أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع.. الفرار إلى الفكّة (26)















المزيد.....

في ضيافة المدافع.. الفرار إلى الفكّة (26)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 18:48
المحور: سيرة ذاتية
    


على إحدى هضبات الشوش، خرجت من الشقي ــ الحفرة أو القبر الافتراضي ــ في محاولة لفحص الخسائر في الفصيل الذي أترأسه، ولم أجد الفرصة أو الحاجة إلى ذلك. الهضاب التي كانت تشكل جزءاً رئيساً من جغرافية الشوش، والمغطاة بالحشيش الشديد الخضرة الذي لم تخاصمه الشمس بعد، اكتست تماماً بالجنود من الطرفين. أمامي كان الجنود الإيرانيون يقودون الأسرى من الجيش الشعبي بشكل خاص، بينما راحوا يستعملون الباصات المدنية لنقل الفائض من الأسرى, ولم يظهر أن فصيلي قد قدم أي شهيد أو جريحٍ أو أسير في تلك المعركة التي كانت تدور بين طرف واحدٍ.
قبل ذلك، وفي ليلة الشقيات الرهيبة، حدثت أمورٌ غريبة؛ فصوت الدبابات والعربات العراقية، وحتى أصوات الجنود، كل ذلك قد أثار وساوسي، وصار عندي شك في أن هناك انسحاباً عراقياً قد تم حجب أمره عنا. جازفت بالخروج من حفرتي وطلبت من أحد مقاتلي الفصيل الذي أترأسه أن ينزل من الهضبة إلى الطريق المجاور.
منذ ولوج الليل، ظلت التشكيلات العراقية تواصل انسحابها على ذلك الطريق باتجاه مدينة الفكة العراقية على الحدود مع مدينة العمارة. عاد المقاتل وأخبرني أن الجيش ينسحب من المعركة بعد أن أيقن أنها خاسرة لا محالة. ثم تابع: "يا دكتور، الضابط الذي أخبرني بذلك يكذب، لقد طلب مني أن نبقى في أماكننا زاعماً أنهم يلتفون على العدو، وأمرنا أن نبقى في مواقعنا لكي نحمي قوافل الالتفاف". أتراه كان يتهكم؟ جيش بكامل أسلحته الثقيلة وعشرات الألوف من جنوده المقاتلين يسير على طريق الانسحاب نحو مدينة الفكة على الحدود، ثم يطلب منا هذا الضابط ضرورة بقائنا في مواقعنا لكي نحمي مؤخرة الجيش لنكون من حصة الإيرانيين !
عرفت أن حدسي قد صدق؛ فالجيش يريد أن يقدمنا هدية للإيرانيين ظناً منه بأننا من تشكيلات المتطوعين، تلك هي الحقيقة الجارحة رغم الألم الذي فيها، ولعل ذلك يكشف سوء التدبير. قيادة صدام حسين زجت بالمتطوعين في الوقت الخطأ تماماً، وسأعيد الحديث عن هذا المشهد لضرورة الاستفادة من دروسه.
المتطوعون الإيرانيون كانوا ضمن السياق، والمتطوعون العراقيون كانوا ضد السياق. في البداية، كانت جماعة الآيات قد جمدت العسكر، علقوا بعض قياداته على أذرع الرافعات وأحالوا البعض الآخر منهم على التقاعد. ثم إنهم استثمروا زخم ثورة الصدور العارية لتأسيس ما أسموه مؤسسة "الباسيج" التي شكلها المتطوعون أنفسهم، فحملت هذه المؤسسة روح الثورة التي توقدت بشدة ضد نظام الشاه. وبعد أن تمت تصفية الجيش من رجالات الشاه، عاد الجيش لمساندة قوات الباسيج في محاولتها استعادة الأرض الإيرانية، وصار لدى الإيرانيين جيشان من الفدائيين الجاهزين للقتال من أجل استعادة الأرض الوطنية.
على الجانب العراقي كان المشهد معكوساً تماماً؛ فالجيش كان قد تعب من القتال على أرضٍ ليست أرضه، وقد خسر أغلبية جنوده وضباطه في المعارك المتفرقة مع الإيرانيين، وكان يتمنى قرار الانسحاب. وبينما كان المتطوعون الإيرانيون يقدمون على القتال بحماس الروح التي ما زالت على ثوريتها، والتي خلقت نصراً كبيراً مغرياً على نظام الشاه، رأينا كيف جاء رد صدام الذي لم يكن يخلو من روح المبارزة الشخصية؛ فالفكرة من التطوع العراقي كانت تحمل الكثير من المزاج الصدامي القبلي، وكأنه يريد أن يفوز في مباراة شخصية وليس في معركة لها ظروفها وسياقاتها. والنتيجة كانت حالة انفصام بين الجيش وألوية المهمات الخاصة التي شكلها صدام من المتطوعين، ظناً منه أن ذلك سيضمن تفوقاً اعتبارياً على الأقل إن لم يضف المزيد من الدعم للقوات المسلحة، لكن العكس هو ما حصل؛ فالجيش كان يريد الانسحاب إلى داخل حدود دولته لكي تكون هناك عناوين لائقة ومقنعة لمعركة الدفاع عن الأرض الوطنية.
