جعفر المظفر
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 18:12
المحور:
سيرة ذاتية
حينما أمر المقدم بتوزيعنا على الساتر الأمامي فعلها بتشفي وكأنه يستثمر فرصةً طال انتظارها. كان من سوء حظنا أنه لم يكن على دراية بهوية القاطع فظن أننا من تشكيلات الجيش الشعبي, وبعثيين كاملي الدسم, وليس معاقبون منذورن للموت. وإنما تصرف تلقائياً بما يعكس طبيعة المزاج العسكري العام ضد الجيش الشعبي وقواطع المتطوعين.
كان كل ما أخبروه أن قاطعاً من قواطع الجيش الشعبي سيتوجه للتجحفل مع قواته وكان الوقت ليلاً والظلام دامساً بحيث لم يستطع تبين الوجوه التي طالعته فأمر فوراً بتوزيعنا لكي نحتل مكاننا في أعلى الساتر الذي يحمي فتحة الرادار في مواجهة القوات الإيرانية المستعدة للهجوم الكبير الرامي لإستعادة الشوش وديزفول وبعدها المحمرة, وأظنه لو عرف بأننا من قاطع المعاقبين في ندوة (أطركم أربع وصل) لأختار لنا مكانًا أفضل غير ذلك الساتر الترابي الذي سيبدأ من ثغرته هجوم الإيرانيين الكبير لنكون أول ضحايا صولته الكارثية.
كان هناك إزدراء مكشوف وكراهية من الصعوبة اخفاءها في العديد من المواقف التي كان أبطالها عسكريون عراقيون برتب متقدمة. ولم يكن من الصعب تفسير ذلك الموقف. لقد جئنا في الزمن الخطأ تماماً حيث كان العسكريون على الجانب العراقي بشكل عام قد تعبوا من وجودهم على خطوط المواجهة طيلة السنتين الماضيتين, وكانوا يتمنون أن تتوقف الحرب تماماً مؤمنين أن الانسحاب إلى الحدود العراقية سوف يساعد على ذلك, وحتى دون انتظار لموقف إيراني إيجابي يسبق هذا الانسحاب.
يومها وبعد سنتين من المناوشات الدامية التي أدت إلى مقتل عشرات الألوف على الجانب العراقي وتمسك العراق بضرورة وقف القتال وإعلانه الالتزام بقرار الأمم المتحدة الرامي لإيقاف الحرب فإن ترجمة ذلك الموقف عراقياً كان يستلزم الانسحاب إلى الحدود الدولية.
إن اغفال تراجع المعنويات على الجانب العراقي وتصاعدها على الجانب الايراني قد أدى إلى وقوع القيادة العراقية في خطأ تقدير المواقف. لقد كان ينبغي إعادة تفحص الموقف على الجبهة, ثم وضع الخطط العسكرية الكفيلة بمنع التردي ورفع المعنويات. غير أن التخطيط العسكري ظل مرتهناً بالتقديرات التي وضعت في بداية الحرب, حيث كان (أحمد سعيد) العراق, أي عبدالجبار محسن, الذي كان قد مُنح رتبة لواء وعُين ناطقاً عسكرياً بإسم القوات المسلحة, قد أمعن في تقديم صور كاذبة عن انتصارت عراقية وهمية كان يدرجها يومياً في البيانات الصادرة من مكتبه الإعلامي.
لم يكن موقف عبدالجبار محسن قد تم بمعزلٍ عن سلوك منحرف هدفه إرضاء صدام حسين بأية طريقة, وأجزم أن محسن لم يكن مهتماً بما سيؤدي موقفه ذاك على صعيد الضرر الذي يلحق بطبيعة إتخاذ المواقف ورسم الخطط والخسائر المرافقة. وأزعم أن معرفتي به شخصياً خلال السنوات التي تلت إسقاط نظام عبدالرحمن عارف قد أهلتني لمعرفة نواياه العالية الخبث وطموحاته الشخصية غير المستعدة لأي إلتزام أخلاقي. فالرجل الذي ظل بعيداً عن حزب البعث بعد انهيار جمهوريته الأولى في تشرين عام 1963 والذي كان منتمياً لتيارات يسارية تهاجم الحزب ليل نهار, وكان شرساً في عدائه, والذي عاد للحزب بعد استلامه السلطة عام 1968 كان مدفوعاً لانتهاز الفرص والتطرف المعاكس لتجديد الولاء وكأنه كان يستعجل لتغطية ماضيه المعادي للحزب من خلال التطرف بالولاء, وكان شكل ذلك هو المزيد من إرضاء صدام حسين ونفسيته المريضة حتى كأننا بتنا أمام لقاء المريض بالمريض, الأول مع نرجسيته الخرافية والثاني مع نفسيته المرتبكة المستعدة لإرضاء النرجسي بأي ثمن.
