|
|
سبتة ومليلية بين التاريخ والقانون والهجرة والجغرافيا السياسية - قراءة نقدية في علاقة المغرب وإسبانيا واحدى قضايا غرب المتوسط تعقيدا
نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 18:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أود في البداية أن أوضح أنني لا أتناول قضية سبتة ومليلية باعتبارها مجرد خلاف حدودي بين دولتين، ولا باعتبارها قضية هجرة فقط، ولا باعتبارها ملفًا أمنيًا منفصلًا عن محيطه. إنني أحاول أن أطرح سؤالًا أوسع: ماذا تكشف لنا سبتة ومليلية عن التاريخ الاستعماري، وعن القانون الدولي، وعن العلاقة بين أوروبا وأفريقيا، وعن الهجرة، وعن النظام الاقتصادي العالمي، وعن مستقبل البحر الأبيض المتوسط؟ فالمدينتان، في تقديري، ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين؛ إنهما تكثيف لتاريخ طويل من الصراع والتبادل والتوسع الاستعماري والتنافس على المتوسط. ولهذا سأحاول أن أنتقل معكم من التاريخ إلى القانون، ومن القانون إلى الجغرافيا السياسية، ومن الجغرافيا السياسية إلى الهجرة والاقتصاد السياسي، ثم إلى سؤال المستقبل. لنبدأ من الجغرافيا. تقع سبتة ومليلية على الساحل الشمالي لأفريقيا، في منطقة لا تفصلها عن أوروبا سوى مسافة بحرية قصيرة. وهذه الجغرافيا هي مفتاح فهم تاريخهما. فمنذ العصور القديمة، كان مضيق جبل طارق واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم. تعاقبت عليه حضارات وقوى كبرى، من الفينيقيين والقرطاجيين والرومان إلى القوى العربية الإسلامية والأوروبية. ثم جاءت المرحلة العربية الإسلامية، وأصبح شمال أفريقيا والأندلس فضاءً متصلًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وفي هذا السياق كانت سبتة مدينة مهمة في شبكة التواصل بين المغرب والأندلس. وفي سنة 711 ميلادية عبر طارق بن زياد المضيق إلى الأندلس، ليبدأ فصلًا جديدًا في التاريخ الأوروبي والمتوسطي. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في القرن الخامس عشر. بعد سقوط غرناطة سنة 1492، ودخول إسبانيا والبرتغال عصر التوسع البحري، بدأت القوى الإيبيرية تتجه بقوة نحو السواحل الأفريقية. احتلت البرتغال سبتة سنة 1415، ثم انتقلت المدينة إلى السيادة الإسبانية بعد اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني، وبقيت تحت التاج الإسباني بعد استقلال البرتغال. أما مليلية، فقد احتلتها إسبانيا سنة 1497. ومن هنا بدأ وجود إسباني طويل في شمال أفريقيا. لكن التاريخ لا يتوقف هنا. مع ظهور الدولة المغربية الحديثة، ثم فرض الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب سنة 1912، أصبح الوجود الأوروبي في شمال أفريقيا جزءًا من منظومة استعمارية أوسع. وعندما استقل المغرب سنة 1956، برز مفهوم استكمال الوحدة الترابية، وأصبحت سبتة ومليلية جزءًا من المطالبة المغربية. إذن نحن أمام روايتين تاريخيتين: الرواية الإسبانية تقول إن المدينتين تحت السيادة الإسبانية منذ قرون، وإن وجودهما أقدم من نظام الحماية الذي فُرض على المغرب في القرن العشرين. أما الرواية المغربية فتقول إن وجود قوة أوروبية على أراضٍ تقع جغرافيًا في شمال أفريقيا هو امتداد لتاريخ استعماري لم ينتهِ بصورة كاملة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل ننظر إلى التاريخ من زاوية الاستمرارية القانونية للسيادة، أم من زاوية تصفية الاستعمار واستكمال الوحدة الترابية؟ هنا ينبغي أن نكون دقيقين جدًا. من الخطأ أن نقول إن القانون الدولي حسم قضية سبتة ومليلية لصالح المغرب، كما أنه من الخطأ القول إن الأمم المتحدة أصدرت قرارًا يعترف بصورة نهائية بالسيادة الإسبانية عليهما. الوضع أكثر تعقيدًا. فسبتة ومليلية ليستا مدرجتين في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بخلاف جبل طارق، الذي ما زال مدرجًا في هذه القائمة ويخضع لمسار تصفية الاستعمار. وهنا تظهر أهمية المقارنة مع جبل طارق. إسبانيا تطالب بجبل طارق، الذي تسيطر عليه بريطانيا، وتستند في مطالبتها إلى اعتبارات تاريخية وقانونية. وفي الوقت نفسه، يطالب المغرب بسبتة ومليلية. لكن هناك فرق مهم: جبل طارق له وضع دولي خاص داخل منظومة الأمم المتحدة، بينما لا تتمتع سبتة ومليلية بالوضع نفسه. ولهذا فإن المقارنة بين الحالات الثلاث يجب أن تكون مقارنة تحليلية وليست مطابقة قانونية. هنا نصل إلى مفارقة جغرافية وسياسية مثيرة للاهتمام. سبتة ومليلية تقعان جغرافيًا في أفريقيا، لكنهما تابعتان للدولة الإسبانية، وتطبَّق فيهما قواعد شنغن، وتُعد حدودهما مع المغرب حدودًا خارجية لمنطقة شنغن. وفي الوقت نفسه، هما ليستا جزءًا من الإقليم الجمركي للاتحاد الأوروبي، ولهما ترتيبات ضريبية وجمركية خاصة. إذن نحن أمام واقع مركب: أفريقيا جغرافيًا، وإسبانيا سياسيًا، والاتحاد الأوروبي من ناحية شنغن، مع وضع جمركي خاص. وهذه المفارقة هي التي تجعل المدينتين مهمتين جدًا في النقاش الأوروبي حول الحدود والهجرة. فهما تمثلان عمليًا إحدى نقاط التماس المباشر بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية. هنا حدث تحول تاريخي مهم. في الماضي كان السؤال: من يملك الأرض؟ أما اليوم فأصبح السؤال أيضًا: من يسيطر على الحدود؟ ومع دخول إسبانيا إلى المشروع الأوروبي، ثم تطبيق قواعد شنغن، أصبحت سبتة ومليلية جزءًا من منظومة الحدود الخارجية الأوروبية. وهكذا تحولت القضية من نزاع ثنائي مغربي إسباني إلى قضية لها بعد أوروبي. فالحدود في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد خطوط تفصل الدول. إنها أصبحت أدوات لإدارة حركة البشر، ورأس المال، والبضائع، والأمن. من هنا نصل إلى الموضوع الذي جعل المدينتين تحضران بقوة في الإعلام العالمي: الهجرة. عندما نرى شابًا أفريقيًا أو مغربيًا يحاول عبور السياج، أو يخاطر بحياته في البحر، غالبًا ما نتعامل مع المشهد بوصفه مشكلة أمنية. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا يغامر الإنسان بحياته؟ هل يريد ببساطة مخالفة القانون؟ أم أنه يبحث عن فرصة لا يجدها في وطنه؟ إنني لا أطرح هذا السؤال لتبرير أي مخالفة للقانون، وإنما لفهم الظاهرة. لأن الفرق كبير بين إدارة الهجرة وبين فهم أسباب الهجرة. يمكن للدولة أن تحمي حدودها، وهذا حق مشروع. لكن حماية الحدود لا تلغي الأسباب التي تدفع الناس إلى محاولة عبورها. وهنا نصل إلى القراءة اليسارية. الماركسية لا تبدأ بالسؤال: "كيف نمنع المهاجر؟" بل تبدأ بسؤال: "ما الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الهجرة؟" كارل ماركس درس التناقضات الداخلية للرأسمالية، وكيف يمكن لتراكم رأس المال أن يترافق مع إنتاج التفاوت والاستغلال. وفي القرن العشرين، طور مفكرون مثل لينين، وغرامشي، ثم لاحقًا سمير أمين وإيمانويل والرشتاين، تحليلات تتعلق بالإمبريالية، والمركز والأطراف، والتفاوت في النظام الاقتصادي العالمي. ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى المتوسط باعتباره مجرد بحر يفصل أوروبا عن أفريقيا. إنه أيضًا حد فاصل بين مستويات متفاوتة من الثروة والفرص والتنمية. على الضفة الشمالية توجد واحدة من أكثر مناطق العالم ثراءً. وعلى الضفة الجنوبية توجد دول تواجه، بدرجات مختلفة، تحديات التنمية والبطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي. وبالتالي فإن الهجرة تصبح، في جانب منها، تعبيرًا عن اختلال في توزيع الفرص عالميًا. وهنا تظهر مفارقة مهمة. الاقتصادات الأوروبية تحتاج إلى المهاجرين في قطاعات عديدة: الزراعة، والبناء، والرعاية، والخدمات، والصناعة، وغيرها. وفي الوقت نفسه، يرتفع في بعض الدول الأوروبية خطاب سياسي يطالب بإغلاق الحدود ومنع الهجرة. كيف نفهم هذا التناقض؟ من منظور الاقتصاد السياسي، يمكن القول إن النظام الاقتصادي قد يحتاج إلى قوة العمل المهاجرة، بينما يستخدم الخطاب السياسي أحيانًا الهجرة باعتبارها مصدرًا للخوف والقلق. وهنا تظهر مسؤولية اليسار. فاليسار لا ينبغي أن يدافع عن الإنسان المهاجر فقط من زاوية أخلاقية، وإنما ينبغي أن يربط القضية أيضًا بالعدالة الاجتماعية، وسوق العمل، والسكن، والأجور، والاستغلال. الهجرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة وقودًا سياسيًا لليمين المتطرف في أوروبا. وهنا ينبغي أن نكون حذرين. فالمشكلات الاجتماعية حقيقية: هناك أزمة سكن. هناك بطالة في بعض الفئات. هناك ضغط على الخدمات العامة. هناك مخاوف أمنية لدى قطاعات من السكان. لكن السؤال السياسي هو: هل المهاجر هو سبب هذه الأزمات، أم أن الأزمات أعمق من وجود المهاجر؟ من منظور غرامشي، يمكن أن نفكر هنا في مفهوم الهيمنة وصناعة الوعي. فعندما يعاني المواطن من أزمة السكن، يمكن أن يُقال له: "المشكلة هي المهاجر." لكن قد يكون السؤال الحقيقي: من يملك العقارات؟ كيف توزع الثروة؟ كيف تعمل سوق السكن؟ ما طبيعة السياسات الاجتماعية؟ وبذلك ينتقل الغضب من البنية الاقتصادية إلى فئة اجتماعية أضعف. وهذه إحدى أخطر وظائف خطاب الكراهية. لكن لا يمكن فهم سبتة ومليلية دون فهم العلاقة المغربية الإسبانية. هذه العلاقة مرت بمراحل طويلة. من حرب تطوان في القرن التاسع عشر، إلى مرحلة الحماية، ثم استقلال المغرب، ثم أزمات وصراعات دبلوماسية، وصولًا إلى التعاون الاستراتيجي. وقد أصبحت هناك مصالح متشابكة: التجارة. الاستثمار. الأمن. مكافحة الإرهاب. الهجرة. الصيد. الطاقة. والتبادل الإنساني والثقافي. وهنا تظهر مفارقة أخرى: المغرب وإسبانيا يختلفان حول قضايا سيادية، لكنهما يحتاجان إلى بعضهما في ملفات عديدة. وهذا يعني أن الجغرافيا لا تنتج الصراع فقط؛ إنها تفرض أيضًا التعاون. شكلت أزمة سبتة في مايو/أيار 2021 واحدة من أكثر اللحظات توترًا في العلاقات الحديثة بين البلدين. لكن الأزمة لم تؤدِ إلى قطيعة دائمة. بل على العكس، شهد العام التالي تحولًا مهمًا. في 7 أبريل/نيسان 2022، بدأ المغرب وإسبانيا مرحلة جديدة من العلاقات، وأُعلنت خارطة طريق تقوم على التواصل الدائم، والشفافية، والاحترام المتبادل، والتعاون في الملفات المشتركة. كما تضمنت استعادة تدريجية لحركة الأشخاص والبضائع عبر حدود سبتة ومليلية. وكان لهذا التحول ارتباط وثيق أيضًا بتغيير الموقف الإسباني من مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب للصحراء الغربية. وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: إعلان مدريد 2022 لم يحسم قضية سبتة ومليلية. لكنه