أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟















المزيد.....

ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟


نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا أجد نفسي معنياً ‏بالدخول في مهاترات المحللين والمتباكين على ما حدث في ذلك اليوم، ولا في السجالات ‏التي اختزلت المشهد كله في سؤال: هل نحن مع «الطوفان» أم ضده؟
هذه ليست القضية التي أريد التوقف عندها‎.‎
القضية الأهم، من وجهة نظري، هي أن السابع من أكتوبر لم يكن حدثاً عابراً انتهى ‏بانتهاء يومه، بل كان زلزالاً سياسياً واستراتيجياً ما تزال المنطقة والعالم يعيشان ارتداداته‎.‎
لقد تغيرت منذ ذلك اليوم حسابات الأمن والردع والتحالفات، وتبدلت صورة ‏المنطقة في الوعي العالمي، وانكشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، كما أعيد فتح ‏السؤال الأكبر حول طبيعة النظام الدولي نفسه: هل نحن أمام نهاية مرحلة الهيمنة ‏الأحادية الأميركية، وبداية انتقال تدريجي إلى عالم متعدد الأقطاب؟
لا يعني ذلك أن الهيمنة الأميركية انتهت، ولا أن إسرائيل ستختفي غداً من الخريطة. ‏لكن المؤكد أن الترتيبات التي بدت راسخة لعقود لم تعد تبدو راسخة كما كانت‎.‎
وهنا تكمن أهمية قراءة «الطوفان» من خارج اللحظة التكتيكية‎.‎
من غزة خرج السؤال الكبير
عندما انطلق هجوم السابع من أكتوبر، كانت الصدمة الأولى في إسرائيل، ثم جاءت ‏‏«الفزعة» الغربية الكبرى‏‎.‎
خلال فترة قصيرة، تحولت الولايات المتحدة ودول أوروبية أطلسية إلى شبكة دعم ‏سياسي وعسكري واسعة لإسرائيل، بينما تدفقت الأسلحة والذخائر والمساعدات ‏العسكرية، وجرى توفير غطاء سياسي ودبلوماسي واسع للحرب‎.‎
وفي المقابل، تعرض قطاع غزة لحرب مدمرة طويلة، طالت المدنيين والبنية ‏التحتية والمنازل والمدارس والمستشفيات وأماكن العبادة، وأدت إلى أعداد هائلة من ‏القتلى والجرحى والمهجرين‎.‎
وتوثق الأمم المتحدة استمرار الخسائر البشرية والدمار حتى بعد ترتيبات وقف ‏إطلاق النار التي أعلنت في أكتوبر 2025؛ ففي تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون ‏الإنسانية الصادر في سبتمبر 2026، أُبلغ عن 1,358 وفاة فلسطينية و4,541 إصابة منذ ‏إعلان وقف إطلاق النار، إضافة إلى 160 وفاة أضيفت لاحقاً بعد استكمال بيانات ‏أصحابها‎.‎
لكن المأساة الإنسانية ليست وحدها ما يجب أن نتوقف عنده‎.‎
فالحدث كشف أيضاً شيئاً أعمق‎: ‎مدى اعتماد إسرائيل على شبكة الدعم الغربية، ‏وخصوصاً الأميركي، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً‎.‎
وهنا يصبح السؤال مشروعاً‎:‎
إذا كانت إسرائيل دولة إقليمية مكتملة القوة كما تقدم نفسها، فلماذا احتاجت منذ ‏اللحظة الأولى إلى هذا الحجم من الإسناد الخارجي؟
ولماذا تحولت حماية إسرائيل إلى قضية تتقدم، في الحسابات الغربية، على كثير من ‏المبادئ التي تتحدث عنها تلك الدول نفسها حول القانون الدولي وحقوق الإنسان ‏وحماية المدنيين؟
إسرائيل: من «الحليف الاستراتيجي» إلى عبء استراتيجي؟
‏ ‏ لا يمكن فهم نشأة إسرائيل خارج تاريخ الاستعمار الأوروبي وتقسيم المنطقة ‏العربية‎.‎
فالمشرق العربي لم يدخل القرن العشرين كمنطقة متجانسة سياسياً، بل تعرض ‏لتقسيمات استعمارية أعادت رسم الحدود، وأنتجت كيانات سياسية منفصلة، وربطت ‏أجزاء واسعة من المنطقة بمراكز القرار الاستعماري الأوروبي‎.‎
