|
|
مملكة السهول الذهبية الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 00:47
المحور:
الادب والفن
في قديم الزمان، في قلب غابة واسعة، قامت مملكة عظيمة تُدعى مملكة السهول الذهبية، كانت أرضها خصبة، وأنهارها جارية، وأشجارها مثقلة بالثمار، وتحت أرضها معادن ثمينة، وفوقها سماء تملؤها الطيور المهاجرة. وكان يحكمها أسد ضخم يُدعى «الملك زئير»، يجلس على عرش من خشب الأبنوس، ويحيط به حاشية من الثعالب والضباع والقرود. وكان الملك يحب أن يسمع المديح، ويستمتع بالخطب التي تتحدث عن نهضة المملكة وعظمة شعبها. فإذا جاء موسم الاحتفالات، أمر الببغاوات أن تردد فوق الأشجار: «مملكتنا مملكة العلم، وأرضنا أرض المعرفة، ومستقبلنا مستقبل مشرق!» فتصفق القرود، وتهز الطواويس ريشها، وتزغرد طيور الدوري، بينما كانت الحيوانات الفقيرة تبحث بين الأعشاب عن لقمة تسد بها جوع صغارها. وفي يوم من الأيام، وقف بومة حكيمة تُدعى «أمّ النظر» على غصن شجرة باوباب عتيقة، وتأملت أحوال المملكة، ثم قالت: — عجيب أمر هذه الغابة! يكثر فيها الكلام عن العلم، لكنني لا أرى أثر العلم في حياة سكانها. تُقام الاحتفالات للمعرفة، ثم يُترك أهل المعرفة على أبواب الحاجة! سمعها القرد الوزير «مشمش»، فاقترب منها وقال ساخرًا: — وما الذي تريدينه يا بومة؟ أتريدين أن نجعل كل صاحب شهادة وزيرًا، وكل حامل كتاب حاكمًا؟ أجابته البومة بهدوء: — لا. أريد أن يكون لكل مؤهل مكانه الذي يستحقه، وأن يُختبر الناس بالكفاءة، وأن تُفتح أبواب العمل أمام العقول القادرة على خدمة المجتمع، لا أن تتحول الشهادات إلى زينة في البيوت، ولا أن يصبح التوظيف مكافأة للمقربين. ضحك القرد، وقفز إلى غصن آخر، وهو يصيح: — كلام جميل! لكنه لا يطعم أحدًا! فقالت البومة: — بل إن إهمال العقول قد يجعل المملكة كلها عاجزة عن إطعام نفسها يومًا ما. ولم يكن أحد يعلم أن نبوءة البومة ستصبح حديث الغابة كلها. الفصل الثاني: رحلة طلبة الغابة إلى جبل المعرفة في تلك المملكة، كان هناك أبناء للغزلان والأفيال والثعالب والحمير الوحشية، يحلمون بمستقبل أفضل. وكانت أسرهم تبيع بعض المحاصيل، وتدخر من قوتها، وتتحمل المشقة حتى يتمكن أبناؤها من متابعة الدراسة. وكان من بينهم غزال يُدعى «سامي»، وابن فيل يُدعى «فريد»، ولبؤة تُدعى «ليلى»، وطائر كركي يُدعى «سراج». رحل هؤلاء إلى جبل المعرفة، حيث كانت جامعة الغابة الكبرى قائمة بين الصخور العالية وأشجار الأرز. درسوا سنوات طويلة، وسهروا الليالي، وقرأوا آلاف الصفحات، وتعلموا كيف يحللون مشكلات المجتمع، وكيف يخططون للتنمية، وكيف يطورون الزراعة، ويحسنون التعليم، ويعالجون أمراض الحيوانات، ويحافظون على مياه الأنهار. وكانت أحلامهم كبيرة.
