نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 19:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مع اقتراب انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يعود إلى الواجهة سؤال ظل مؤجلًا لسنوات طويلة: من يمثل الفلسطينيين؟ ومن يملك حق منح الشرعية لمن يتحدث باسمهم؟
قد يبدو السؤال في ظاهره متعلقًا بانتخابات أو مقاعد أو آليات اقتراع، لكنه في جوهره يتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله، وبالعلاقة بين الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، وبخاصة في هذه اللحظة التاريخية التي يعيش فيها الفلسطينيون واحدة من أخطر مراحل قضيتهم.
فبعد غزة، وبعد ما يجري في الضفة الغربية والقدس، وبعد اتساع دائرة الاستيطان والتهجير، وبعد عقود من الانقسام السياسي وتراجع الحياة الديمقراطية، لم يعد ممكنًا التعامل مع مسألة التمثيل وكأنها شأن تنظيمي داخلي بين الفصائل.
إنها قضية شرعية وطنية.
هل منظمة التحرير فوق الشعب أم منه؟
ثمة موقف فلسطيني يقول إن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإن أي عملية لإعادة تشكيل المجلس الوطني يجب أن تتم "داخل المنظمة ومن خلالها"، محذرًا من أي مبادرات أو أطر يمكن أن تتحول إلى بدائل عنها.
لا خلاف على مكانة منظمة التحرير التاريخية، ولا على ضرورة الحفاظ عليها باعتبارها إنجازًا وطنيًا فلسطينيًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدفاع عن منظمة التحرير إلى خلط بين المنظمة والفصائل التي تتكون منها، أو بين المنظمة ومؤسساتها، أو عندما يصبح الانتماء التنظيمي شرطًا مسبقًا للحصول على حق المشاركة في النقاش حول مستقبل التمثيل الفلسطيني.
فمنظمة التحرير ليست ملكًا لفصيل، ولا ملكًا لمجموعة فصائل، كما أن الشعب الفلسطيني ليس ملكًا لمنظمة التحرير.
المنظمة تستمد شرعيتها من الشعب، والشعب هو مصدر الشرعية الأول والأخير.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب طرحه بلا مواربة هو:
إذا كان المجلس الوطني هو الهيئة الوطنية التمثيلية للشعب الفلسطيني، فلماذا يُراد تحديد دائرة المشاركين في الحوار حول انتخابه وفق معيار الانتماء إلى منظمة التحرير؟
أليس ذلك قلبًا للعلاقة بين المؤسسة والشعب؟
المجلس الوطني الفلسطيني، في وظيفته وطبيعته، يفترض أن يكون الهيئة البرلمانية الوطنية الأوسع للشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات.
وبالتالي فإن منطق الأمور يقتضي أن يكون المجلس الوطني هو التعبير التمثيلي عن الشعب، وأن تكون منظمة التحرير ومؤسساتها التنفيذية والسياسية نابعة من هذه الشرعية الشعبية.
أما اختزال المجلس الوطني في القوى والتنظيمات المنضوية أصلًا في منظمة التحرير، فيحوّل المؤسسة التي يفترض أن تمثل الشعب إلى مؤسسة تمثّل مكونات تنظيمية محددة منه.
وهنا لا يعود السؤال: من يمثل الشعب؟
بل يصبح:
من يمثل الفصائل داخل الشعب؟
وهذا فرق جوهري لا يجوز القفز فوقه.
إذا كان المجلس الوطني مجلسًا للشعب الفلسطيني، فلا يجوز أن يكون الانتماء الفصائلي هو بوابة الدخول الوحيدة إلى عملية تحديد مستقبله.
فلسطينيو أوروبا ليسوا "رقمًا انتخابيًا"
هذه المسألة تبدو أكثر وضوحًا في حالة فلسطينيي أوروبا.
هناك مئات الآلاف من الفلسطينيين موزعين على اسبانيا وألمانيا وبريطانيا والسويد وبلجيكا وهولندا والدنمارك وغيرها.
هؤلاء ليسوا تنظيمًا سياسيًا واحدًا، ولا مؤتمرًا واحدًا، ولا تيارًا واحدًا.
في أوروبا يوجد فلسطينيون مستقلون، وفصائليون، ومثقفون، وأكاديميون، ونساء وشباب، ومؤسسات اجتماعية وثقافية، وروابط وجمعيات، وأجيال فلسطينية جديدة ولدت في أوروبا وتحمل هويتها الفلسطينية بأشكال مختلفة.
فمن الذي يستطيع أن يقول: أنا أمثل فلسطينيي أوروبا؟
لا أحد، ما لم يكن هناك تفويض ديمقراطي واضح.
وهنا ينبغي أن تكون الأسئلة قاسية بقدر أهمية القضية:
من انتخبكم؟
من فوضكم؟
أين هي الآلية الديمقراطية التي منحتكم حق الحديث باسم فلسطينيي أوروبا؟
إن عقد مؤتمر أو اجتماع، مهما كان عدد المشاركين فيه، لا يصنع تفويضًا شعبيًا.