وفي هذا السياق، ظهرت الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية لاحقاً داخل ‏منظومة استعمارية دولية، قبل أن تنتقل إسرائيل تدريجياً إلى موقع الحليف الاستراتيجي ‏للولايات المتحدة في الشرق الأوسط‎.‎
ومن هذه الزاوية، لم تكن إسرائيل مجرد دولة تبحث عن أمنها، وإنما أصبحت جزءاً ‏من منظومة إقليمية ودولية لحماية مصالح القوى الكبرى وإدارة الصراع في المنطقة‎.‎‏ وقد ‏كان الهدف، إبقاء المنطقة العربية مجزأة وضعيفة ومتنازعة، ومنع تشكل مركز إقليمي ‏مستقل قادر على امتلاك عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية‎.‎
لكن المشكلة التي كشفها «الطوفان» هي أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالسهولة ‏نفسها‎.‎
فبدلاً من أن يؤدي التفوق العسكري الإسرائيلي إلى إغلاق القضية الفلسطينية، ‏أعادها إلى مركز السياسة العالمية‎.‎
وبدلاً من أن يؤدي التطبيع العربي إلى تجاوز فلسطين، أعادت الحرب القضية ‏الفلسطينية إلى الشارع العربي والدولي، وأظهرت أن محاولة بناء نظام إقليمي يتجاهل ‏الحقوق الوطنية الفلسطينية تظل عرضة للانفجار‎.‎
وقد خلصت تحليلات بحثية أوروبية إلى أن حرب غزة كسرت افتراضات أساسية ‏كانت تقوم عليها مشاريع التطبيع، وخصوصاً الاعتقاد بأن التطبيع الاقتصادي والأمني ‏بين إسرائيل والدول العربية يمكن أن يحقق الاستقرار من دون حل القضية الفلسطينية‎.‎
التطبيع: إسرائيل ليست جسراً إلى واشنطن
وهنا تبرز مفارقة أخرى‎.‎
لقد قيل إن إسرائيل يمكن أن تكون جسراً بين الدول العربية والولايات المتحدة، ‏وإن التطبيع معها سيمنح الدول العربية نفوذاً أكبر في واشنطن‎.‎
لكن الدول العربية الكبرى تمتلك أصلاً علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مباشرة ‏مع الولايات المتحدة‎.‎
فما الذي تضيفه إسرائيل فعلياً إلى هذه العلاقة؟
بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً أصبح مختلفاً‎:‎
هل يؤدي تحويل إسرائيل إلى وسيط إقليمي إلى زيادة استقلال الدول العربية، أم إلى ‏زيادة ارتباطها بمنظومة أمنية وسياسية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل؟
يمكن القول إن التطبيع، حين يتحول من علاقة دبلوماسية إلى منظومة أمنية ‏واقتصادية، قد يصبح عاملاً يقيّد القرار الوطني للدول المعنية بدلاً من أن يعززه‎.‎
وهذا لا يعني أن كل دولة عربية تطبع مع إسرائيل تمتلك السياسة نفسها أو ‏الأهداف نفسها؛ فلكل دولة حساباتها ومصالحها. لكن المؤكد أن حرب غزة أظهرت ‏هشاشة الاعتقاد بأن التطبيع يستطيع تجاوز القضية الفلسطينية‎.‎
الطوفان أسقط «صورة الجيش الذي لا يُقهر»‏
ربما كانت الضربة الأكبر التي تلقاها المشروع الإسرائيلي هي ضربة الصورة‎.‎
فإسرائيل بنت جزءاً كبيراً من ردعها على فكرة أنها دولة صغيرة لكنها متفوقة ‏استخبارياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وأن حدودها محصنة، وأن جيشها قادر على منع أي ‏تهديد استراتيجي‎.‎
جاء السابع من أكتوبر ليكسر هذه الصورة‎.‎
ولم تعد المسألة متعلقة بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ فقط، بل بقدرة ‏الدولة على حماية حدودها ومجتمعها، وبمدى اعتمادها على المظلة الأميركية والغربية‎.‎
وفي المقابل، فإن الحرب اللاحقة أثبتت أيضاً أن إسرائيل لا تزال قوة عسكرية كبيرة ‏جداً وقادرة على إلحاق دمار هائل بخصومها‎.‎