قال سامي لزملائه ذات ليلة: — عندما أعود إلى قريتي، سأساعد المزارعين على تطوير وسائل الزراعة، حتى لا يظلوا ينتظرون المطر وحده. وقال فريد: — سأعمل على إنشاء مركز لتدريب صغار الأفيال والحيوانات على التقنيات الحديثة. وقالت السلحفاة: — سأبحث في أسباب تسرب صغار الحيوانات من المدارس، وأضع برنامجًا يساعد الفتيات على مواصلة تعليمهن. — سأكتب عن تاريخ الغابة ولغاتها وثقافاتها، حتى لا تضيع ذاكرة أجدادنا بين الأشجار. ومرت السنوات، حتى حصل الأربعة على شهادات الدكتوراه. عادوا إلى قراهم يحملون شهاداتهم، وكتبهم، وأفكارهم، ورسائلهم العلمية، معتقدين أن المملكة ستفتح لهم أبوابها، وأنها ستستفيد مما تعلموه. لكنهم لم يعرفوا أن الطريق من جبل المعرفة إلى قصر الحكم أطول من الطريق الذي قطعوه في سنوات الدراسة كلها. الفصل الثالث: الباب المغلق في صباح مشرق، ارتدى الخريجون أفضل ما لديهم من ملابس، وحملوا ملفاتهم، وتوجهوا إلى ديوان المملكة. كان الديوان قصرًا واسعًا، تتصدر مدخله لافتة ذهبية كُتب عليها: «العلم أساس النهضة، والكفاءة طريق المستقبل». دخل واحد أولًا، وقدم ملفه إلى موظف من فصيلة السلاحف يُدعى «بطيء الخطى». قلب الموظف أوراقه، ثم قال: — شهادتك ممتازة، وأبحاثك مفيدة، لكن التوظيف متوقف لعدم توافر الميزانية. سأله: — ومتى تتوافر الميزانية؟ أجاب السلحفاة: — في السنة المقبلة، إن شاء الله. ثم عاد في السنة المقبلة، فقيل له: — لم تُعتمد الخطة بعد. ثم عاد بعد عام آخر، فقيل له: — ننتظر إعادة تنظيم المؤسسات. ثم عاد بعد سنوات، فقيل له: — عليك أن تتابع الإعلانات الرسمية. انتقل فريد إلى إدارة أخرى، فسمع العبارة نفسها، لكن بصيغة مختلفة: — المملكة لا تحتاج إلى موظفين جدد في الوقت الحالي. أما الأخرى، فقيل لها: — تخصصك مهم، ولكن لا توجد مناصب شاغرة. وقالوا للآخر: — نقدر العلم والأدب، لكن لا توجد ميزانية للمشروعات الثقافية. نظر الخريجون بعضهم إلى بعض، ثم خرجوا من الديوان. وعلى درجات القصر، وجدوا مجموعة من القرود حديثة العهد بالعمل، لا تملك الخبرة التي اكتسبوها، لكنها حصلت على مناصب إدارية بفضل علاقاتها بالحاشية. ثم همس: — كيف نجد المال لبناء قصور جديدة، ولا نجده للاستفادة من العقول التي أنفقت المملكة نفسها سنوات في تعليمها؟ أجابه: — ربما ليست المشكلة في قلة المال وحدها، بل في طريقة ترتيب الأولويات. وقالت: — حين تصبح الإجراءات أطول من أعمار أصحاب الكفاءات، يتحول الانتظار نفسه إلى عقوبة. أما الآخر، فكتب في دفتره: «إن الدولة التي تدرب أبناءها ثم تتركهم خارج مؤسساتها تشبه مزارعًا يسقي البذور حتى تنبت، ثم يترك المحصول يتعفن في الحقل». الفصل الرابع: الأسرة التي باعت محصولها من أجل الشهادة في قرية أخرى، كان أبوها قد أمضى سنوات يبيع جزءًا من محصوله ليدفع نفقات دراسة ابنه. وكانت أمه تخبئ الحبوب في جرار صغيرة، وتقلل من حاجاتها، وتقول لجاراتها: — سيعود ابننا يومًا، وسينفع علمه أهل القرية. وعندما عاد الآخر، استقبلته الأسرة