نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 14:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل يمكن للتجربة الديمقراطية الإسبانية أن تشكل نموذجاً تستفيد منه الدول العربية؟ وهل يمكن نقل تجربة إسبانيا، بما تحمله من خصوصية تاريخية وسياسية واجتماعية، إلى مجتمعات تختلف في ظروفها وبنيتها وتحدياتها؟ أم أن الديمقراطية تجربة وطنية تنشأ من داخل المجتمع، ولا يمكن استيرادها أو فرضها من الخارج؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التوقف أمام التجربة الإسبانية، ولا سيما مرحلة الانتقال من الدكتاتورية إلى النظام الديمقراطي، وما رافقها من تسويات سياسية وصراعات داخلية وضغوط خارجية، وصولاً إلى بناء نظام برلماني تعددي أتاح تداول السلطة بين اليمين واليسار.
إسبانيا.. من الدكتاتورية إلى الديمقراطية
عرفت إسبانيا محاولات مبكرة لإقامة النظام الجمهوري، أبرزها إعلان الجمهورية الثانية عام 1931، لكنها لم تتمكن من ترسيخ نظام سياسي مستقر، وانتهت البلاد إلى الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939، التي خلّفت جراحاً عميقة في المجتمع الإسباني، وأعقبها حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو الدكتاتوري الذي استمر حتى وفاته عام 1975.
ومع تنصيب الملك خوان كارلوس الأول، بدأت مرحلة انتقالية شكلت منعطفاً حاسماً في التاريخ السياسي الإسباني الحديث. وكان أدولفو سواريث، رئيس الحكومة الانتقالية، من أبرز الشخصيات التي أدارت هذه المرحلة، مستنداً إلى مقاربة سياسية قامت على الحوار والتسوية وتوسيع المشاركة، بدلاً من إعادة إنتاج الصراع الذي مزّق البلاد.
تمثل أحد أهم إنجازات هذه المرحلة في فتح المجال أمام الأحزاب والقوى السياسية التي كانت محظورة أو مطاردة في عهد فرانكو، بما فيها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وإتاحة عودة المعارضين من المنفى، وصولاً إلى الانتخابات التشريعية عام 1977 وإقرار دستور ديمقراطي عام 1978.
لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في شكل الحكم، بل انتقالاً تدريجياً من نظام سلطوي أحادي إلى نظام تعددي يعترف بالتنافس السياسي، ويتيح تداول السلطة، ويؤسس لمؤسسات دستورية تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
والدرس الأهم هنا أن الديمقراطية الإسبانية لم تتحقق بإقصاء جميع القوى المرتبطة بالنظام السابق، ولا بفرض إرادة طرف واحد على الآخرين، بل عبر تسويات سياسية معقدة، وانفتاح متبادل، واستعداد من قوى متعارضة لقبول قواعد مشتركة لإدارة الخلاف.
لكن هذه التسويات لم تكن بلا أثمان أو تناقضات، كما أن نجاح الانتقال لم يُنهِ جميع المشكلات التاريخية والاجتماعية، بل أتاح إطاراً سياسياً يمكن من خلاله مواصلة معالجتها.
هل يمكن بناء الديمقراطية بإرادة سياسية؟
تكشف التجربة الإسبانية أن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى إرادة سياسية تفتح الطريق أمام التغيير، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على حماية هذا التغيير واستدامته.
فالدستور وحده لا يصنع الديمقراطية، كما أن إجراء الانتخابات لا يكفي إذا غابت حرية التنظيم والتعبير، واستقلال القضاء، والمساواة أمام القانون، والرقابة على السلطة، وحق المواطنين في محاسبة الحكومات وتغييرها سلمياً.
لقد استطاعت إسبانيا، خلال مرحلة الانتقال، أن تجمع قوى سياسية مختلفة في إطار دستوري مشترك، وأن تحول التنافس من صراع على احتكار الدولة إلى تنافس على إدارة مؤسساتها. وكان قبول اليسار المشاركة في النظام الملكي البرلماني أحد التحولات المهمة في الثقافة السياسية الإسبانية، إذ غدت الديمقراطية والتعددية وتوسيع الحقوق الاجتماعية أهدافاً يمكن النضال من أجلها داخل المؤسسات المنتخبة.
ومن هنا تبرز أهمية التعددية السياسية الحقيقية، لا باعتبارها مجرد تعدد للأحزاب، بل بوصفها ضمانة لعدم احتكار السلطة، وإتاحة الفرصة أمام المجتمع للتعبير عن مصالحه وتناقضاته بصورة سلمية.
كما أن التجربة الإسبانية تبيّن أن الديمقراطية ليست إنجازاً مكتملاً بمجرد إقرار الدستور، بل مسار متواصل يتطلب تطوير القوانين والمؤسسات، والاستجابة للتحولات الاجتماعية، ومعالجة قضايا العدالة والحقوق القومية والإقليمية.