لذلك فإن القراءة الجدية لا ينبغي أن تقع في وهمين متناقضين: وهم أن إسرائيل ‏انهارت، أو وهم أنها خرجت من الحرب منتصرة بلا أثمان استراتيجية‎.‎
الأصح أن نقول إن ميزان الردع تغيّر، وإن كلفة القوة الإسرائيلية ارتفعت سياسياً ‏وأمنياً ودبلوماسياً‎.‎
إيران وتركيا وإسرائيل: صراع على الشرق الأوسط الجديد
ومن نتائج السنوات الثلاث أيضاً إعادة فتح باب الصراع على سؤال‎: ‎من هي القوة ‏الإقليمية القادرة على التأثير في النظام الشرق أوسطي الجديد؟
هنا تظهر ثلاثة مراكز رئيسية: إسرائيل، إيران وتركيا، إلى جانب القوى العربية التي ‏لا يمكن تجاوز دورها‎.‎
تركيا تمتلك الاقتصاد والجيش والموقع الجغرافي، وتربطها علاقات متشابكة مع ‏أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والعالم العربي‎.‎
إيران تمتلك الجغرافيا، والقدرة الصاروخية، وشبكة علاقات إقليمية واسعة، ‏وموقعاً استراتيجياً على الخليج وبحر قزوين، وعلاقات متنامية مع الصين وروسيا‎.‎
أما إسرائيل، فتملك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واستخبارياً كبيراً، إلى جانب الدعم ‏الأميركي والغربي‎.‎
لكن السنوات الثلاث الماضية كشفت أن محاولة تحويل إسرائيل إلى القوة ‏المهيمنة الوحيدة في المنطقة تواجه حدوداً جدية‎. ‎بل إن الدراسات الأوروبية حول ‏التحولات الإقليمية بعد السابع من أكتوبر تشير إلى أن الحرب وسعت المواجهة من غزة ‏إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، وأعادت تشكيل حسابات القوى الإقليمية والخارجية‎.‎
ومن هنا يمكن النظر إلى إيران باعتبارها أحد أبرز المرشحين للاستفادة من التحول ‏في ميزان القوى الإقليمي، وليس باعتبار أن انتصارها أو هيمنتها أمراً محسوماً‎.‎
فالمنطقة لم تدخل بعد نظاماً جديداً مستقراً؛ إنها تمر بمرحلة انتقالية شديدة ‏الخطورة‎.‎
من «الشرق الأوسط الأميركي» إلى شرق أوسط متعدد اللاعبين
طوال عقود، كانت واشنطن صاحبة النفوذ الخارجي الأبرز في المنطقة‎.‎
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً‎.‎
السعودية وإيران أعادتا فتح قنوات التواصل‎.‎
الصين أصبحت لاعباً اقتصادياً ودبلوماسياً مهماً‎.‎
روسيا حافظت على حضورها رغم الضغوط‎.‎
تركيا وسعت هامش استقلال قرارها‎.‎
والدول العربية بدأت، بدرجات مختلفة، تبحث عن تنويع علاقاتها الدولية بدلاً ‏من الاعتماد على مركز واحد‎.‎
وفي سبتمبر 2026، أشارت تحليلات حديثة إلى أن دول الخليج نفسها بدأت ‏تبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة الاعتماد ‏على الضمانات الأمنية الأميركية‎.‎
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الطوفان‎»: ‎لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة ‏الشرق الأوسط بالطريقة التي كانت تفعلها قبل سنوات»‏‎.‎
لكن هذا لا يعني خروجها من المنطقة‎.‎
فالولايات المتحدة ما زالت قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية كبرى، وما زالت ‏صاحبة نفوذ واسع‎.‎
المسألة هي أن النفوذ لم يعد منفرداً‎.‎
وهذه نقطة جوهرية‎.‎
الصين وبريكس: العالم الذي يتشكل خارج واشنطن
لا يمكن فهم التحولات الحالية من دون النظر إلى الصعود الصيني واتساع إطار ‏‏«بريكس».‏
ففي السنوات الأخيرة توسعت بريكس لتضم البرازيل وروسيا والهند والصين ‏وجنوب أفريقيا، إضافة إلى مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات وإندونيسيا. كما ‏أنشأت صيغة «دول شريكة» ووسعت نطاق التعاون مع دول أخرى من الجنوب العالمي‎.‎