بالفرح، وذبحت له دجاجة كانت أمه تدخرها لمناسبة خاصة، ودعت الجيران إلى وليمة صغيرة. لكن الأسابيع تحولت إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات، ولم يحصل على وظيفة تتناسب مع تخصصه. كان يستيقظ كل صباح، يرتب ملفاته، ويبحث عن إعلان جديد، ثم يعود في المساء دون نتيجة. وذات يوم، قالت له أمه: — يا بني، لقد ظننا أن الشهادة ستفتح لك باب العمل، وأنك ستساعد أباك في شيخوخته، وستكون قدوة لصغار القرية. هل ضاع كل ذلك؟ ثم خفض رأسه وقال: — لم يضع العلم يا أمي، ولكن الطريق إلى الاستفادة منه أُغلق أمامي. تدخل أبوه، وكان غزالًا أنهكه العمل، وقال: — نحن لا نلومك على طلب العلم، بل نخشى أن تكون المملكة قد دفعتك إلى طريق طويل، ثم تركتك وحدك عند نهايته. وفي بيت آخر، كانت أم ليلى تتلقى أسئلة الجيران: — ابنتك حاصلة على الدكتوراه، فلماذا لا تعمل؟ كانت تحاول الدفاع عن ابنتها، لكن الحزن كان يتسلل إلى قلبها. أما والد فريد، فكان فيلًا مسنًا قد باع جزءًا من أرضه ليمول دراسة ابنه، ثم صار يخشى أن تكون سنوات الادخار والتعب قد انتهت إلى خيبة أمل. ومع مرور الوقت، بدأ بعض الآباء يقولون لأبنائهم الصغار: — تعلموا، ولكن لا تبنوا أحلامكم على الشهادات وحدها؛ فقد تتعبون أعوامًا ثم تجدون الأبواب مغلقة. وكانت تلك العبارة أخطر من البطالة نفسها؛ لأنها بدأت تزرع الشك في قيمة التعليم لدى الجيل الجديد. سمعت البومة الحكيمة هذه الأحاديث، فقالت: — حين يخيب أمل الأسرة في ثمرة التعليم، لا يخسر فرد واحد فقط؛ بل قد تخسر القرية ثقتها في المدرسة، ويخسر المجتمع رغبته في الاستثمار في المعرفة. ثم أضافت: — الواجب ليس أن نعد كل خريج بوظيفة مضمونة، بل أن نبني نظامًا عادلًا يربط التعليم بحاجات المجتمع، ويفتح أبواب التوظيف والتدريب والبحث والابتكار والعمل المنتج. الفصل الخامس: المكتبة الخصبة التي احترقت على أطراف العاصمة، كانت هناك مكتبة عظيمة تُسمى «مكتبة المستقبل». لم تكن مكتبة عادية؛ فقد جمعت بين رفوفها كتب الزراعة والطب والهندسة والفلسفة والتاريخ واللغات والاقتصاد، وكانت تضم أبحاثًا أعدها علماء الغابة على مدى عقود. وكانت تلك المكتبة أشبه بأرض خصبة تحتفظ ببذور آلاف الأشجار. لكن أحدًا لم يزرها إلا قليلًا. كان العلماء يرسلون نتائج أبحاثهم إلى المؤسسات، فلا يتلقون ردًا. ويقترحون مشروعات لحل مشكلات المياه، فلا يجدون من يناقشها. ويقدمون دراسات لتطوير التعليم، فتظل حبيسة الأدراج. وكانت البومة تقول: — المكتبة ليست مخزنًا للورق، بل عقل المملكة الممتد عبر الزمن. وكل كتاب لا يجد طريقه إلى الحياة يشبه بذرة بقيت في كيس حتى فقدت قدرتها على الإنبات. وفي إحدى الليالي، اندلعت شرارة في طرف المكتبة بسبب إهمال نظام الحماية والصيانة. ارتفع الدخان بين الرفوف، وبدأت النيران تلتهم الأوراق القديمة والأبحاث الجديدة. وصلت الطيور مسرعة، وجاءت الأفيال تحمل الماء بخرطومها، وأخذت الغزلان تنقل الكتب بعيدًا عن النار، بينما كانت القرود تصرخ في فوضى. لكن