الديمقراطية والسيادة الوطنية.. حدود النموذج الأوروبي
لم تكن إسبانيا في مرحلة الانتقال الديمقراطي تتحرك في فراغ دولي. فقد تزامن تحولها السياسي مع ظروف الحرب الباردة، ومع سعيها إلى إنهاء عزلتها والانضمام إلى المؤسسات الأوروبية، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بموقعها في المنظومة الغربية.
لذلك تثير هذه المرحلة سؤالاً مهماً: هل يمكن للديمقراطية أن تكون مستقرة ومستقلة إذا بقي القرار السياسي والاقتصادي رهناً لمصالح القوى الخارجية؟
إن الدفاع عن الديمقراطية لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للتدخل الخارجي أو فرض التبعية السياسية، كما أن الاستقلال الوطني لا يجوز أن يكون ذريعة لتبرير الاستبداد ومصادرة الحريات. فالديمقراطية الحقيقية والسيادة الوطنية ليستا نقيضين؛ بل ينبغي أن تتكاملا في دولة تحترم إرادة مواطنيها، وتدير علاقاتها الخارجية على أساس المصالح المتبادلة والقرار المستقل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في علاقتها بالقضية الفلسطينية. فقد شهدت العلاقات الإسبانية الفلسطينية تطورات مهمة خلال مرحلة التحول الديمقراطي، وأصبحت إسبانيا لاحقاً إحدى الساحات الأوروبية البارزة للتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني.
وتؤكد هذه التجربة أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بكيفية اختيار الحكومات، بل أيضاً بمدى احترامها للقانون الدولي وحقوق الشعوب، وبقدرتها على اتخاذ مواقف سياسية مستقلة حين تتعارض المصالح مع مبادئ الحرية والعدالة.
فلا معنى لديمقراطية تتحدث عن حقوق الإنسان داخل حدودها، ثم تتجاهل حقوق الشعوب الأخرى، كما لا يمكن بناء نظام ديمقراطي متماسك على حساب كرامة الإنسان وحقه في تقرير المصير.
الوجه المتوسطي لإسبانيا.. فرصة للتقارب مع العالم العربي
تحتل إسبانيا موقعاً جغرافياً وتاريخياً وثقافياً مميزاً عند ملتقى أوروبا والبحر المتوسط، وقد تفاعلت على أرضها حضارات متعددة، من الرومانية إلى العربية الإسلامية، وأسهم هذا التراكم في تشكيل جانب مهم من هويتها الثقافية.
وهذا الإرث يمنحها فرصة لتطوير علاقات أكثر توازناً مع العالم العربي، تقوم على الحوار والتعاون الاقتصادي والثقافي، واحترام المصالح المتبادلة، بدلاً من اختزال العلاقة في المصالح الأمنية أو الحسابات الجيوسياسية.
كما أظهرت الحياة السياسية الإسبانية قدرة النظام الديمقراطي على استيعاب حركات اجتماعية جديدة، وتحويل بعض مطالبها إلى قوى سياسية مشاركة في المؤسسات. وقد برز ذلك مع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2011، المعروفة بحركة الغاضبين، وما أعقبها من صعود قوى سياسية جديدة، من بينها حزب (بوديموس).
ومع ذلك، فإن استيعاب الاحتجاجات لا يعني أن جميع مطالبها تحققت، بل إن قيمة التجربة تكمن في إتاحة المجال أمام التعبير والتنظيم والمنافسة السياسية، بدلاً من التعامل مع كل حركة احتجاجية بوصفها تهديداً يجب إقصاؤه.
وهنا يبرز درس مهم للدول العربية: إن إغلاق المجال السياسي لا يلغي الاحتقان الاجتماعي، بل قد يفاقمه؛ أما فتح المجال أمام المشاركة السلمية، فيتيح للمجتمع تحويل مطالبه إلى برامج ومؤسسات وقوى سياسية قادرة على التغيير.
هل تصلح التجربة الإسبانية للدول العربية؟
الإجابة هي نعم، ولكن ليس بمعنى استنساخ النموذج الإسباني أو تصديره بصورته الجاهزة. فلكل مجتمع ظروفه التاريخية وبنيته الاقتصادية والاجتماعية وتوازناته السياسية، ولا يمكن بناء الديمقراطية بتجاهل هذه الخصوصيات.
ما يمكن الاستفادة منه هو المبادئ والخبرات التي أثبتت أهميتها: التوافق الوطني، وإنهاء احتكار السلطة، وشرعية التعددية، وتداول الحكم، واستقلال القضاء، واحترام الحريات، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق، وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية.
كما أن بناء الديمقراطية يتطلب اقتصاداً منتجاً ومتنوعاً، وتعليماً جيداً، وخدمات عامة فاعلة، وفرص عمل تحفظ كرامة المواطنين. فالفقر والتهميش والبطالة لا تجعل الديمقراطية مستحيلة، لكنها قد تضعف قدرة المواطنين على المشاركة، وتتيح للقوى المتنفذة استخدام المال والاحتياج الاقتصادي لتقييد الإرادة الشعبية.
