ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 02:47
المحور:
الادب والفن
في غابةٍ شاسعةٍ تخيّم عليها أشجار البلوط والصنوبر، كانت الحياة تسير بإيقاع هادئ، كان لكل مخلوقٍ فيها حاجته، ولكل عنصرٍ دوره، في وسط الغابة، نبع صافٍ يروي العطشى، وأشجار مثقلة بثمارها، وأعشاب طبية تُشفي الجراح، وظلال وارفة تحمي من حر الصيف،
ذات يوم، اجتمعت الحيوانات في ساحة الغابة الكبرى لتوزيع "خيرات الغابة" كما جرت العادة كل عام، لكن النقاش تحول إلى صراخ، قال الأرنب الصغير: "أنا لا أحصل إلا على القليل من الجزر، بينما الغزلان تأكل كل البراعم الطرية!" احتج السنجاب: "والمكسرات تختفي بسرعة، لأن الخنازير البرية تأكل أكثر مما ينبغي!" أما الثعلب الماكر فصمت قليلاً ثم قال: "الأمر ليس عدلاً، من الأقوى يحصل على الأكثر "
في تلك اللحظة، انبرت بومة عجوز كانت تتابع الجلسة من فوق شجرة سنديان، قالت بحكمة: "يا أصدقائي، هل تعلمون لماذا بقيت هذه الغابة مدهشة لعقود؟ لأن لكلٍ منكم دورًا لا يؤديه غيره، الأرنب يحرّك التربة بجحره فينبت العشب، والسنجاب ينسى بعض المكسرات فينبت أشجار جديدة، والخنزير البري ينبش الأرض ليهويها، كلما أخذ أحدكم كثيرًا، أضر بالآخرين، وكلما أخذ قليلاً، أضر بنفسه،"
التفتت البومة نحو الغزال الواقف على مقربة: "أنت يا غزال لا تأكل البراعم الصغيرة فحسب، بل تقتات منها، ثم تمر من هنا فتترك روثك ليدعم نموّها، وأما الثعلب، فلو أكل أكثر مما يحتاج، لقضى على الأرانب فأصبحت الغابة صامتة فاقدة لحركتها،"
فكرت الحيوانات قليلاً، ثم قال الثعلب: "إذن، الخيرات ليست للاستحواذ، بل للاستدامة،" هزت البومة رأسها موافقة: "تمامًا، الغابة ليست ملكًا لأحد، بل هي أمانة في أقدامكم ومناقيركم، فمن أخذ بقدر حاجته، أعطته الغابة أضعافًا، ومن طمع، جفّت الخيرات وهربت الطيور،"
فجأة، تساقطت حبات المطر الأولى، رفعت الحيوانات رؤوسها، فإذا المطر يبلل البراعم وينعش الأعشاب، قال القنفذ الصغير مداعبًا: "أترون؟ حتى السماء توزع خيراتها بلا تمييز،" ضحك الجميع،
منذ ذلك اليوم، تنبهت الحيوانات إلى أن خيرات الغابة ليست في الثمار وحدها، بل في التعاون والتوازن، فتعاهدت على ألا يأخذ أي مخلوق أكثر من حاجته، وأن يتذكر دومًا: ما تأخذه اليوم، يحدد ما يتبقى للغد، وهكذا استمرت الغابة في ازدهارها، حكايةً حيةً عن التوازن والعدل،
وبعد أن تعاهدت الحيوانات على التوازن، مرت الأيام وازدهرت الغابة أكثر من أي وقت مضى، لكن شيئًا غير متوقع حدث ذات صباح
جاءت نحلة صغيرة إلى ساحة الغابة، ترفرف بجناحيها المتعبتين، وقالت بصوت خافت: "أيها الأصدقاء، خلية النحل التي في الجهة البعيدة من الغابة كادت تنهار، لقد ملّ النحل من جمع الرحيق، بعد أن رأى الحيوانات الأخرى تأخذ أكثر مما تحتاج، ففقدوا حماسهم، لكنني سمعت بقصتكم عن العهد الجديد، فأتيت أطلب المساعدة،"
نظرت الحيوانات بعضها إلى بعض، قال الأرنب: "ولكن ماذا يمكننا أن نفعل للنحل؟ نحن لا نجمع الرحيق،" ابتسمت البومة وقالت: "لكنكم تستطيعون حماية الزهور التي يرتادها النحل، وألا تقطفوها قبل أن تنضج،"
فكر الثعلب قليلاً ثم قال: "ويمكننا أن نمنع الدببة من نهب خلايا النحل، إذا التزمت الدببة بدورها في الغابة أيضًا،"
تحركت الحيوانات كفريق واحد، قامت الغزلان بإنشاء ممرات آمنة بين حقول الزهور، وراحت السناجب تنشر حبوب اللقاح عن طريق الخطأ أثناء قفزها بين الأغصان، واتفق الجميع على تخصيص جزء من الغابة ليكون "محمية النحل" لا يدخلها أحد أثناء موسم التزهير،