الحريق كان قد انتشر. وقف سراج أمام المكتبة، يراقب صفحات تتطاير في الهواء، وقال بصوت حزين: — لم تحترق الكتب وحدها؛ لقد احترقت معها سنوات من التفكير، وأسئلة لم تجد من يجيب عنها، وحلول لم تجد من يحولها إلى مشروعات. قالت البومة: — إن النار الحقيقية لم تبدأ هذه الليلة. لقد بدأت يوم قررت المملكة أن المعرفة يمكن أن تنتظر إلى الأبد، وأن العقول التي صنعتها المؤسسات التعليمية تستطيع أن تعيش بلا فرصة، وبلا مشاركة، وبلا أفق. ثم نظرت إلى القصر البعيد وأضافت: — قد تُبنى المكتبة مرة أخرى، لكن إعادة بناء الثقة بين الأسرة والتعليم، وبين الباحث والدولة، تحتاج إلى زمن أطول بكثير. ومنذ تلك الليلة، صار أهل الغابة يطلقون على المكتبة اسم «المكتبة الخصبة المحترقة»؛ لأنها كانت تحمل بذور النهضة، لكنها فقدت جزءًا من كنوزها قبل أن تستفيد منها المملكة. الفصل السادس: الثعلب الذي استفاد من جهل الغابة في قصر الحكم، كان يعيش ثعلب ماكر يُدعى «مكران»، يتولى الإشراف على شؤون الدعاية والتوجيه. وكان يعرف أن الحيوان الذي يفهم حقوقه، ويقرأ الميزانية، ويسأل عن نتائج المشروعات، ويقارن بين الوعود والإنجازات، يصعب تضليله. لذلك كان يفضل أن تبقى الحيوانات مشغولة بالخلافات الصغيرة، وأن تسمع الخطب الطويلة دون أن تتعلم كيف تناقش السياسات العامة. وكان يقول في اجتماعاته السرية: — لا نحتاج إلى إسكات الجميع. يكفي أن نجعل الأسئلة قليلة، وأن نجعل الوصول إلى المعلومات صعبًا، وأن نحول النقاش من النتائج إلى الشعارات. وفي كل موسم ، كانت الببغاوات تنتشر فوق الأشجار وتردد: «المملكة تتقدم! المملكة تتقدم!» لكن أحدًا لا يشرح كيف تقدمت، ولا من استفاد من تقدمها، ولا لماذا بقيت بعض القرى بلا مدارس جيدة، وبعض الحقول بلا مياه، وبعض المستشفيات بلا أطباء. وكان الثعلب يوزع الوعود كما توزع الأشجار أوراقها في موسم الخريف. أما أصحاب الدكتوراه الذين كانوا قادرين على تحليل المشكلات واقتراح الحلول، فبقي كثير منهم بعيدين عن مواقع صنع القرار، أو لم يجدوا قنوات مؤسسية تسمح لهم بالمشاركة. ذات يوم، وقف سراج في ساحة السوق وقال للحيوانات: — لسنا نطالب بأن يحكم العلماء وحدهم، ولا بأن تكون الشهادة دليلًا كافيًا على صحة كل رأي. نحن نطالب بأن يكون للعلم مكان في القرار، وأن تُناقش بالحجج والبيانات، وأن يستطيع المواطن أن يسأل دون خوف، وأن تكون للمؤسسات ذاكرة تتعلم من أخطائها. قاطعه الثعلب مكران: — أتريدون تحويل الغابة إلى جامعة لا تنتهي فيها المناقشات؟ أجابه سراج: — بل نريد ألا تتحول المملكة إلى غابة تنتهي فيها الأسئلة وتبدأ فيها الأزمات. ضحكت بعض القرود، لكن الفيل الحكيم «وقّار» تقدم وقال: — لقد عشت طويلًا، ورأيت ممالك كثيرة. إن غياب الرأي العلمي المستقل لا يجعل الحاكم أكثر حكمة، بل يجعله أكثر اعتمادًا على من يقولون له ما يحب سماعه. وأضافت البومة: — وحين يخاف المسؤول من السؤال، ويخشى المجتمع من التفكير، يصبح القرار أسير المعلومات الناقصة، وتصبح الأخطاء