ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 16:38
المحور:
الادب والفن
الفصل الأول: الوادي الذي ينتظر
1 .عودةُ الهُدهد
عدتُ بعد سبعِ سنين إلى وادي الأَثْل، فوجدتُ الوادي كما تركته… تمامًا ،
الطينُ هو الطين، والجسرُ المكسورُ لم يُرمَّم، والبئرُ التي وعدوا بحفرها ما زالت حفرةً في التراب يُغطّيها القصب، غيرَ أن شيئًا واحدًا تغيّر: العصافيرُ التي كانت تملأ الغابةَ ضحكًا، صارت تجلس في الصفوف على أسلاك الكهرباء، صامتةً، مبيضّةَ الرؤوس ،
قلتُ للعصفور الأكبر: «عمِّي، لقد شبتَ!»
قال: «لم أشِبْ من العمر يا هُدهد ، أنا في الرابعة عشرة فقط ، لكنّي شبِتُ من الانتظار ،»
فسألتُه: «تنتظرون ماذا؟»
فرفع جناحه إلى قصر الغراب على الصخرة السوداء، وقال بصوتٍ : «ننتظرُ قمحَ الحريات ،»
2 . مجلسُ الوحوش
في المساء اجتمع الوادي كلُّه عند حوْض الماء: الحمارُ صبّار، والنعجةُ أمُّ صبر، والفرسُ حرّة، والجملُ مُهاجر، والوعلُ الجبليّ، والكلبُ الحارس، والسلحفاة — وهي أقدمُ ساكنٍ في الوادي، وأبطأُ واحدٍ فيه، ولهذا اختاروها لتحسب الزمن لأنها لا تُخطئ في العدّ ،
قالت السلحفاة: «منذ ثلاثين سنة وأنا أعدُّ لكم الفجر، ولم يأتِ فجرٌ واحدٌ بالقمح ،»
فقال الحمار صبّار، وهو يحمل على ظهره سبعَ سلالٍ ولا يدري لمن: «لا تقلقي ، الغرابُ قال إنّ المخزن سيُفتح يوم الخميس ،»
سألته السلحفاة: «أيُّ خميس، يا صبّار؟»
فسكت ، لأنّ الخميسَ الأخير كان قد مرّ منهم أربعَ مئةٍ وستّين مرّة، وفي كلِّ مرّة يُقال: «الخميسُ القادم» ،
ثم قام الثعلبُ — وكان كاتبَ الغرابِ والمتحدّثَ باسمه — فوقف على الحجر وقال بلهجةٍ حزينةٍ صادقةٍ كلَّ الصدق:
«يا أهلَ الوادي، نحن نُحبّكم ، لكنّ هذا ليس وقتَ الكلام ، العدوُّ على الحدود، والوادي في خطر، ومن يُطالبُ بالقمحِ الآن إنّما يخدمُ أعداءَ الوادي ،»
فسأل الوعلُ الجبليّ: «ومن هو العدوُّ يا ثعلب؟»
قال الثعلب: «العدوُّ… العدوُّ هو من يسأل هذا السؤال »
فسكت الوادي ، لأنّ السكوتَ كان قد صار عادةً، والعادةُ صارت قانونًا، والقانونُ صار حكمةً يتوارثها الصغار عن الكبار ،
3 . قانونُ الغراب
اجتمع الوادي على قانونٍ واحدٍ، لم يُكتب على ورقٍ بل على الرؤوس:
أوّلًا: الغرابُ لا يُنتخَب، بل «يُجدَّد له العهد» ، والعهدُ يُجدَّد كلَّ عام، لأنّ عامًا واحدًا لا يكفي لإتمام المشروع ،
ثانيًا: من ينطق بكلمة «مخزن» يُسأل: «مَن وراءك؟»
ثالثًا: كلُّ صباحٍ يُعلَن موعدٌ جديد ، وكلُّ مساءٍ يُعلَن سببٌ جديد لتأجيله ، وفي هذا يجد الواديُّ سلواه: أنّه ينتظر، والانتظارُ أرحمُ من اليأس ،
رابعًا: من هاجر خائن ، ومن بقي صابر ، ومن صرخ مأجور ، ومن مات… «شهيدٌ في سبيل الأمن»
قالت البومة، وهي تُقلّب دفترَها العتيق: «الغرابُ لا يخافُ من ثورتكم ، يخافُ من دفتركم ، لأنّ الثورةَ تُنسى، والعددُ لا يُنسى ،»
الفصل الثاني: الحريات