وفي المقابل، لا يجوز جعل التنمية الاقتصادية شرطاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى قبل منح المواطنين حقوقهم السياسية. فالديمقراطية والتنمية مساران متكاملان، يستطيع كل منهما تعزيز الآخر، ولا ينبغي استخدام أحدهما ذريعة لتعطيل الثاني.
ولا يعني ذلك أن الدول العربية تفتقر إلى مقومات الديمقراطية أو أن مجتمعاتها غير مؤهلة لها. فقد شهدت المنطقة حركات شعبية واسعة طالبت بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وقدمت تضحيات كبيرة في سبيل التغيير. غير أن هذه التحركات واجهت عوامل داخلية، من بينها الاستبداد والانقسامات وضعف المؤسسات، إلى جانب تدخلات خارجية وصراعات إقليمية ساهمت في إجهاض بعض التجارب أو حرف مساراتها.
وتقدم التجارب العربية، بما فيها العراق والجزائر وسوريا، دروساً مختلفة حول خطورة الحروب والتدخلات الخارجية، وتداعيات العنف والتطرف، وأهمية بناء مؤسسات وطنية جامعة. لكن من الضروري التمييز بين ظروف كل بلد، وعدم اختزال أزماته في سبب واحد أو افتراض أن مساراتها متطابقة.
فالتدخل الخارجي عامل مؤثر في مصائر الدول، لكنه لا يعفي القوى الداخلية من مسؤولية أخطائها وخياراتها. كما أن مواجهة التدخلات لا تبرر إلغاء الحريات، مثلما أن المطالبة بالديمقراطية لا تبرر الاستقواء بالخارج أو تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الدولية.
من الدولة القوية إلى الدولة الديمقراطية
تثير التجربة الإسبانية سؤالاً إضافياً: هل يمكن لنظام سلطوي أن يهيئ بعض الشروط الاقتصادية والمؤسساتية التي تستفيد منها الدولة لاحقاً في انتقالها الديمقراطي؟
لقد شهدت إسبانيا في عهد فرانكو تحولات اقتصادية واجتماعية، لكن وجود هذه التحولات لا يعني أن الدكتاتورية كانت شرطاً ضرورياً للديمقراطية، أو أن الاستبداد هو الطريق الأفضل لبناء الدولة. فالتنمية الاقتصادية لا تبرر مصادرة الحريات، كما أن قدرة السلطة المركزية على تنفيذ سياساتها لا تعني أنها تملك شرعية احتكار القرار إلى الأبد.
والأهم أن التحول الديمقراطي يتطلب نقل مركز الشرعية من إرادة الحاكم إلى إرادة المواطنين، ومن سلطة لا تخضع للمساءلة إلى مؤسسات تحكمها القوانين، ومن دولة تتعامل مع المجتمع باعتباره تابعاً إلى دولة تقوم على المواطنة والحقوق والواجبات.
ولا يمكن تحقيق ذلك من دون قوى سياسية واجتماعية منظمة، ونقابات مستقلة، ومجتمع مدني فاعل، وإعلام حر، وثقافة سياسية تؤمن بحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة.
فالدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها، بل الدولة التي تحمي حقوقهم، وتفرض القانون على الجميع، وتستمد قوتها من ثقتهم ومشاركتهم.
الديمقراطية لا تُستورد.. بل تُبنى
إن التجربة الإسبانية ليست وصفة جاهزة للدول العربية، لكنها تقدم دروساً تستحق الدراسة، وفي مقدمتها أن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية ممكن، وأن التسويات الوطنية ليست تنازلاً عن المبادئ بالضرورة، بل قد تكون الطريق إلى حماية المجتمع من الانقسام والعنف.
وتؤكد هذه التجربة أن الديمقراطية تحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات دستورية، وتعددية حقيقية، واقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، وثقافة تقبل الاختلاف، إلى جانب استقلال القرار الوطني عن الضغوط الخارجية.
أما العالم العربي، فلا يحتاج إلى استنساخ تجربة إسبانيا أو غيرها، بل إلى بناء نموذج ديمقراطي يستند إلى واقعه واحتياجات شعوبه، ويجمع بين الحرية والسيادة، وبين التعددية والوحدة الوطنية، وبين التنمية والعدالة الاجتماعية.
فلا استقرار دائماً من دون عدالة، ولا وحدة وطنية حقيقية من دون مشاركة، ولا تنمية مستدامة من دون مؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا سيادة مكتملة إذا كان المواطن نفسه محروماً من حقه في تقرير مصير بلاده.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الديمقراطية الإسبانية تصلح للعرب، بل ما إذا كانت الأنظمة والقوى السياسية العربية مستعدة لقبول مبدأ أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن السلطة مسؤولية مؤقتة وليست امتيازاً دائماً، وأن الدولة ملك لجميع مواطنيها، لا حكراً على حاكم أو حزب أو فئة.
عندها فقط تصبح الديمقراطية مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة، لا شعاراً للاستهلاك السياسي، ولا سلعة مستوردة، ولا وعداً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)
Nazmi_Yousef_Salsaa#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