وهذه ليست مجرد مسألة أسماء‎.‎
إنها تعكس محاولة متنامية لإعادة توزيع القوة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، ‏والمطالبة بإصلاح مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظومة التجارة ‏العالمية‎.‎
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن اقتصادات الأسواق الناشئة ‏والاقتصادات النامية تمثل أكثر من 60% من الناتج العالمي محسوباً بتعادل القوة الشرائية ‏في تقديرات 2026‏‎.‎
أما الصين، فقد حافظ اقتصادها على نمو حقيقي بلغ 5% في 2025 وفق صندوق ‏النقد الدولي، رغم الضغوط التجارية والداخلية، مع توقع استمرار نموها في 2026 وإن ‏بوتيرة أبطأ‎.‎
وهنا يجب ألا نقع في تبسيط آخر‎.‎
الصين ليست بديلاً أيديولوجياً للولايات المتحدة، وبريكس ليست حلفاً عسكرياً ‏موحداً، ودولها تختلف في المصالح والسياسات، بل إن بينها تناقضات كبيرة‎.‎
لكن أهميتها تكمن في شيء آخر‎:‎‏ إنها تعكس انتقالاً تدريجياً من عالم تتحكم فيه ‏قوة واحدة إلى عالم تتوزع فيه مراكز القوة‎.‎
وهذا التحول، بحد ذاته، يغير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل ‏والولايات المتحدة والدول العربية وإيران وتركيا‎.‎
هل بدأ العد التنازلي للهيمنة الأميركية؟
السؤال ليس: هل انتهت أميركا؟
الجواب الواضح: لا‎.‎
السؤال الأكثر دقة هو‎:‎
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في ممارسة الهيمنة العالمية بالطريقة ‏نفسها التي مارستها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟ ‏
هنا تبدأ الإجابة المختلفة‎.‎
الحروب المتعددة، التنافس الأميركي الصيني، الحرب في أوكرانيا، صعود القوى ‏الآسيوية، توسع بريكس، أزمة الثقة بالحلفاء، وتزايد النزعة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية ‏والأمنية، كلها مؤشرات على أن النظام الدولي يتحرك باتجاه أكثر تعددية‎.‎
وقد حذر صندوق النقد الدولي في 2026 من أن الحرب والتجزئة الجيوسياسية ‏والتوترات التجارية يمكن أن تضغط على النمو العالمي والاستقرار المالي‎.‎
إذن، لسنا أمام «سقوط أميركا» غداً، وإنما أمام تآكل تدريجي لقدرتها على احتكار ‏القرار العالمي‎.‎
وهذا فرق كبير‎.‎
ومن هنا يعود السؤال الفلسطيني
إذا كان العالم يتغير، فما الذي يعنيه ذلك للقضية الفلسطينية؟
يعني أولاً أن فلسطين لم تعد القضية المنسية التي يمكن تجاوزها باتفاقات اقتصادية ‏وأمنية‎.‎
ويعني ثانياً أن الشعب الفلسطيني أثبت، مرة أخرى، أن تجاهل حقوقه لا يؤدي إلى ‏الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج الصراع‎.‎
ويعني ثالثاً أن أي مشروع عربي للتحرر والاستقلال السياسي والاقتصادي لا يمكن ‏أن يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفاً خارجياً‎.‎
فلسطين ليست مجرد قضية حدود‎.‎
إنها، في جوهرها، قضية تحرر وطني وحقوق سياسية وإنسانية وقانونية‎.‎
ومن هذا المنطلق، فإن المهمة ليست استبدال تبعية بتبعية أخرى، ولا نقل ‏المنطقة من الهيمنة الأميركية إلى هيمنة قوة دولية أخرى‎.‎
المطلوب هو بناء استقلال عربي حقيقي‎.‎
استقلال القرار‎.‎
استقلال الاقتصاد‎.‎
استقلال الطاقة والغذاء‎.‎
امتلاك التكنولوجيا‎.‎
إعادة بناء الدولة الوطنية على قاعدة المواطنة‎.‎