قابلة للتكرار، مهما كثرت الخطب عن النهضة. الفصل السابع: يوم احتاجت المملكة إلى علمائها مرّت سنوات، حتى أصابت الغابة أزمة قاسية. تراجع المطر، وانتشرت أمراض بين المحاصيل، وجف بعض الآبار، وبدأت الحيوانات تتنازع على الماء والمراعي. اجتمع الملك زئير بمستشاريه في قاعة العرش. قال الأسد: — أريد حلًا سريعًا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه. اقترح القرد مشمش إقامة مهرجان كبير للدعاء بالمطر. واقترح الثعلب مكران إصدار إعلان يؤكد أن المملكة قوية ولا تواجه مشكلة حقيقية. أما الضبع «نهّاش»، فقال: — لننقل الحيوانات من منطقة إلى أخرى، دون أن نضيع وقتنا في الدراسات. لكن الفيل وقّار قال: — يا مولاي، هذه الأزمة تحتاج إلى معرفة دقيقة بالمياه والتربة والمناخ والزراعة. نحتاج إلى خبراء يدرسون الأسباب، ويقترحون حلولًا قابلة للتنفيذ، ويقيّمون نتائجها. سأل الملك: — وأين خبراؤنا؟ ساد الصمت. ثم تقدمت البومة وقالت: — بعضهم غادر المملكة، وبعضهم يعمل بعيدًا عن تخصصه، وبعضهم فقد الأمل بعد سنوات من الانتظار، وبعضهم لم يجد فرصة ليعرض أبحاثه. لقد احتفظنا بالشهادات في الملفات، لكننا لم نحافظ على الصلة بين العلم والعمل. أمر الملك بإحضار سامي وفريد وليلى وسراج. جاؤوا إلى القصر، وقد تغيرت ملامحهم بفعل السنوات، لكن عقولهم لم تتوقف عن التعلم. عرض سامي خطة لإدارة المياه وتحسين وسائل الري. وشرح فريد كيف يمكن استخدام أدوات رقمية بسيطة لمتابعة الموارد وتحديد الأولويات. وقدمت ليلى برنامجًا لتدريب المعلمين، وحماية تعليم الأطفال في القرى المتضررة. أما سراج، فاقترح إنشاء مركز بحثي يجمع بيانات المملكة، ويوثق لغاتها وثقافاتها، وينشر المعلومات التي يحتاج إليها المواطنون وصناع القرار. استمع الملك إليهم طويلًا، ثم قال: — لماذا لم نعرف هذه الحلول من قبل؟ أجاب سامي: — لأنها كانت في الأبحاث والرسائل العلمية، ولم تكن هناك آلية منتظمة تنقلها إلى المؤسسات. وقال فريد: — ولأننا اعتدنا أن نربط قيمة العلم بالشهادة وحدها، بدل أن نقيس أثره في حياة الناس. وأضافت ليلى: — ولأن التوظيف والتدريب والبحث لم تكن دائمًا أجزاء متكاملة من خطة واحدة. أما سراج فقال: — ولأن المملكة لم تمنح الرأي العلمي المستقل المكانة التي يستحقها في صناعة القرار. طأطأ الملك رأسه، ثم قال: — لقد ظننت أن تأجيل التوظيف مشكلة تخص الخريجين وأسرهم، ولم أفهم أنه قد يتحول إلى خسارة تمس المملكة كلها. الفصل الثامن: إصلاح المملكة قبل فوات الأوان في اليوم التالي، دعا الملك إلى مجلس عام حضرته الطيور والحيوانات من جميع أرجاء الغابة. لم يعلن الملك توظيف كل حامل شهادة، ولم يجعل الدكتوراه وحدها مفتاحًا للمناصب، بل أعلن برنامجًا جديدًا يقوم على مجموعة من المبادئ: أولًا: أن تُعلن الوظائف بشفافية، وتُحدد شروطها، ويُختار المتقدمون وفق الكفاءة والخبرة والحاجة الفعلية. ثانيًا: أن تُربط برامج الجامعات والمعاهد بحاجات المجتمع، دون التضحية بالعلوم الأساسية والبحث الحر والآداب