أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. عبدالجبار شنشل (24)















المزيد.....

في ضيافة المدافع .. عبدالجبار شنشل (24)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 18:48
المحور: سيرة ذاتية
    


الساتر الترابي الذي كان يفصل قواتنا العراقية القليلة العدد عن الإيرانيين كان عالياً لكنه كان يغري بصعوده. تجرأنا أنا وفيصل زكي بدفعٍ من الفضول للوصول إلى أعلاه. كان عرض القمة لا يتجاوز المتر وكانت مغطاة بالقير الاسود. كل الوقت الذي إمتلكناه كان بالكاد كافياً لرؤيد الحشود الإيرانية الهائلة التي كانت بإنتظار ساعة الصفر, وقيل لنا أن مجموعتنا المؤلفة من خمسين شيخاً ومتعباً ومريضاً قد استدعيت لصد الهجوم الذي سيبدأ من فتحة الرادار, ولما كانت مجموعتنا قد وصلت إلى تلك المنطقة ليلاً لذلك لم يتسنَ للعساكر التعرف على وجوهنا واكتشاف أننا لا نصلح لصد قوة إيرانية بتعداد حظيرة فكيف سنكون أمام جيشٍ تعداده الألوف. على أنني لم أتمكن من تكملة رسم هواجسي حتى رأيت كتلة نارية كبيرة تقترب من أجسامنا بعد أن وصلنا إلى أعلى الساتر. الوصف التقريبي لتلك الكتلة النارية التي إستهدفتنا هو ما ظللت أردده بعد ذلك : كنا مثل حامي هدف متهالك يحاول صد ضربة جزاء يؤديها لاعب محترف كبير. ومرة أخرى أقول لنفسي بعد أن سقطت هذه الكتلة النارية أمامي على الساتر أن الله ربما لايريدني أن أموت. لقد ذكرني هذا الموقف بالقنبلة التي ألقيت تماماً أمامي أثناء موكب تشييع شهداء المستنصرية وقيل أنها ألقيت من مقر السفارة الإيرانية الذي كان مغلقاً من قيل شهرٍ بالتمام. لقد أصابت شظايا تلك القنبلة عدداً لا يستهان به من المشيعين لكنها لم تصبني بخدش, وحينما سألت صديقي الدكتور هاشم جاير رئيس الجامعة المستنصرية عن المكان الذي وقعت فيه تلك القنبلة قبل ان تنفجر قال لي أنها وقعت على مبعدة نصف متر أمامك بالضبط وكدت أن تدوس عليها ولكن يبدو أن الله لم يشأك أن تموت في ذلك اليوم.
عزرائيل كان قريباً مني أيضاً حينما أنقذتني فرشاة الاسنان عن الموقع الذي كنت فيه مع ثلاثة من أعضاء القاطع حينما أصابتهم قنبلة هاون فقتلت إثنين وأرسلت الثالث إلى جناح الأمراض النفسية في مستشفى اليرموك. هذه المرة أيضاً وقعت القنبلة تماماً على قمة الساتر أمامنا على بعد متر, أما شظاياها فقد تطايرت من فوقنا لتصيب جندي الدبابة العراقية التي كانت تقف بعيداً بمسافة عن الساتر وتقسمه إلى نصفين.
,لا أملك تفسيراً حقيقياً لتلك اللحظة. كنت أحسب أن القنبلة كانت أقرب إلي من حبل الوريد ولكنها مع ذلك اختارت حبلاً آخرًا لتقطعه, ومع ذلك فقد أدى إرتطام القنبلة بقمة الساتر المسطحة التي إرتحنا عليه قليلاً, فيصل زكي وأنا, إلى انفجارها كشعاع في مدار دائرة كنا قريبين من مركزه, فذهب شعاعها الناري ليصيب الابعد منا, أما كلانا فقد وجدنا أنفسنا مًلْقيين تحت الساتر مباشرة. وجاءنا التفسير : ضغط انفجار القنبلة دفعكم إلى أدنى الساتر. لو كنتم قريبين منها جداً أو بعيدين عنها فربما كنتم الآن في مهب الرياح تماماً كما حصل لجندي الدبابة الذي كان كالعادة يطل برأسه ونصف جسمه خارجها, فطار النصف وبقي الآخر. ومرة أخرى يكتب عزرائيل في دفتر مذكراته: يؤجلون حتى اشعار آخر