1 ، الموعدُ الأول
كان أوّلُ موعدٍ في زمنِ أبي الغراب ، قيل يومها: «اصبروا سنتين، وبعدها قمحٌ لكلِّ بيت، وحريةٌ لكلِّ جناح ،»
فصبر الوادي سنتين ، فلمّا انقضت السنتان، قالوا: «كانت سنتين تجريبيّتين ،»
فصبر سنتين أخريين ، فقيل: «المرحلةُ الانتقالية» ،
ثم قيل: «المرحلةُ الانتقاليةُ الثانية» ،
ثم قيل: «المرحلةُ الانتقاليةُ الانتقالية» ،
حتى صار للوادي مراحلُ انتقالية أكثر من عدد سكّانه ،
وفي كلِّ مرحلة، يخرجُ صبّار الحمارُ إلى الطريق، فيجدُ الخطباءَ يقولون: «القمحُ في الغد ،»
فيقول لنفسه: «إذًا لن يتأخّر الأمرُ أكثر من ليلةٍ واحدة »
ثم ينام ، وفي الصباح يجدُ العبارةَ نفسها بخطٍّ جديد ،
2 . صندوقٌ من قَرْع
مرّةً في كلِّ عشر سنين، يُخرج الغرابُ صندوقًا من قَرْعٍ مُجوَّف، ويقول: «هذا صندوقُكم ، اختاروا به من شئتم ،»
فيصطفّ الوادي طابورًا طويلًا ، يضعُ كلُّ واحدٍ حبّةَ قمحٍ في الصندوق، ويقول: «اخترتُ ،»
ثم يأخذُ الثعلبُ الصندوقَ إلى الشجرة العالية، ويُنزله بعد ثلاث ليالٍ، ويقول: «أحصينا ، فاز من فاز ،»
فسألتُه مرّة: «وكم كانت الحبّات؟»
فقال: «الحبُّ لا يُعدّ يا هُدهد ، الحبُّ يُشعَر به ،»
ومنذ ذلك اليوم، صار في الوادي مَثَلٌ يقول: «صندوقُنا من قَرْع، وظفرُنا من قَرْع، وحتّى القمحُ الذي وُعدنا به… من قَرْع ،»
3 . الميزانُ ذو الحجر
كان للوادي ميزانٌ كبيرٌ في الساحة، اسمُه «العدالة» ، وكان القاضي أرنبًا مهذّبًا، لا يرفعُ صوتَه أبدًا، ولا يرفعُ رأسَه أبدًا ،
جاءت النعجةُ أمُّ صبر تشكو: «أخذوا مرعاي ،»
فوُزِنَ كلامُها، فإذا هو خفيف ، لأنّهم وضعوا في الكفّة الأخرى حجرًا لا يراه أحد ،
جاء الغرابُ يشكو: «النعجةُ تُشيع الفتنة ،»
فوُزِنَ كلامُه، فإذا هو ثقيل ، لأنّ الحجرَ كان في كفّته هو ،
فقالت النعجة: «يا قاضيَ الوادي، ما هذا الميزان؟»
فقال الأرنبُ بصوتٍ ناعمٍ: «هذا ميزانٌ عادلٌ جدًّا ، لكنّكِ لم تَتَعَلَّمي بعدُ آدابَ الوزن ،»
فقالت البومةُ من فوق الشجرة: «العدلُ الذي فيه حجرٌ مخفيٌّ ليس عدلًا، بل حرفة ، والشفافيةُ التي لا تُرى ليست شفافية، بل زُجاجٌ ملوّن ،»
وضحكت ، ولأنّها ضحكت، سجّلوا اسمها في الدفتر الأسود ،
الفصل الثالث: الهرم
1. الهرمُ الذي يمشي على أرجل الناس
كان للوادي هرمٌ حجريّ، تمرّ عليه كلَّ يومٍ في طريقك إلى البئر ، يجلسُ في قمّته الأسدُ، ملكُ الملوك، ولا يفعل شيئًا سوى أنّه يجلس — وهذا في الوادي عملٌ شريفٌ جدًّا وذا راتب ،وتحت الأسد طبقةُ الثعالب، وهم يكتبون البيانات
وتحت الثعالب طبقةُ الذئاب، وهم يُنفّذون البيانات
وتحت الذئاب طبقةُ الكلابِ الحارسة، وقد نُقِلت مهامُّها: كانت تحرسُ الوادي من اللصوص، فصارت تحرسُ اللصوصَ من الوادي ،
وفي القاعدة، الوادي كلُّه: الحميرُ والنعاجُ والوعولُ والجمال، يحملون الحجرَ على أكتافهم، ويسألون: «متى ينتهي البناء؟»
فيُقال لهم: «البناءُ لكم!»