غيّر طريقة إدارة العلاقة بين مدريد والرباط. وهذه نقطة مهمة جدًا. فالخلافات لم تختفِ، لكن الطرفين قررا أن التعاون الاستراتيجي أكثر فائدة من المواجهة. لا يمكن عزل غرب المتوسط عن التحولات العالمية. الحرب في أوكرانيا أعادت إلى أوروبا قضايا الأمن والطاقة، وأعادت أهمية الجوار الجنوبي. أما حرب غزة فقد أعادت فتح أسئلة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والعلاقة بين أوروبا والشرق الأوسط، وأظهرت اختلافات مهمة بين الدول الأوروبية في التعامل مع القضية الفلسطينية. وهنا نصل إلى نقطة أوسع: المتوسط ليس بحرًا محليًا. إنه مرتبط بالأطلسي، وبالشرق الأوسط، وأفريقيا، والطاقة، والتجارة العالمية، والهجرة. ومن هنا، فإن سبتة ومليلية تقعان في نقطة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح متعددة. إذا أردنا فهم هذه المنطقة بعمق، علينا أن نخرج من القراءة اليومية للأحداث. فرنان بروديل علمنا أن المتوسط ليس مجرد جغرافيا، بل فضاء تاريخي تتحرك فيه الحضارات والاقتصادات والشعوب على مدى قرون. أما ألفرد ماهان وهالفورد ماكيندر فقد قدما أدوات لفهم العلاقة بين الجغرافيا والقوة الدولية. ثم جاء التحليل الماركسي ليضيف سؤالًا آخر: من يملك طرق التجارة؟ من يملك رأس المال؟ من يسيطر على الموانئ والممرات؟ ومن يدفع ثمن هذا النظام؟ ومن هنا يمكن فهم أهمية مضيق جبل طارق. فمن يسيطر على هذا الممر لا يسيطر على قطعة من الماء فقط، وإنما يملك موقعًا مؤثرًا في حركة التجارة والطاقة والأساطيل. هذا هو السؤال الأصعب. لا أعتقد أن من المفيد أن نجيب عنه بشعار. من الناحية المغربية، هناك ذاكرة تاريخية قوية ترى أن استمرار السيادة الإسبانية على المدينتين يمثل بقايا من التاريخ الاستعماري. ومن الناحية الإسبانية، هناك واقع سياسي ودستوري وسكاني عمره قرون، وترى مدريد أن المدينتين جزء من الدولة الإسبانية. وبين الروايتين توجد حقيقة لا يمكن تجاهلها: التاريخ لم ينتهِ عندما انتهت الحماية سنة 1956. بل ترك وراءه مجموعة من الملفات التي ما زالت مفتوحة. ومن هنا فإن الحل، إذا كان ممكنًا، لن يأتي من إنكار تاريخ طرف أو إلغاء ذاكرة طرف آخر. المقارنة مع جبل طارق مهمة، ولكنها ليست مطابقة. إسبانيا تطالب بجبل طارق، والمغرب يطالب بسبتة ومليلية. لكن جبل طارق مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما لا تتمتع سبتة ومليلية بهذا الوضع. وهذا الفرق القانوني أساسي. لكن المقارنة تطرح سؤالًا سياسيًا مهمًا: لماذا يمكن أن تبقى قضايا السيادة مفتوحة لعقود، رغم تغير الظروف الدولية؟ والجواب أن النزاعات الإقليمية لا تُحسم بالقانون وحده، ولا بالتاريخ وحده. إنها تحتاج إلى: إرادة سياسية، وتفاوض، وضمانات، ومصالح مشتركة، وتوازن بين حقوق السكان والمطالب التاريخية والقواعد الدولية. إذا انتقلنا الآن إلى المستقبل، أرى أمامنا خمس احتمالات رئيسية. الاحتمال الأول: استمرار الوضع الراهن وهو الأكثر واقعية في المدى المنظور. تبقى المدينتان تحت الإدارة والسيادة الإسبانية، ويستمر المغرب في موقفه السياسي، مع استمرار التعاون بين البلدين. الاحتمال الثاني: تعميق التعاون يمكن أن تتحول المنطقة الحدودية إلى نموذج للتعاون الاقتصادي والثقافي والإنساني. وهذا لا يعني بالضرورة حل قضية السيادة، وإنما يعني إدارة الخلاف بطريقة أكثر عقلانية. الاحتمال الثالث: عودة التوتر يمكن أن تتأثر العلاقات بأي أزمة سياسية أو أمنية أو