مع تطاير الرصاص والقنابل جاءني جنديٌ وهو يلهث. آمر الفوج يريدك بسرعة.ولكي أصل إليه لا بد من عجلة. كان (مضر الملا) جاهزاً فالسيارة التي ساقها إلى المنطقة كانت وكأنه جاهزة لخبر كهذا. سألت(مضر) أن يأتي معي إلى آمر الفوج لنعرف ما يريد. كان التعب قد أجهز علينا. يومان بلا نوم, وقبلها كنا نمنا في عراء الشوش حيث لجأنا إلى الشقيات التي حفرناها حال وصولنا إليها من منطقة البسيتين بطلب من صدام حسين لكي نشارك في المعركة, ويرانا بنفسه.
لكن صدام سرعان ما انسحب بواسطة الهليوكبتر التي جاءت به بعد أن أسرع لحمايته أحد نواب الضباط الشجعان, وكان هو على أبواب الوقوع في الأسر من قبل قوات إيرانية كانت تتجول لتمسح المنطقة. حالفنا الحظ دون أدنى شك فتوزعنا مع بقية القاطع على مناطق حجابية كانت قد خصصت لنا لكي نجهض الهجوم القادم !!.
وصلت إلى مقر آمر اللواء, وحينما نزلت من السيارة ونزل مثلي الأخ العزيز (مضر الملا) كنا نسير مائلين وذلك بثقل من الزمزمية التي حملنا إلى جانبنا, وعليكم تصور حالة التعب. الزمزمية هنا ذكرتني بالشعرة التي تكسر ظهر البعير.
أين المفاجأة وأين كان هو الخبر السعيد ؟ المفاجأة أننا أصبحنا وجهاً لوجه مع الفريق الركن عبدالجبار شنشل الذي كان في جولة سريعة للإطلاع على الخطوط الأمامية في منطقة ديزفول وأهمها فتحة الشوش حيث كان منتظراً أن يبدأ منها هجوم الإيرانيين الكبير.
إقترب مني الفريق الركن شنشل لكي يتعرف على ملامح وجهي, فرأى رجلاً أشيبًا متعبًا مائلاً إلى جنبه, وكان صاحبه في نفس الوضع هيئةً وميلان.
سألني من أنت أريدك أن تُعرف بنفسك. انطلقت بدون تردد. كان وجه آمر الفوج قد بدا أصفراً ولا يحمل من الذهب غير لونه. قلت سيدي نحن فصيل المعاقبين. قوة من خمسين بعثياً مفصولاً أرسلونا إلى هنا. أنا بطبيعة الحال كنت من أصغرهم سناً. كنت أريده أن يفهم بسرعة عبثية التخطيط وميل بعض العسكريين إلى التضحية بنا ظناً منهم أننا من ألوية المهمات الخاصة, ونظرت إلى آمر الفوج الذهبي الوجه, ولم يتأخر الفريق شنشل عن النظر إليه بحدة وغضب قائلاً: قل لي ما الذي يحدث لكم. لقد طلبنا ثلاثة فصائل من القوات الخاصة ولم نطلب قوة من العجائز غير قادرة على حمل زمزمية ماء. أريدك أن تتصل الآن بمقر الفرقة ودعني أتحدث مع قائدها, أما الآن فعليك أن تجمع هؤلاء, وأشار علي مواصلاً أوامره, ثم تعيدهم سريعاً إلى من حيث أتوا, وتابع الفريق أنا متأكد أنهم سيذهبون قتلى أو أسرى في الصولة الإيرانية الأولى. سألت الفريق شنشل : وماذا علي أن أفعل الآن يا سيدي ؟! أجاب وهو ينظر بعتاب جارح إلى آمر الفوج: وفِّر لهم شاحنتين لنقلهم إلى مِن حيث أتوا.