فيقولون: «لكنّنا لا ندخلُه »
فيُقال: «أنتم تبْنونه لغيركم، وهذا هو الإخلاص »
قال الجملُ مُهاجر، وكان قد جاء من حدٍّ بعيد: «أنا رأيتُ أهرامًا كثيرة ، وكلُّ هرمٍ يُبنى بحجرٍ من أسفلُه، وكلُّ حجرٍ يُظنُّ أنّه سيسكن القمّة ، وفي النهاية، القمّةُ لا تتّسعُ إلا لواحد، والقاعدةُ لا تخرجُ منها أبدًا ،»
قال صبّار الحمار: «وماذا في القمّة؟»
قال الجمل: «الراحة ، وأنا رأيتُ الراحةَ مرّةً، في عينَي الأسد: كان نائمًا، والحجرُ يصعد إليه وحده ،»
2.القبائلُ على الحافّة
في الوادي قبائلُ قديمة: قبيلةُ الوعول في الجبل، وقبيلةُ الجمال في الرمل، وقبيلةُ النعاج في السهل، وقبيلةُ الحمير في الطين ، وكانت لكلِّ قبيلةٍ بئرُها وطريقُها ومَوسمُها ،
فلمّا اشتدّ ساعدُ الغراب، قال: «البئرُ واحدٌ، والطريقُ واحد، والمَوسمُ واحد ، ومن خالف، فليس من الوادي ،»
فسدّوا آبارَ الجبل، وقالوا: «الجبلُ منطقةُ أمنٍ عسكريّ» ، وقطَعوا طريقَ الرمل، وقالوا: «الطريقُ غيرُ آمن» ، وأخذوا مَوسمَ السهل، وقالوا: «المَوسمُ ملكُ الوادي كلِّه» — والوادي كلُّه، في لغتهم، هو الغرابُ وحده ،
فصارت القبائلُ تسكنُ الحافّة: على حدِّ الوادي، حيثُ لا ماءَ ولا ظلَّ ولا اسم ، وحين يشتكي الوعلُ، يُقال له: «أنت من الجبل، والجبلُ ليس من الوادي ،»
فقال الوعلُ كلمةً صارت نشيدًا: «أنا من هنا، والاسمُ سُرق منّي، والترابُ لم يُسرَق ،»
3 ، النسورُ القادمون من الضفّة الأخرى
كانت النسورُ تأتي كلَّ ربيعٍ من وراء الجبال، فتنزلُ على قصر الغراب، ويُغلقُ الباب، ويبقى الوادي في الخارج ينتظرُ البيان ،
فلمّا خرجوا، قال الثعلب: «بشِّروا! الأصدقاءُ سيدعموننا بالقمح، وسيحرسون الحدود، وسيساعدوننا على الإصلاح!»