والفنون التي تحفظ ذاكرة الأمة وتوسع أفقها. ثالثًا: أن تُفتح أمام أصحاب الكفاءات مسارات متعددة، تشمل التدريس والبحث والاستشارات والتدريب والمشروعات التنموية وريادة الأعمال، مع توفير فرص عادلة لمن يستحقها. رابعًا: أن تُنشأ قاعدة بيانات للخبرات والأبحاث، حتى لا تبقى الرسائل العلمية حبيسة الرفوف، وأن تُتاح للمؤسسات والمجتمعات الاستفادة منها. خامسًا: أن تُنشر تقارير دورية عن التوظيف والإنفاق والإنجازات، وأن يكون للمواطنين والباحثين حق مناقشة السياسات العامة بالاستناد إلى المعلومات والحجج. سادسًا: أن تُحمى حرية البحث والنقد المسؤول، وألا يُقصى صاحب الرأي المختلف لمجرد أنه يسأل عن النتائج أو يكشف مواطن الخلل. سابعًا: أن يُدعم التعليم المهني والتقني، فلا يُختزل النجاح في الحصول على الدكتوراه، ولا يُعامل أصحاب المهن والمهارات العملية كأنهم أقل قيمة من غيرهم. ثم وقف الملك أمام الحيوانات وقال: — لا أعدكم بأن لكل خريج وظيفة حكومية، فهذا وعد لا تستطيع أي مملكة أن تضمنه للجميع، لكنني أعدكم بأن تكون هناك سياسات أوضح، ومنافسة أكثر عدلًا، وفرص أوسع للاستفادة من العلم، ومحاسبة على القرارات التي تبدد المال والوقت والطاقات. صفقت الحيوانات، لكن البومة لم تصفق مباشرة. اقترب منها الملك وسألها: — أما زلت ترين نقصًا في خطتنا؟ أجابته: — الخطة بداية، يا مولاي، وليست نهاية الطريق، قيمة الإصلاح ليست في جمال الإعلان، بل في تنفيذه، واستمرار تمويله، وقياس نتائجه، وتصحيح أخطائه عندما تكشفها التجربة. ابتسم الفيل وقّار وقال: — هذه أول علامة على أن المملكة بدأت تتعلم؛ فقد صار السؤال جزءًا من الإصلاح، لا عدوًا له. الفصل التاسع: عودة الأمل إلى جبل المعرفة بعد مرور عدة أعوام، بدأت بعض ملامح التغيير تظهر. حصل باحثون على فرص لتطوير مشروعات زراعية، وعمل معلمون متخصصون على تحسين التعليم، وأصبحت بعض الدراسات الجامعية أساسًا لمشروعات محلية. واستطاع عدد من الخريجين إنشاء مؤسسات صغيرة للتدريب والاستشارات، بينما عاد آخرون إلى الجامعات، وأكمل بعضهم بحوثهم في مجالات لم تكن تحظى بالاهتمام من قبل. لم تختف البطالة تمامًا، ولم تتحول المملكة إلى أرض مثالية، لكن شيئًا مهمًا تغير: صار المسؤولون مطالبين بتفسير قراراتهم، وصار المواطنون أكثر قدرة على السؤال، وأصبحت الأبحاث تُناقش قبل أن تُنسى. وعادت أسرة سامي تتحدث عن التعليم بأمل، لا بوصفه ضمانًا آليًا للوظيفة، بل بوصفه استثمارًا يحتاج إلى مؤسسات عادلة وسوق عمل قادر على الاستفادة من المهارات. أما المكتبة المحترقة، فقد أعيد بناؤها، ووُضعت فيها نسخ رقمية من الأبحاث التي أمكن استعادتها، وأُنشئ مركز يربط الباحثين بالمؤسسات والمجتمعات المحلية. وعند افتتاح المكتبة الجديدة، وقف سراج أمام الحاضرين وقال: — ليست النهضة أن نملأ الرفوف بالشهادات، ولا أن نملأ الساحات بالخطب، النهضة أن تتحول المعرفة إلى قدرة على حل المشكلات، وأن يتحول النقد إلى وسيلة للإصلاح، وأن يتحول التعليم إلى فرصة