في هذا الوقت بالذات، يزج صدام بعشرات الألوف من المتطوعين الذين لم يكونوا قد تطوعوا عن اقتناع، بل جاء معظمهم إلى الجيش الشعبي خوفاً من العقوبات التي لحقت بالكوادر الحزبية التي لم تتقبل فكرة التطوع. والنتيجة أن الجيش الذي كان يتمنى الانسحاب وينتظر أوامره لم يكن في وارد استقبال المتطوعين، ولا كان في وارد إظهار الود لهم، بل تركهم في مواقع الحجابات بلا حماية فعلية.
الخطأ الكارثي هنا تتحمله القيادة العراقية، وبالذات زعيمها صدام الذي ظهر وكأنه يخوض استعراضاته القتالية وهو لا يملك من قدرات القيادة الميدانية سوى فن التظاهر. أما النتيجة فهي وقوع الألوف من المتطوعين العراقيين في الأسر واستشهاد الكثير منهم. وأمام عيني، كان أولئك المقاتلون يرفعون أيديهم دلالة على الاستسلام، بينما راح الإيرانيون ينقلونهم في سيارات ركاب مدنية بعد أن عجزت الناقلات العسكرية عن استيعابهم.
أدركت بوضوح أن الجيش العراقي ظل ينسحب طوال الليل لكي يتدارك الوقوع في الخانق الذي وضعه فيه الإيرانيون. وأجزم لو أن الجيش أُمر بسحب المتطوعين وأفراد الجيش الشعبي العراقي المتجحفلين مع تشكيلاته، لما تحمل المدنيون تلك الخسائر الكارثية ما بين قتيل وجريح. الواقع أن عملية الانسحاب تتقبل تفسيراً من النوع الذي يشي ــ على الأقل ــ بحقيقة أن الجيش لم يكن مهتماً بما سيحدث للمدنيين في معيته لأسباب سبق لي أن ذكرتها. وها هو أحد الضباط المنسحبين يطل علينا من دباته لكي يخبرنا بأن علينا أن نبقى في مواقعنا لكي نحمي مؤخرة الجيش؛ وحينما تحسب الأمور في تلك اللحظة، تحس وكأن ذلك الضابط غير مهتم بما سيحدث لك، وأكثر من ذلك تشعر وكأنما هو لم يكن مسؤولاً عنك البتة.
في تلك اللحظة صار القرار بيدك وليس بأي يد أخرى؛ فأمامك كان العراقيون من الجيش الشعبي قد ألقوا أسلحتهم وتم أسرهم في الحال وذهب من قاوم منهم ضحية مجانية، وخلفك كان الجيش أيضاً ينسحب منذ الليلة البارحة ولا يشعر بأنه مسؤول بالمرة عن حمايتك.
كان صديقي حمدان الدوري نائباً لي في قيادة الفصيل ــ وحمدان سيصبح بعدها رئيساً للمكتب السياسي في ديوان رئيس الجمهورية، وهو ابن خالة عزة الدوري نائب صدام ــ أخبرته بضرورة أن نصدر أمراً لفصيلنا بالانسحاب حماية له من القتل أو من الأسر. حمدان كان مسكوناً بالخوف من فرق الإعدام، ولم ينتظر طويلاً فأعلن رفضه لفكرة الانسحاب قائلاً: "لو فعلناها فستقتلنا فرق الإعدام من خلفنا". قلت له: "أما أنا فأحسب أن فرق الإعدام قد هربت قبلنا، إذ لا أحد مستعد لأن يقدم نفسه هدية مجانية. ونحن الآن لا نية لنا بالهروب من المعركة، وإنما نمارس حق الانسحاب كما الآخرين، وإلا فسنذهب مقتولين أو أسرى في معركة بان واضحاً من هو الطرف المنتصر فيها".
رغم ذلك الحديث المباشر، ظل حمدان في مكانه، إلا أنني أصدرت أمراً للفصيل بالانسحاب؛ فلقد قاربت المسافة بيننا وبين القوات الإيرانية مسافة مشي لخمس دقائق. وكان القارب الأخير عبارة عن سيارة "بيك آب" ظلت في خدمة الفصيل وتوجه سائقها بها باتجاه سير الجيش. صحت على سائقها بالوقوف فوراً، فركض جميع أفراد الفصيل نحوها وسارت بنا بأعجوبة، لكن سائقها سرعان ما غادرها طالباً منا مواصلة السير مشياً على الأقدام لأن السيارة لم يعد بإمكانها السير، وأرانا كيف أن المحرك ــ العتيق أصلاً ــ قد بدأ بالاحتراق نتيجة ثقل الحمولة. ولم تعد في يدنا حرية إصدار القرار، بل جعلناه في أقدامنا التي راحت تسابق أقدارها وهي تلحق بالجيش المنسحب إلى مدينة الفكة داخل حدود العراق