والتوقيعات لا تصنع وحدها شرعية.
والعلاقات التنظيمية لا تمنح أحدًا حق احتكار تمثيل الشتات.
التمثيل ليس لقبًا، بل تفويض.
الخطأ ليس في الاختلاف... بل في الإقصاء
الموقف الذي صدر عن التكتل الفلسطيني المستقل في برلين يلفت الانتباه إلى نقطة شديدة الأهمية: الاختلاف السياسي لا يعني الخروج من الشعب الفلسطيني.
وهذه قاعدة ينبغي أن تكون بديهية.
فالفلسطيني الذي لا ينتمي إلى منظمة التحرير لا يصبح أقل فلسطينية.
والمؤسسة الفلسطينية المستقلة لا تفقد حقها في المشاركة لأنها لا تحمل صفة تنظيمية.
والشخصية المعارضة لا تصبح "خارج الإطار الوطني" لمجرد أنها تختلف سياسيًا مع القيادة القائمة.
وإلا فما معنى الحديث عن إعادة بناء المؤسسات وتجديد الشرعية؟
إن إعادة بناء البيت الوطني لا تبدأ بطرد المختلفين منه، بل تبدأ بفتح أبوابه أمامهم.
من يخاف من المستقلين؟
السؤال الأكثر إحراجًا، وربما الأكثر ضرورة، هو:
لماذا تخشى بعض الأطر السياسية من حضور المستقلين؟
إذا كانت منظمة التحرير قوية بشرعيتها، فإن توسيع المشاركة لا ينبغي أن يهددها.
وإذا كان المجلس الوطني يمثل الشعب حقًا، فإن دخول شخصيات وقوى مستقلة إليه يجب أن يقويه لا أن يضعفه.
وإذا كانت الفصائل واثقة من وزنها الشعبي، فلماذا الخوف من انتخابات حقيقية؟
إن الديمقراطية لا تعني أن تحصل الفصائل على ما تريد.
الديمقراطية تعني أن تقبل الفصائل بما يقرره الناس.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع في الجدل الحالي.
سفارات فلسطين ليست مكاتب للفصائل
وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية.
السفارات الفلسطينية في أوروبا تمثل دولة فلسطين ومصالح الشعب الفلسطيني، وينبغي أن تكون مساحات جامعة لكل الفلسطينيين، لا منصات لاستدعاء طرف فلسطيني وإقصاء طرف آخر.
اللقاء الذي عقد في السفارة الفلسطينية في برلين في السابع من سبتمبر/أيلول 2026، والذي تناول انتخابات المجلس الوطني، كان يمكن أن يكون فرصة لفتح حوار واسع مع مختلف القوى والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية.
لكن حصر النقاش في دائرة محددة، واستبعاد المستقلين أو المختلفين سياسيًا، لا يساعد على بناء الثقة.
بل يعطي انطباعًا بأن الانتخابات تُناقش قبل أن تبدأ، وأن دائرة الشرعية يجري تحديدها قبل أن يُسأل الشعب عن رأيه.
وهذا بالضبط ما يجب تجنبه.
لا نريد بديلًا عن منظمة التحرير... نريد منظمة تحرير مختلفة
هنا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا.
المستقلون الفلسطينيون في أوروبا لا يحتاجون إلى اختراع منظمة جديدة، ولا إلى مرجعية موازية، ولا إلى بديل عن منظمة التحرير.
المطلوب هو شيء أكثر بساطة وأكثر جذرية: إعادة منظمة التحرير إلى الشعب.
أي إعادة الاعتبار إلى المجلس الوطني باعتباره المؤسسة التمثيلية الأوسع، وفتح عضويته أمام جميع مكونات الشعب الفلسطيني وفق قواعد انتخابية ديمقراطية، وإعادة بناء المؤسسات التنفيذية والسياسية على أساس هذه الشرعية.
فإذا كانت المنظمة بيت الفلسطينيين جميعًا، فلا ينبغي أن يُطلب من الفلسطيني أولًا أن يحصل على مفتاح من أحد كي يدخل هذا البيت.
منظمة التحرير تحتاج إلى الفلسطينيين لا إلى حراس أبواب
المشكلة الحقيقية ليست في وجود منظمة التحرير.
المشكلة في أن تتحول منظمة التحرير إلى نظام مغلق لحماية التوازنات التنظيمية القائمة بدل أن تكون إطارًا متجددًا لحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
المنظمة تحتاج إلى الشباب.
تحتاج إلى المستقلين.
تحتاج إلى الشتات.
تحتاج إلى المعارضة.
تحتاج إلى المرأة.
تحتاج إلى الأجيال الفلسطينية الجديدة.
وتحتاج قبل كل شيء إلى إعادة الثقة بينها وبين الشعب.
وهذه الثقة لن تعود بالبيانات، ولا بالشعارات، ولا بتكرار عبارة "الممثل الشرعي والوحيد".