إقليمية، خصوصًا في ملف الهجرة أو الصحراء الغربية أو الحدود البحرية. الاحتمال الرابع: حوار سياسي طويل الأمد قد يأتي وقت يصبح فيه الحوار حول القضايا التاريخية أكثر انتظامًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة التوصل السريع إلى حل للسيادة. الاحتمال الخامس: تغير البيئة الدولية إذا تغيرت موازين القوى في المتوسط، أو تطورت علاقة الاتحاد الأوروبي بأفريقيا، فقد تكتسب سبتة ومليلية وظائف جديدة. وهنا يصبح السؤال: هل تبقى المدينتان مجرد حدود، أم تتحولان إلى جسور؟ من وجهة نظر، أعتقد أننا يجب أن نعيد صياغة السؤال. بدل أن نسأل فقط: من يملك سبتة ومليلية؟ علينا أن نسأل أيضًا: كيف يمكن أن يعيش الإنسان على جانبي الحدود بكرامة؟ بدل أن يكون البحر المتوسط مقبرة للمهاجرين، لماذا لا يصبح فضاءً للتنمية؟ بدل أن يكون السياج رمزًا للفصل، لماذا لا يصبح التعاون الاقتصادي والثقافي جسرًا بين الضفتين؟ وبدل أن تتحول الهجرة إلى مادة انتخابية لليمين المتطرف، لماذا لا تصبح مناسبة لإعادة النظر في العلاقة الاقتصادية بين الشمال والجنوب؟ هذه ليست أسئلة رومانسية. إنها أسئلة سياسية واقتصادية حقيقية. أعتقد أن اليسار الأوروبي والعربي مطالب بتقديم رؤية تتجاوز ثنائية: فتح الحدود بالكامل أو إغلاقها بالكامل. هناك طريق ثالث: إدارة منظمة للهجرة. فتح قنوات قانونية للهجرة والعمل. حماية حقوق اللاجئين. محاربة الاتجار بالبشر. دعم التنمية في بلدان المصدر. تحسين شروط العمل للمهاجرين. ومواجهة استغلال المهاجرين في سوق العمل. وفي الوقت نفسه، الاعتراف بحق الدول في إدارة حدودها ضمن القانون الدولي وحقوق الإنسان. الذي يريد أن يكون واقعيًا لا يمكنه تجاهل مخاوف المجتمعات، كما لا يستطيع أن يجعل المهاجر كبش فداء. أعتقد أن القضية في جوهرها تتجاوز سبتة ومليلية. إنها قضية علاقة أوروبا بأفريقيا. وعلاقة الشمال بالجنوب. وعلاقة الرأسمال بالعمل. وعلاقة الأمن بالحرية. وعلاقة الحدود بالإنسان. ولذلك نحن بحاجة إلى رؤية متوسطية جديدة تقوم على أربعة مبادئ: أولًا: العدالة. لا يمكن بناء استقرار دائم على تفاوتات اقتصادية عميقة. ثانيًا: التنمية المشتركة. لا يكفي أن تقدم أوروبا مساعدات للجنوب؛ المطلوب شراكات إنتاجية ونقل للمعرفة والتكنولوجيا وفرص حقيقية للشباب. ثالثًا: احترام القانون الدولي. لا يمكن أن يكون القانون الدولي انتقائيًا؛ يجب أن يطبق على الجميع. رابعًا: الإنسان. يجب ألا يتحول الإنسان إلى أداة في صراعات الدول أو إلى رقم في إحصاءات الهجرة. الخاتمة السيدات والسادة، بعد هذه الرحلة، أعتقد أن علينا أن نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: ماذا تمثل سبتة ومليلية؟ إنهما ليستا فقط مدينتين. إنهما مرآة. مرآة لتاريخ طويل من الصراع بين ضفتي المتوسط. مرآة للاستعمار وما تركه من حدود وذاكرة. مرآة لتناقضات القانون الدولي. مرآة للفوارق الاقتصادية بين الشمال والجنوب. ومرآة لأزمة الهجرة التي لا يمكن حلها بالأسوار وحدها. وإذا أردنا قراءة القضية قراءة منطقية، فإن علينا أن نذهب إلى ما وراء المشهد الظاهر. فالمهاجر الذي يقف أمام السياج ليس بداية المشكلة. إنه نتيجة مشكلة أعمق. والسياج ليس سبب الهجرة. إنه محاولة لإدارة نتائجها. أما السبب الأعمق فيتعلق بتفاوت التنمية والثروة والفرص، وبالنزاعات والحروب، وبالنظام الاقتصادي الدولي الذي لا يوزع مكاسب العولمة بصورة عادلة. لكن القراءة الجادة لا ينبغي أن تتحول إلى