وإن من الخطأ تفسير هذا السلوك الانتهازي لعبدالجبار محسن بدعوى ميله للتغطية على ماضيه المرتبك وإنما لا بد من الإهتمام بالنيات الخبيثة للشخص نفسه الذي تجعله غير مهتمٍ بالوقوف أما البناء الأخلاقي لأي موقف. وللتدليل على ذلك ثمة اشخاص في نفس السلة, اي مشتركهم الماضوي المعادي للحزب بدعوى انتمائهم لحركة اليسار بعد سقوط نظام الحزب عام 1963 لكن سلوكهم السياسي حال عودتهم للحزب كان مختلفاً, وهم في ذلك كانوا قسمين. القسم الأول يضم أشباه عبدالجبار محسن, مثل صلاح المختار وصباح سلمان خاصة بعد إعادته إلى الحزب, وتعينه مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون حال عودتنا من الجبهة فأراد التعبير عن إمتنانه لصدام من خلال الافراط في مدح شخصه, أما الفريق الأخر فمنهم عكاب سالم الطاهر الذي ظل على توازنه.
أما محسن فقد فاقهم جميعاً في الصلاة في حضرة صدام حسين والتعبد في محرابه, ورغم أن الموقف الإعلامي لهؤلاء كان قد تسبب بضرر أخلاقي وسياسي عام, إلا أن الضرر الذي تسبب به محسن كان أكبر بكثير لأنه بالغ كثيراً في توصيف الموقف العسكري على الجبهة وكأنه حالة تواصل لإنتصارات يومية ضخمة مؤكاً على أنها لم تكن تتحقق لولا القيادة الحكيمة لصدام حسين ! حتى أن هذا الأخير كان قد صدق بروايات محسن وروايات الكثير من العسكريين القادة الذين مكيجوا الموقف العسكري على الجبهة فأوهموا صدام بقرب دخوله إلى إلى طهران نفسها, حتى أنه أخبرنا في ندوة (أطركم أربع وصل) أنه بات (على أبواب أن يمسك الشمس بيده).
والموقف كما أراه لم يكن بعيداً عن مدرسة (غوبلز) وزير إعلام هتلر (إكذب إكذب إكذب حتى يصدقك الناس) إلا أنه يفرق بأن موقف هذا الأخير كان موجهاً للناس وليس لهتلر, في حين أن موقف جماعة محسن كان موجهاً لصدام حسين الذي بدأ ينغمس في عزلة حقيقية بين ما هو في رأسه وبين ما هو على الأرض, فظن أنه على أبواب أن يمسك الشمس بيده في حين أنه كان على أبواب أن يحترق بظلام خيالاته.
على صعيد الجيش بشكل عام والكثير من قادته الذين يواجهون خطر الموت يومياً, وليس أولئك المتنعمين بالقرب من صدام حسين فقد كانت حساباتهم للموقف مختلفة وكانت هي الصحيحة, لحساب أن الهدف من الحرب قد تحقق بالفعل, فالعراق الذي أيد وقف إطلاق النار بعد أن أكد على قدراته القتالية, مطلوب منه الآن ان يدعم موافقته تلك بالإنسحاب إلى حدوده الدولية كتعبير عن حسن النيات, ومهما كان موقف القيادة الإيرانية.
وكان محتمًا أن تدرك القيادة السياسية العراقية الموقف العسكري والسياسي بعد سنتين من الحرب وتقدر حقيقة أن الجانب الإيراني بات مستعداً للحرب بشكل واضح مدعومًا بعامل التضحية من أجل تحرير أرضه المحتلة, أي أن الموقف قد بات معكوساً, ففي الامس أي قبل عامين, حينما بداً العراقيون ضربتهم العسكرية كان هناك دعم سياسي عام للقرار العراقي وكان الإلتفاف الشعبي حول شخصية صدام حسين في قمة إزدهاره, وقد نجح الإعلام العراقي والتحشيد الحزبي والجماهيري في رفع معنويات القتال لصد وإحباط التحشيد الإعلامي الإيراني الذي استثمر جملة التفجيرات التي قام بها حزب الدعوة المدعوم من الجانب الإيراني والداعم لحملة تصدير الثورة الرامية لتأسيس الدولة الإسلامية الشاملة بقيادة إيران وقائدها الخميني.