فسألتُ: «وبماذا يدفعُ الوادي؟»
قال الثعلب: «بالحُبّ »
لكنّي رأيتُ في الليل سفنًا تُحمَّل: حبوبَ الوادي، وماءَ الوادي، وحجارةَ الجبل، وشبابَ الوادي في صناديقَ خشبيّةٍ تُسمّى «فرصَ عمل» ، ورأيتُ النسورَ تكتب في دفاترها: «استقرارٌ مقابلَ امتيازات» ، ورأيتُ في هامش دفترها جملةً صغيرةً لم يقرأها أحد: «إن سقط هذا الغراب، نُبدّلُه بغرابٍ آخر ، المهمُّ أن يبقى القفصُ لنا ،»
فقلتُ للبومة: «إذًا النسورُ ليست مع الغراب ولا مع الوادي ،»
قالت: «نعم ، النسورُ مع النسور ، والغرابُ ليس سيّدًا، بل مستأجرًا ، والوادي ليس شعبًا، بل حقلًا ، وأنت تظنُّ الحربَ بين الحقِّ والباطل، وهي في الحقيقة حربٌ بين مالكِ الحقلِ ومستأجرِه، والحقلُ هو نحن ،»
الفصل الرابع: الجُراد
1. الفتنةُ التي تُزرَع
كان الغرابُ يعرفُ شيئًا واحدًا بدقّةٍ عجيبة: أنّ الوادي إذا اتّحد، صار أعتى من كلِّ النسور ، فكان لا بدَّ من الجراد ، والجرادُ لا يُصنَع، بل يُستدعى ، يُفتحُ له بابٌ صغيرٌ في الحائط، ويُقال: «ادخل من هنا، وكلْ من هناك، ولا تأكل من هنا ،»
فدخل الجرادُ مرّتين:
مرّةً باسم «الأصلاح»، فقضم مزارعَ السهل
ومرّةً باسم «الحماية»، فقضم مزارعَ الجبل
وفي المرّتين، كان الغرابُ يخرج بعد الجراد ليقول للوادي: «أرأيتم؟ لولا وجودي لكان الجرادُ أكلَكم جميعًا ، فقولوا: شكرًا ،»
فقالت السلحفاة، وهي تعدّ بأصابعها البطيئة: «الجرادُ يأكلُ الزرعَ في ثلاثة أيام ، والغرابُ يأكلُ الأرضَ في ثلاثين سنة ، وأنا لا أعرفُ أيّهما أظلم، لكنّي أعرفُ من يفتحُ الباب ،»
2 ، الطريقُ إلى الحدود
ثم جاء الجرادُ الثالث، ولم يكن جرادًا، بل كان حربًا ، فقام في الوادي شبابٌ كثيرون، من كلِّ قبيلة: وعولٌ وحميرٌ ونعاجٌ وعصافيرُ صغيرةٌ لم تَبُضَّ بعد ،
قالوا: «سنُصلح ، سنُغيّر ، سنُخرج الفساد ،»
فقال لهم الثعلب: «تفضّلوا ، البابُ مفتوح ، لكنّ الطريقَ طويل، وفي الطريق عدوٌّ ، فإن أردتم الإصلاح، فابدؤوا بالعدوّ ،»
فذهب الشبابُ إلى العدوّ ، وفي الطريق مات نصفُهم ، وعاد النصفُ الآخرُ ليجدَ الغرابَ قد بنى فوق الصخرة طابقًا جديدًا، وسمّاه «نُصْبَ الشهداء»، ووضع على بابه لافتةً: «هنا يرقد من مات لأجلنا… ونحن هنا لأجلهم ،»
فقال العصفورُ الصغيرُ، وقد عاد بجناحٍ مكسور: «وأينَ القمح؟»
فقيل له: «القمحُ في الغد ، وأنت اليومَ بطل ، والأبطالُ لا يسألون عن القمح ،»
3 ، الثورةُ التي أُعيدَ ترتيبُها
ثم جاءت ثورةٌ حقيقيّة، من غير إذن ، انفجرت من الطين، من قبيلة الحمير، من صبّار الذي حمل سبعَ سلالٍ ثلاثين سنة ولم يسأل لمن ،