تبرير سياسي لأي طرف. فهي مطالبة بأن تنتقد الاستغلال أينما كان، وأن تدافع عن الإنسان، وأن تعترف في الوقت نفسه بتعقيدات الواقع ومصالح المجتمعات والدول. وأعتقد أن مستقبل سبتة ومليلية لن يُحسم بالشعارات. لن تحسمه ذاكرة واحدة. ولن يحسمه السياج. ولن يحسمه الأمن وحده. وإذا كان التاريخ قد جعل من المتوسط بحرًا للصراعات، فإن مسؤوليتنا السياسية والفكرية هي أن نجعله بحرًا للتعاون. إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: لمن تكون سبتة؟ ولمن تكون مليلية؟ بل: أي مستقبل نريد لضفتي المتوسط؟ هل نريد متوسطًا تحرسه الأسلاك والجدران؟ أم متوسطًا تحمي حدوده، وتحترم إنسانه، وتربط اقتصاداته، وتصون تنوعه الثقافي، وتبني السلام والعدالة؟ هذا، في تقديري، هو السؤال الحقيقي. وأختم بالقول: إن الجغرافيا قد تفرض الجوار، لكن السياسة هي التي تقرر إن كان هذا الجوار سيكون صراعًا أم شراكة.
#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)
Nazmi_Yousef_Salsaa#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سبتة وغزة... عندما ترتد أزمات الجنوب إلى أبواب أوروبا الهجرة
...
-
سبته ليست أزمة حدود ... لا أزمة نظام عالمي
-
عندما تصبح التجارة أداة للابتزاز السياسي: ماذا تعني تهديدات
...
-
مناهضة تسييس معاداة السامية... دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
-
مناهضة تسييس معاداة السامية... دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
-
الانتخابات الفلسطينية... معركة على الشرعية الوطنية لا سباق
...
-
البيت العربي في مدريد... عندما يصبح الحوار ضحية للاستقطاب ا
...
-
أزمة حركة فتح ومأزق النظام السياسي الفلسطيني: هل يولد المشر
...
-
الفلسطينيون في أراضي 48: معركة البقاء الوطني في زمن الإقصاء
-
انتخابات الأندلس 2026: صعود اليسار يعيد التوازن إلى المشهد
...
-
الخليج في مرآة الحرب: هل انكشف الوهم أم حان وقت القرار؟
-
إسبانيا في مواجهة التحولات الدولية: من مشروع برشلونة إلى قي
...
-
بعد مرور 45 عامًا… الحكومة الإسبانية ترفع السرية عن وثائق ا
...
-
إسبانيا: خمسة عقود على الديمقراطية
-
بعد وقف إطلاق النار في غزة: مسؤوليات جديدة أمام الجاليات ال
...
-
مؤتمر نيويورك لحل الدولتين… بين مسار المقاومة وواقع الانقسا
...
-
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا: واقع مظلم ومستقبل مجهول
-
تداعيات -بلطجة- ترامب على حلفائه الأوروبيين: هل تستعيد أوروب
...
-
-شياطين العالم- يجتمعون في مدريد نهاية الشهر الجاري! نادي
...
-
هل بدأت مرحلة نهاية وظيفة ودور الكيان الصهيوني ككلب حراسة لل
...
المزيد.....
-
ألمانيا.. استقبال ميرتس بموجات التصفير وصرخات الاستهجان عند
...
-
نتنياهو: لن تكون هناك دولة فلسطينية تسيطر عليها إيران لا في
...
-
حزب أوربان يتهم الحكومة الهنغارية بالفساد
-
أمسية تكريم اتحاد الصحافيين الالماني للكاتب والصحفي العراقي
...
-
حمدوك يصل أديس أبابا للمشاركة في مشاورات القوى الرافضة للحرب
...
-
-الشيخ نيني-.. من ملك جمال العالم إلى التوقيف على خلفية الإس
...
-
من غزة للضفة.. تحذيرات مصرية لإسرائيل
-
ماكرون يعد زيلينسكي بتوريد صواريخ اعتراضية جديدة
-
للمرة الثالثة.. تعرض مسجد في ولاية أوهايو الأمريكية للاقتحام
...
-
الدفاع الروسية: ضربات دقيقة تستهدف مواقع مسيرات وموانئ أوكرا
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|