كأن ماءً بارداً نزل على صدري. لقد كانت مسؤولتي أن أحمي المجموعة التي بدأت تتهاوى من شدة التعب, اضافةً إلى مرارة الاحباط الذي شَعَرت به بعد أن تيقنت أنها ذهبت لحيلة دبرها آمر القاطع. وبسرعة توجهت إلى السيارة التي كان سائقاً قد أدار المحرك. وبسرعة وجدت نفسي أما الساتر : يا أخوان تجمعوا فستأتي شاحنتان لنقلكم إلى أماكنكم في الشوش. سألني احدهم وهو يبتسم بتهكم: ربما سنذهب إلى مكان أخطر. أجبته الأمر هذه المرة بلغني به الفريق شنشل, وهو رجل غير محتال ولا أظنه يكذب أبداً. سريعاً رأيت رجال المجموعة يتراكضون وكأنما أعيدت إليهم الحياة فجأة, وحينما وصلنا إلى مواقعنا القديمة قبل الخدعة جاءني العديد ليشكراننا سوية, مضر الملا وأنا, على ما قمنا بهم من أجلهم.
بعد ساعات وصلت الهليوكبترات العراقية وهي تحمل ما عدده ثلاثة فصائل من القوات الخاصة, كان قتالهم كالعادة قتال الشجعان لكنهم أمام القوات الإيرانية الهائلة الحشود لم تكتب لهم النجاة. لقد ذهبوا جيمعأ شهداء وسمعت أن آمر الفوج كان من بينهم.
أما نحن فكأن عزرائيل قد كتب في مذكراته: يؤجلون حتى اشعارٍ آخر.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غيث التميمي .. الصهيو-إماراتي
- في ضيافة المدافع .. قبل الهجوم الكبير (23)
- في ضيافة المدافع .. عبدالجبار محسن (22)
- في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)
- في ضيافة المدافع .. قوة الخمسين (20)
- في ضيافة المدافع .. ساعي البريد لا يطرق الباب مرتين (19)
- في ضيافة المدافع .. ماذا قال سعدون شاكر لصدام حسين عَن جعفر ...
- هادي العامري يعترف .. قتلنا شهداء تشرين
- بمناسبة رحيل العالِم الأستاذ الدكتور سامي المظفر* وزير التعل ...
- في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)
- في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)
- في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
- في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام ...
- في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال ...
- في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
- كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
- إلى أن يدخل الميل في المكحلة
- الفتنة النبيلة
- في ضيافة المدافع .. يا محلى النصر بعون الله (11)
- الزيدي والشرع .. مقارنة على الخفيف


المزيد.....




- للمرة الثالثة.. -العدل- الأمريكية توجه اتهامات للمدير السابق ...
- ترامب يعرض -مكافأة مليونية- لأي شخص يبلغ عن -وقائع تزوير في ...
- إيران تعلن اتفاقاً مع السعودية وتركيا وباكستان على تعزيز أمن ...
- فرنسا: حشود تملأ ميناء مارسيليا القديم في احتجاج ضد العنصرية ...
- شهر من الانتظار.. زيلينسكي ينتقد تأخر موافقة هيغسيث على صوار ...
- -مصر تدافع عن السعودية ولا تهاجم اليمن- .. البرلمان المصري ي ...
- أمن عدن يضبط 11 مخالفاً ويصادر أسلحتهم في حملة لملاحقة مطلقي ...
- مدير صحة درعا: 10 قتلى من المدنيين جراء الغارات الجوية الأرد ...
- دمشق تعلق على الغارات الأردنية في الجنوب وتؤكد عدم إجراء أي ...
- تقارير أردنية تكشف مواقع الغارات الجوية في درعا والسويداء ضم ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. عبدالجبار شنشل (24)