ووقف الحروب الداخلية‎.‎
والخروج من سياسة المحاور التي جعلت المنطقة ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى‎.‎
ثلاث سنوات غيرت السؤال
بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال الحقيقي‎:‎
ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟
بل: ماذا حدث للعالم بعد السابع من أكتوبر؟
حدث أن فلسطين عادت إلى مركز السياسة الدولية‎.‎
حدث أن صورة إسرائيل كدولة محصنة وغير قابلة للاختراق تلقت ضربة تاريخية، ‏رغم استمرار تفوقها العسكري‎.‎
حدث أن الولايات المتحدة اضطرت إلى الانخراط المباشر والمتواصل في أزمة ‏إقليمية شديدة التعقيد‎.‎
حدث أن مشاريع التطبيع واجهت اختباراً لم يكن في حساباتها‎.‎
حدث أن إيران وتركيا والدول العربية والصين وروسيا أصبحت جميعاً أطرافاً في ‏إعادة تشكيل المشهد‎.‎
وحدث أن النظام الدولي نفسه دخل مرحلة أكثر اضطراباً وتعدداً‎.‎
لكن علينا أن نكون دقيقين‎: ‎هذا لا يعني أن التاريخ حسم النتيجة بعد‎.‎
فالمستقبل لا تصنعه التمنيات‎.‎
وإسرائيل لم تنتهِ‎.‎
والولايات المتحدة لم تسقط‎.‎
وإيران لم تصبح القوة المهيمنة الوحيدة‎.‎
وبريكس لم تتحول إلى نظام عالمي بديل‎.‎
كل ذلك ما زال في طور التشكل والصراع‎.‎
لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الشرق الأوسط الذي كان قائماً قبل السابع من ‏أكتوبر لم يعد هو نفسه‎.‎
وأن النظام الدولي الذي اعتدنا عليه بعد نهاية الحرب الباردة يواجه هو الآخر ‏اختباراً تاريخياً‎.‎
الطوفان كعنوان لمرحلة انتقالية
لذلك، وبعد ثلاث سنوات، ربما يكون من الخطأ النظر إلى «الطوفان» باعتباره ‏مجرد عملية عسكرية بدأت في غزة وانتهت في يومها الأول‎.‎
إنه، في القراءة السياسية الأوسع، عنوان لمرحلة انتقالية‎.‎
مرحلة تتصارع فيها منظومتان‎:‎
منظومة تريد الحفاظ على عالم أحادي القيادة، وعلى ترتيبات الشرق الأوسط التي ‏قامت على التفوق العسكري الإسرائيلي والاعتماد على المظلة الأميركية؛ ومنظومة دولية ‏صاعدة أكثر تعدداً، تبحث فيها دول الجنوب العالمي عن مساحة أكبر من الاستقلال ‏والسيادة والتأثير‎.‎
وفي قلب هذا الصراع تقف فلسطين‎.‎
ليس لأنها سبب كل أزمات العالم، بل لأنها أصبحت واحدة من أوضح ساحات ‏اختبار النظام الدولي الجديد‎.‎
ومن هنا فإن السنوات القادمة لن تكون مجرد سنوات إعادة إعمار غزة أو إعادة ‏ترتيب إسرائيل وعلاقاتها الإقليمية‎.‎
إنها قد تكون سنوات إعادة تعريف من يحكم المنطقة، وكيف تُبنى التحالفات، ‏ومن يملك القرار، وما إذا كان العالم العربي سيبقى ساحة لصراع الآخرين أم يتحول إلى ‏طرف فاعل في صناعة التاريخ‎.‎
وهنا تقع مسؤولية القوى التقدمية العربية: ألا تكتفي بمراقبة انتقال العالم من ‏قطب إلى آخر، بل أن تطرح مشروعاً عربياً مستقلاً، ديمقراطياً، اجتماعياً، تنموياً وتحررياً، ‏يرفض التبعية لكل القوى الكبرى، ويضع فلسطين في قلب مشروع التحرر العربي‎.‎
فالتاريخ لا ينتظر المتفرجين‎.‎
وبعد ثلاث سنوات على الطوفان، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس متى ينتهي هذا ‏الطوفان، بل: أي عالم سيخرج من أمواجه؟



#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)       Nazmi_Yousef_Salsaa#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ‏وصناعة المستقبل
- نحو حركة تحرر وطني فلسطيني جديدة ومشروع وطني جامع رؤى وأفكار ...