خرج الوادي كلُّه ، خرجت النعاجُ، والوعولُ، والجمال، وحتى الكلابُ الحارسة أدارت رأسها إلى الجهة الأخرى — وهذا في تاريخ الوادي أعظمُ من كلِّ خطاب ،
فخاف الغرابُ ، فماذا فعل؟
لم يفعل شيئًا… بل نظّم الثورة ،
أرسل الثعلبَ ليقف في وسط الساحة ويقول: «نحن معكم! أنا كنتُ أوّلَ الثائرين!» ثم أنشأ «لجنةً للثورة»، و«مجلسًا للثوّار»، و«ميثاقًا للحرية»، و«صندوقًا لدعم أسر الشهداء» — وكان الصندوقُ من قَرْعٍ أيضًا ،
ثم أخرجَ من الساحة ثلاثةَ رجالٍ: كبيرَ الحمير، وكبيرَ الوعول، وكبيرَ الجمال ، وقال: «هؤلاء هم من أفسد الثورة ،»
فسقطت الثورةُ في يومها الرابع، لأنّها لم تُقتَل، بل تُيِّمَت — أي ضاع اسمُها في اسمِ لجنةٍ، وصار صوتُها بيانًا، وصار غضبُها موعدًا في الخميس القادم ،
قالت البومة، وهي تُقفل دفترَها: «أخطرُ ما يفعله الغرابُ ليس أنّه يقمع الثورة ، أخطرُ ما يفعله أنّه يجعلها تنتظر ، لأنّ من ينتظر لا يثور، ومن يثور ثمّ ينتظر… يعود من حيث بدأ، لكنّه يعود أكبر سنًّا وأصغرَ أملًا ،»
الفصل الخامس: العقدة والحل
1 ، العقدة
جاء الهُدهد في السنة السابعة، وقال للوادي: «سأحكي لكم ما رأيتُ، فإنّي أرى ما لا ترون، لأنّي أطير
فوقف على الحجر وقال:
يا أهلَ وادي الأَثْل، إنّ العقدةَ ليست في الغراب ، الغرابُ جزءٌ من العقدة، لكنّه ليس العقدة
العقدةُ في الوقت
انظروا: في هذا الوادي يُولَدُ الطفلُ، فيُقال له: انتظر ، يُدخلُ المدرسةَ، فيُقال له: انتظر، الشهادةُ بعد سنوات ، يتخرّجُ، فيُقال له: انتظر، الوظيفةُ بعد سنوات ، يتزوّجُ، فيُقال له: انتظر، البيتُ بعد سنوات ، يُنجبُ، فيُقال له: انتظر، حالُ البلد لا يسمح ، يشيخُ، فيُقال له: انتظر، الإصلاحُ قادم ، يموتُ، فيُقال له: انتظر — الحسابُ في الآخرة، والسؤالُ عن القمح مؤجَّل
من المهد إلى اللحد، والوعدُ يتقدّم معك كظلّك، ولا يصل أبدًا
والسلطةُ تعرفُ هذا ، تعرفُ أنّ الوقتَ هو المادةُ الأولى التي تُصنَعُ منها السطوة ، فمن يملكُ وقتَك يملكُك، ولا يحتاجُ أن يسلبَك شيئًا آخر ، يُعطيك فقرًا وتُسمّيه صبرًا، ويُعطيك خوفًا وتُسمّيه حكمة، ويُعطيك انتظارًا وتُسمّيه أملًا، ثمّ يقول لك: أنت شعبٌ عظيمُ الصبر ،
ثم انظروا إلى الهرم: القمّةُ في رفاهٍ ورغد، لأنّها لا تحملُ حجرًا ، والقاعدةُ في التعب، لأنّها تحملُ الحجرَ والقمّةَ معًا ، والمسافةُ بينهما ليست مسافةَ حجر، بل مسافةُ قانون: ميزانٌ فيه حجرٌ مخفيّ ،
