاء الصوت الذي لم ينطفئ
- هل ما زال أحد يذهب إلى السينما؟
- ملاذ الطمأنينة: إله آينشتاين
- سؤال يوقظنا: من روسو إلى الحصري
- الأماكن لا نزورها.. بل نزور أنفسنا فيها
- حسين عبد اللطيف والسيفي.. نار تتذكر نفسها
- الساهر يربتُ على كتف لميعة عباس عمارة
- العراق… بنطالٌ بلا قماش!
- يغادر الأميركي منصبه ويغادر العربي مهنته
- محمد حديد والد زها بضيافة أغاثا كريستي
- القراءة أرقى أشكال العصيان
- آهٌ واحدة تكفي ليولد كاظم الساهر من جديد
- داستن هوفمان في عامه التاسع والثمانين.. الروح التي لم تكبر
- الفرقة السمفونية العراقية تحتضر، العزاوي يلوّح لنا بالوداع
- نظارات ذكية تعري العالم.. وتعرّينا
- محمد حياوي لم يتخلَّ عن كاميرته القديمة
- فاروق هلال آخر حراس الذائقة السمعية


المزيد.....




- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...
- لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي -الحرب والسلا ...
- سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي ...
- كازاخستان.. العثور على نقوش صخرية وُصفت في يوميات الرحالة ال ...
- حفل -النسر الذهبي- السينمائي في 29 يناير وقائمة أولية تضم 35 ...
- فتحة جريئة وتطريزات لامعة.. دوا ليبا تستحضر أجواء الأوبرا عل ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كرم نعمة - حين يحاكم الانتباه الخبر في بريطانيا