حقيقية للمشاركة في بناء الوطن. ثم أشار إلى باب المكتبة، حيث كُتبت عبارة جديدة: «لا تُقاس ثروة الأمم بعدد الشهادات التي تمنحها فحسب، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى عمل، والاختلاف إلى حوار، والرأي إلى مسؤولية». وفي آخر القاعة، كانت البومة أمّ النظر تراقب المشهد. قالت لصغيرها: — تذكر يا بني، إن الغابة لا تفقد مستقبلها حين يقل فيها العلماء فقط، بل حين تملك العلماء ولا تسمعهم، وتملك المعرفة ولا تستخدمها، وتملك الأسئلة ثم تخاف من الإجابة عنها. سألها صغير البوم: — وهل يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى؟ أجابت: — نعم، إذا ظنت المملكة أن الإصلاح حفل افتتاح، لا عمل يومي، وأن العلماء زينة للمناسبات، لا شركاء في بناء المستقبل. ثم رفرفت بجناحيها، وانطلقت نحو الغابة، بينما كانت الشمس تشرق على المكتبة الجديدة.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حكايةُ الأشجار الملتوية د.إبراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
حكاية واتميكيلي وعدوّه
-
حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكامير
...
-
حكايات الغابة الإفريقية: العرش والثروة وبذور الحرية الدكتور
...
-
حكاية الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
-
ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جب
...
-
العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور
...
-
القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو
...
-
حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور
...
-
حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه
...
-
حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام
...
-
حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر
...
-
تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م
...
-
مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية
...
-
صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د
...
-
تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في
...
المزيد.....
-
-حدوتة- أحمد حلمي تصل إلى صالات السينما في نوفمبر
-
مهند دياب يكتب: الفيلم الهندى أحلام صغيرة كبيرة حين تتجاوز ا
...
-
سجال إعلامي بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول إطلالات الفنانات
...
-
مشادة على الهواء بين نجوى إبراهيم وأشرف زكي حول ملابس الفنان
...
-
مازن الغرباوى عضوا بلجنة تحكيم الدورة 9 لمهرجان نقابة المهن
...
-
مهرجان VS-FILM يناقش تحديات ومستقبل السينما المصرية
-
-أثر الرواية- لهيثم حسين.. أسرار الصنعة السردية وفلسفة الذاك
...
-
حملة مقاطعة فيلم -علي جي- تعلن وقف عرضه بسبب ترويجه للعنصرية
...
-
فيلم وثائقي عن إليزابيث هولمز يتحول إلى ظاهرة ثقافية في الول
...
-
أدهم النابلسي يعلق على أنباء عودته إلى الساحة الفنية
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|