الشرعية تُجدد بالممارسة الديمقراطية.
انتخابات نوفمبر ليست فقط اختبارًا لمن سيفوز بالمقاعد.
إنها اختبار لمنطق سياسي كامل.
هل ستُستخدم الانتخابات لإعادة إنتاج التوازنات الفصائلية القائمة؟
أم ستكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس المشاركة الشعبية؟
هل سيُنظر إلى فلسطينيي أوروبا باعتبارهم ناخبين يحتاج إليهم يوم الاقتراع؟
أم باعتبارهم جزءًا أصيلًا من عملية صياغة التمثيل الفلسطيني؟
هل سيكون المجلس الوطني مجلسًا للفصائل؟
أم مجلسًا للشعب؟
هذه الأسئلة يجب ألا تخيف أحدًا.
بل ينبغي أن تكون بداية النقاش.
الشرعية لا تُورّث
لقد تغير الشعب الفلسطيني كثيرًا.
تغيرت الأجيال، وتغيرت الجغرافيا، وتغيرت طبيعة الشتات، وتغيرت أدوات التواصل والعمل السياسي.
لكن بعض آليات التمثيل ما زالت أسيرة منطق قديم.
لا يمكن أن يظل الفلسطيني في أوروبا مجرد متلقٍ للقرارات الصادرة من المؤسسات، ثم يُطلب منه لاحقًا أن يشارك في الانتخابات لإضفاء الشرعية عليها.
من حقه أن يشارك في صناعة القرار الذي يحدد من سيمثله.
ومن حقه أن يسأل قبل الانتخابات:
من وضع قواعدها؟
من حدد شروط الترشح؟
من حدد ممثلي الشتات؟
ومن يضمن أن تكون العملية شفافة؟
ومن يراقبها؟
وما هي الآلية التي تضمن ألا تتحول الانتخابات إلى إعادة توزيع للمقاعد بين القوى القائمة؟
هذه ليست أسئلة معادية لمنظمة التحرير.
بل هي أسئلة دفاعًا عنها.
لا يمكن بناء الوحدة الوطنية بعقلية الإقصاء
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول انتخابات المجلس الوطني إلى مناسبة جديدة لتعميق الانقسام.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى معركة جديدة بين "داخل المنظمة" و"خارج المنظمة".
هم يحتاجون إلى صيغة تتجاوز هذه الثنائية.
فلسطين أكبر من فتح وحماس والجبهات والفصائل كافة.
والشعب الفلسطيني أكبر من كل أطره التنظيمية.
ومنظمة التحرير، إذا أرادت أن تبقى بيتًا وطنيًا جامعًا، يجب أن تكون أكبر من مكوناتها الحالية.
والمجلس الوطني، إذا أراد أن يستعيد دوره، يجب أن يعود إلى أصله: مجلسًا للشعب الفلسطيني.
الكلمة الأخيرة للشعب
لذلك فإن القضية ليست في أن يكون التكتل الفلسطيني المستقل أو غيره داخل منظمة التحرير أو خارجها.
القضية أعمق من ذلك.
القضية هي: من يملك حق تحديد شكل التمثيل الفلسطيني؟
والجواب الديمقراطي لا يمكن أن يكون إلا: الشعب الفلسطيني.
فلا الفصائل تملك الشعب، ولا منظمة التحرير تملك الشعب، ولا أي مؤتمر أو مبادرة أو تجمع يملك حق التحدث باسم الشعب دون تفويض.
وإذا كانت منظمة التحرير هي البيت الوطني، فعلينا أن نعيد بناء البيت، لا أن نحول حراسته إلى امتياز لفئة محددة.
وإذا كان المجلس الوطني هو المؤسسة البرلمانية للشعب الفلسطيني، فعلينا أن نعيده إلى الشعب، لا أن نتركه أسيرًا للتوازنات التنظيمية.
وإذا كنا نريد وحدة وطنية حقيقية، فعلينا أن نبدأ من الاعتراف بأن الاختلاف ليس خروجًا من الوطنية، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن الاستقلالية ليست فراغًا سياسيًا.
في نوفمبر المقبل، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
من سيدخل المجلس الوطني؟
بل السؤال الأهم:
أي مجلس وطني نريد؟ ولمن سيكون؟
فإما أن تكون الانتخابات طريقًا إلى تجديد الشرعية وإعادة بناء التمثيل الفلسطيني،
وإما أن تكون مجرد محطة جديدة لإعادة إنتاج الشرعية القديمة بالأدوات القديمة.
وفي الحالتين، سيبقى السؤال الذي لا يمكن إسكاته:
هل نريد مجلسًا يمثل الفصائل أمام الشعب، أم مجلسًا يمثل الشعب أمام الفصائل؟
هنا تحديدًا يبدأ الإصلاح.
وهنا أيضًا تبدأ الشرعية الحقيقية.
#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)
Nazmi_Yousef_Salsaa#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