ثم انظروا إلى القبائل: سُدَّت آبارُها، وقُطِع طرقُها، ثمّ قيل لها: «أنتم سببُ التخلّف ،» فهذا ليس تهميشًا فقط، بل جريمةٌ مُهندَسة: أن تُفقرَ إنسانًا، ثمّ تُعيّره بفقرِه ،
ثمّ انظروا إلى النسور: تُساندُ الغرابَ لأنّ استقرارَه يضمنُ مصالحَها، وتُساندُ الثوّارَ إذا سقط لأنّ مصالحَها لا تسقط ، تبيعُ السلاحَ للسلطة، وتبيعُ الأملَ للثوّار، وتشتري من الاثنين: الأرضَ والماءَ والشباب ،
ثمّ انظروا إلى الجراد: كلّما كبُر الوادي، فُتح له بابٌ صغير ، حربٌ هنا، فتنةٌ هناك، ثورةٌ تُشعَلُ لتُطفَأ، وثورةٌ تُطفَأُ لتُشعَل ، والنتيجةُ واحدة: الشبابُ يمضي، والوقتُ يمضي، والغرابُ يبقى — أو يُبدَّل بغرابٍ آخر، والقفصُ هو القفص ،
فتلك هي العقدة: شعبٌ ينتظر فجرًا، وسلطةٌ تُصدِرُ فجرًا كلَّ صباح، ونسورٌ تُقرضُ الفجرَ بفائدة، وجرادٌ يبيعُ الوقتَ للجميع ، والعقدةُ ليست في الحبل… العقدةُ في الأيدي التي لا تحلّ ،
2 ، دفترُ الوادي
لكنّ في الحكاية شيئًا لم يذكره أحد بعد
في السنة الثلاثين، بدأت السلحفاة تكتب
كانت بطيئة، فلم يستطع أحدٌ أن يمنعها — لأنّ من يمنعُ سلحفاةً يحتاجُ وقتًا، والوقتُ صار عملةً نادرة عند الغراب
كتبت في الدفتر ثلاثة أعمدة فقط:
أ . الوعد — ما قيل لنا، ومتى
ب . الواقع — ما حصل فعلًا، ومتى .
ج . الفرق — بين الوعد والواقع، بالأرقام .
ثمّ كتبت تحت الدفتر سطرًا واحدًا: «لا شيءَ أشدُّ خطرًا على السلطة من ورقةٍ فيها رقم »
وبعد أسبوع، جاءت النعجةُ تقرأ ، وبعد شهر، جاء الوعل ، وبعد سنة، صار الدفترُ يُنسَخُ في كلِّ قبيلةٍ باسمٍ آخر — عند الحمير «سجلّ السلال»، وعند الجمال «دفتر الماء»، وعند الوعول «حسابُ المرعى» ولم يحدث شيء ، لا انفجار، ولا سقوط، ولا معجزة ،
حدث شيءٌ أصغرُ وأكبر: صار للوادي ذاكرةٌ موثّقة، والذاكرةُ الموثّقةُ لا تُشتَّت
3 . الحل
في السنة الحادية والثلاثين، وقف الهُدهد على الحجر للمرّة الأخيرة، وقال:
«لن أُعطيكم منقذًا ، المنقذُ وحده هو أسطورةٌ اخترعها الغرابُ ليبقى هو المنقذَ الوحيد ، سأُعطيكم سبعًا، لا واحدة:
أوّلًا: اقطعوا انتظارَ الفجر ، لا تُصدِّقوا موعدًا بلا تاريخٍ مكتوبٍ، وبلا اسمٍ مسؤولٍ عنه، وبلا عقوبةٍ على من أخلفه ، الموعدُ الذي لا يُكتَب هو وعدٌ أنيقٌ لا أكثر ، اطلبوا الورقةَ، والرقمَ، والتوقيع.
ثانيًا: حوّلوا الصبرَ إلى حساب ، الصبرُ فضيلةٌ حين يكون اختيارًا، وجريمةٌ حين يصير سياسة ، لا تسألوا «متى؟» فقط — اسألوا «كم؟»: كم أُخِذ، وكم بقي، وكم صُرف، وأين ذهب ، السلطةُ تتحمّلُ الغضبَ، ولا تتحمّلُ الجدولَ .