- فلسطينيو أوروبا أمام انتخابات المجلس الوطني: ‏لمن تكون الشرع ...
- في الثمانين... وما زال في القلب طفلٌ يحلم
- سبتة ومليلية بين التاريخ والقانون والهجرة والجغرافيا السياسي ...
- سبتة وغزة... عندما ترتد أزمات الجنوب إلى أبواب أوروبا الهجرة ...
- سبته ليست أزمة حدود ... لا أزمة نظام عالمي
- عندما تصبح التجارة أداة للابتزاز السياسي: ماذا ‏تعني تهديدات ...
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- الانتخابات الفلسطينية... معركة على الشرعية ‏الوطنية لا سباق ...
- البيت العربي في مدريد... عندما يصبح الحوار ضحية ‏للاستقطاب ا ...
- أزمة حركة فتح ومأزق النظام السياسي الفلسطيني: هل يولد ‏المشر ...
- الفلسطينيون في أراضي 48: معركة البقاء الوطني في ‏زمن الإقصاء
- انتخابات الأندلس 2026: صعود اليسار يعيد التوازن ‏إلى المشهد ...
- الخليج في مرآة الحرب: هل انكشف الوهم أم حان وقت القرار؟
- إسبانيا في مواجهة التحولات الدولية: من مشروع ‏برشلونة إلى قي ...
- بعد مرور 45 عامًا… الحكومة الإسبانية ترفع السرية عن ‏وثائق ا ...
- إسبانيا: خمسة عقود على الديمقراطية ‏
- بعد وقف إطلاق النار في غزة: مسؤوليات جديدة ‏أمام الجاليات ال ...


المزيد.....




- بعد فشل تنفيذ الإعدام.. محامي كريستا بايك يطالب بتخفيف حكمها ...
- كلوديا شيفر تعتمد موضة الدانتيل الشفاف في إطلالة جريئة بباري ...
- -دفعة أخيرة يا سميت! فقط افعلها-.. طيار -فلاي دبي- يروي ما ح ...
- ماذا حدث داخل رحلة -فلاي دبي- المتجهة إلى إسرائيل؟ إليكم ما ...
- طيار فلاي دبي بأول تصريح علني يكشف ما حصل بقمرة القيادة خلال ...
- ماذا سيحدث للبشرية والعالم في 13 نوفمبر القادم؟.. تبنؤات أطل ...
- المواجهات في الشرق الأوسط.. قصف إسرائيلي في غزة ولبنان ومعار ...
- خبير قانوني يوضح أبعاد طرد إثيوبيا لدبلوماسي مصري
- حركة -الصراصير- الهندية تدعو إلى تنظيم احتجاجات جديدة في مدي ...
- -فايننشال تايمز-: زيلينسكي يقر بنقص محركات الطائرات المسيرة ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - ثلاث سنوات على الطوفان، حين اهتزّ النظام الإقليمي وبدأ ‏العالم يتغيّر: أي عالم سيخرج من أمواجه؟