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ضيافة المدافع .. الهزيمة في الشوش (25)
- في ضيافة المدافع .. عبدالجبار شنشل (24)
- غيث التميمي .. الصهيو-إماراتي
- في ضيافة المدافع .. قبل الهجوم الكبير (23)
- في ضيافة المدافع .. عبدالجبار محسن (22)
- في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)
- في ضيافة المدافع .. قوة الخمسين (20)
- في ضيافة المدافع .. ساعي البريد لا يطرق الباب مرتين (19)
- في ضيافة المدافع .. ماذا قال سعدون شاكر لصدام حسين عَن جعفر ...
- هادي العامري يعترف .. قتلنا شهداء تشرين
- بمناسبة رحيل العالِم الأستاذ الدكتور سامي المظفر* وزير التعل ...
- في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)
- في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)
- في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
- في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام ...
- في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال ...
- في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
- كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
- إلى أن يدخل الميل في المكحلة
- الفتنة النبيلة


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-استيلاء الحوثيين على مدرعات للقوات الحكومية ...
- -ضرب من الجنون-.. البرادعي يحذّر من أي هجوم أمريكي جديد ضد إ ...
- أنور قرقاش يتحدث عن العلاقة بين الإمارات والسعودية ويحذر من ...
- -فزاعة الاتحاد الأوروبي-.. زاخاروفا تسخر من اعتراض كالاس على ...
- موسكو تدعو إلى توافق ليبي
- على امتداد 1600 كيلومتر.. كيف تحولت الحدود المغربية الجزائري ...
- الجيش الإيراني: لو بدأ ترامب حربا جديدة ضد إيران لن تتحكم ال ...
- الاستخبارات السورية تحبط مخططا إرهابيا لاستهداف مصفاة بانياس ...
- نجيب ساويرس يمازح باحثا إماراتيا حول طبق الفول المصري ويثير ...
- فرنسا.. استئناف إغلاق المدارس الثانوية اعتبارا من الاثنين


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع.. الفرار إلى الفكّة (26)