ثالثًا: أعيدوا بناءَ ما بين القبائل ، التهميشُ يُعالَج بالوصلة، لا بالشكوى ، البئرُ المسدودُ في الجبل وبئرُ الطين في السهل عقدةٌ واحدة ، من يفصلُ بين المضطهدين يحكمُهم ، ومن يوصلُ بينهم… يُصبحُ مسألةً حسابيّة لا يمكن تجاوزها ،
رابعًا: لا تبيعوا الحريةَ بالقمح، ولا القمحَ بالحرية ، هذه المقايضةُ هي مصنعُ الاستبداد ، القمحُ حقٌّ، والحريةُ حقّ، ومن يقايض بينهما إنّما يشتري وقتًا على حساب جيل ، اطلبوا الاثنين معًا، فمن يقدر أن يُعطيك واحدًا يقدر أن يُعطيك الاثنين — لكنّه اختار أن يفصل بينهما لأنّ الفصلَ هو سرُّ بقائه
خامسًا: افضحوا النسورَ، ولا تنتظروا منها خلاصًا ، لا عدّو إلّا من مصلحته في بقاء ضعفكم ، كلُّ دعمٍ خارجيٍّ يُقاس بمقياس واحد: ماذا يأخذ مقابل ما يعطي؟ وإن كان الثمن أرضًا أو ماءً أو شبابًا، فهو ليس دعمًا، بل شراء ، والوطنُ الذي يُشترى مرّةً… يُباع كلَّ مرّة
سادسًا: أغلِقوا أبوابَ الجراد ، الفتنةُ لا تدخل إلا من بابٍ يُفتح من الداخل ، من يُشعلُ نارًا بين قبيلتين لا يريدُ نصرةَ إحداهما، بل يريدُ أن يشتغلَ الناسُ بالحريق عن الحساب ، الوحدةُ ليست شعارًا يُرفَع في الأعياد، بل عملٌ يوميٌّ شاقٌّ: أن تجلسَ مع من لا يشبهك، وتقسمَ معه الماءَ والحقيقة ،
سابعًا: لا تنتظروا سقوطَ الغراب… اجعلوا الغرابَ غيرَ ضروريّ ، لا يهزمُ السلطةَ من يزيلُ سيّدَها، بل من يجعلُ الوادي يقومُ بحاجته بنفسه: بئرٌ يُحفَر، دفترٌ يُكتَب، مخزنٌ يُعَدّ، قمحٌ يُزرَع، وقرارٌ يُتَّخَذُ في الحيّ لا في القصر، حين يصبحُ الانتظارُ بلا فائدة، يسقطُ المنتظَر ،
والعقدةُ، في جملةٍ واحدة: سلطةٌ تُديرُ الوقتَ لتُديمَ نفسها، وشعبٌ يُديرُ انتظارَه فيُديمُها بغير أن يدري
والحلُّ، في جملةٍ واحدة: أن يُصبحَ الوقتُ محسوبًا، والوعدُ مكتوبًا، والقمحُ مزروعًا، والوادي واحدًا… فحينها لا يبقى للغراب عملٌ يقومُ به »
4. رسالةٌ إلى الفرخ الصغير
في آخر الحكاية، وُلدَ في الوادي فرخٌ صغيرٌ، فقالت له أمُّه: «انتظر، سيُفتح المخزن »
فنظرَ الفرخُ إلى السماء، ورأى الهُدهدَ يُحلّق، فقال:
«لا ، سأعدُّ بنفسي »
فقالت أمُّه: «ولمن تعدّ؟»
قال: «لنفسي أوّلًا ، فإن أخطأتُ، أخطأتُ في دفتري لا في دفترهم »
فضحكت السلحفاةُ من بعيد، وقالت — وهي تكتب:
«هكذا يبدأ الخلاص: بطفلٍ يرفضُ أن ينتظر… ولا يرفعُ سيفًا، بل يرفعُ قلمًا ،»
وفي تلك السنة، لم يُفتح المخزن ، ولم يسقط الغراب ، ولم تأتِ النسورُ ولا الجراد
لكنّ في الوادي دفترًا جديدًا، وعلى غلافه كلمةٌ واحدةٌ بخطٍّ طفوليّ:العدد
تمّت الحكاية، والدفترُ ما زال مفتوحًا
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