وتلخيصًا للمشهد كان يمكن للناظر المتواضع أن يرى صورتين متعاكستين. في الأولى, حيث بداية الحرب, لم يكن الإيرانيون قد جمعوا صفوفهم بعد, فالجيش الإيراني كان يمكن اعتباره وكأنه لا يزال جيشًا للشاه بعد أن عطل الثوار دوره وراحوا يشكلون مؤسسة (الباسيج) الموازية لقوات الجيش كما تشكل أيضًا الحرس الثوري, والعلاقة بين التشكيلين هي علاقة فرع بأصل, فالباسيج ليس قوة مستقلة لأنه تشكيل تابع للحرس الثوري تنظيميًا وعقائديًا وعملياتيًا, ويستخدم كخزان بشري للمهام التي تحتاج كثافة عددية أو حضورًا شعبيًا, ورغم أن هذين التشكلين كانا قد أديا أدوراً ملحوظة لإزعاج الجيش العراقي داخل الأراضي المحتلة إلا ان إعدادهما لبدء الهجومات الكبيرة كان قد احتاج إلى ما يقارب السنتين, وحينها كانت الحالة المعنوية على الجانب الإيراني قد بلغت ذروتها.
في المقابل وبعد سنتين من المعارك المتفرقة والمتقطعة كان الجيش العراقي قد فقد زخم القتال الذي مكنه في البداية على الاجتياح السريع لما يقارب العشرين بالمائة من أراضي إيران, وها هو الآن يقف في مواجهة أعدادٍ هائلة من الباسيج والحرس الثوري المستعدين لخوض معارك فدائية وانتحارية في مواجهة جيشٍ يتبع الأساليب العسكرية المؤسساتية التقليدية, في حين أن نظام آيات الله كان استعاد سيطرته على جيش الشاه بعد أن قام بتصفية قادته بلا تردد وبلا رحمة, وقد أصبح لدي إيران حينها حرساً ثوريًا وباسيجًا ومؤسسة عسكرية موالية وكل ذلك في مواجهة الجيش العراقي الذي فقد بعد سنتين زخم القتال بل وتكشفت العيوب التي خلقها فيروسات الحزب الثوري, تلك التي خلقت خللاً تسبب بنهش التقاليد العسكرية للجيش العراقي, فالجندي البسيط قد يكون مسؤولاً عن آمر لواء لأنه أقدم منه في الحزب, ونموذج عبدالجبار محسن الذي منحه صدام حسين رتبة لواء رغم أنه لم يكن عسكريًا قبل ذلك كان نذيرًا لقرب انهيار المؤسسة العسكرية التقليدية, هذا إذا وضعنا جانباً حقيقة أن صدام نفسه, الذي حمل رتبة المهيب الركن العسكرية لم يكن يوماً في الجيش ولا كان قد خدم فيه.
لقد كان واجباً على عبدالجبار محسن أن يقدم دراسة مهنية أخلاقية صريحة عن وضع الجيش العراقي على جبهات القتال لكنه بدلاً من ذلك راح يقدم لرئيسه كل ما يغازل نرجيسته ويغذيها. ولم يكن محسن وحده من فعل ذلك بل أن كثيرًا من القادة والضباط كانوا يضعون في آذان صدام وأسماعه ما يريده هو وليس ما يعرفوه عن حقيقة الأوضاع في الجبهة, ولم يكن أمامهم غير أن يفعلوا ذلك, لأن صدام نفسه هو من خلق هذا التداعي الكبير على صعيد المنظومة القيمية والأخلاقية منذ أن غدر برفاقه في قاعة الخلد وأزاح البكر ليجلس في مكانه, وبعدها فقد صار لازماً أن ييبدأ الشخص بتمجيد عظمة صدام حسين وقول كل ما يرضيه ويؤكد على عظمته, أليس ميشيل عفلق هو من قال (صدام حسين هبة السماء إلى الحزب وهبة الحزب للعراقيين) فكيف إذن أن يقول أتباعه ما يغضبه ولا ينفخ فيه..
ويوم جلست في قاعة الخلد أثناء ندوة (التطوع), وبعد أن طرد صدام حسين رفاق الأمس مهدداً أنه (سيطرهم أربعة وصل), وبعد أن استمعت له وهو يؤكد على أنه بات على أعتاب (أن يمسك الشمس بيده) خُيل لي أن عبدالجبار محسن هو الذي يتكلم في صدام حسين, وأن صدام حسين هو الذي يتكلم في عبدالجبار محسن, وأن شمس العراق قد غابت منذ ذلك اليوم الذي قرر فيه صدام أنه على أبواب أن يمسك بها
#جعفر_المظفر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