وبعد أسابيع، عادت النحلة الصغيرة إلى ساحة الغابة، تحمل معها عسلاً ذهبياً نقياً، قالت: "هذا لكم جميعاً، بفضل تعاونكم عادت خليتنا قوية، بل أصبحت تنتج عسلاً أكثر من أي وقت مضى،"
تذوقت الحيوانات العسل، فإذا به أحلى ما ذاقته في حياتها، عندها قال السنجاب: "لقد تعلمنا درساً جديداً: خيرات الغابة لا تكتمل إلا حين يشارك الجميع في رعايتها، حتى أولئك الذين لا نراهم كثيراً،"
فأجابت البومة برمشتها الحكيمة: "لأن الغابة ليست مجرد أشجار وحيوانات، بل هي نسيج حيّ، كل خيط فيه يشد الآخر، إذا انقطع خيط، اهتز النسيج كله،"
وهكذا، استمرت الغابة في العطاء، وتعلم سكانها أن الخير الحقيقي ليس في الأخذ، بل في العطاء المتوازن، وأن الكنز الأكبر هو العيش معاً في تناغم، كقطرات الندى على ورقة واحدة، تتلألأ في ضوء الشمس، كل قطرة تعكس نور الأخرى،
وبعد أن تذوقت الحيوانات حلاوة العسل الذي أهدته النحلة، عمّ السلام أرجاء الغابة زمناً، كانت الأيام تمضي رتيبة، والأشجار تزداد اخضراراً، والجداول تتدفق نقية، أحد الأيام، لاحظت الحيوانات شيئاً غريباً: بدأت أوراق بعض الأشجار تصفر في غير موسمها، والأزهار تذبل قبل أوانها،
اجتمعت الحيوانات في ساحة الغابة الكبرى مرة أخرى، قال الغزال: أن الأرض تحت حوافري أصبحت يابسة على غير عادتها،" صاح السنجاب: "والمكسرات التي خبأتها في جوفي العام الماضي تعفنت لأن الرطوبة اختفت!" أما الأرنب فجلس على رجليه الخلفيتين وقال: "لا أدري، لكن هناك شيئاً مختلاً في نبض الغابة،"
رفعت البومة رأسها، وأغمضت عينيها للحظة، ثم قالت: "لننظر تحت أقدامنا أولاً، أيها الخلد، أنت الذي تعيش في باطن الأرض، أخبرنا ماذا ترى"
برز الخلد من جحره، فرك عينيه الصغيرتين وقال: "الجذور تتشابك بشكل مؤلم، هناك شجرة عجوز في قلب الغابة تحتضر، جذورها كانت تربط تربة هذا الجانب بأكمله، إنها تسقي الأرض من أعماقها البعيدة، لكنها الآن لا تستطيع ذلك،"
تحركت الحيوانات باتجاه الشجرة العجوز، كانت شجرة بلوط هائلة، جذعها عريض يتسع لعشرة أرانب متحاضنة، وظلها يغطي مساحة تلهو فيها أشبال الثعالب كل صباح، لكنها الآن مائلة، وأوراقها شبه عارية،
قالت الفراشة التي كانت تقف على غصنها: "إنها تحاول البقاء، لكنها تحتاج إلى شيء لا تستطيع الحصول عليه وحدها،"
ساد الصمت، ثم تقدمت السلحفاة العجوز، أبطأ مخلوق في الغابة لكن أعمقهم حكمة، وقالت بصوتها الخافت: "في قديم الزمان، كانت الأشجار الكبيرة تتناوب على حمل تربة الغابة، كل شجرة كانت تأخذ وتُعطي، حين تمرض إحداهن، تمدها الأخريات بجذورها، ولكننا نحن الحيوانات، في صراعنا على الثمار، نسينا أن نخدم الجذور ذاتها،"
عندها أدركت الحيوانات ما يجب فعله، قالت البومة: "علينا أن نروي جذور الشجرة، لكن ليس بالماء وحسب، بل باهتمامنا، كل صباح، يأتي واحد منا ليحفر حول جذورها لتهويتها، وآخر يجلب الماء من النهر، وثالث يزيل الأعشاب الضارة التي تستنزف غذاءها،"
وهكذا، شرعت الحيوانات في مهمة إنقاذ الشجرة العجوز، الفيل رش الماء بخرطومه، والأرانب حفرت التربة بلطف، والطيور تنقل البذور الصغيرة لتزرع أعشاباً تقوي الأرض حولها، أما النحل فلم ينسَ جميل الغابة، فأخذ يلقح الأزهار القريبة من الشجرة لتزداد خصوبة التربة،
وبعد أسابيع قليلة، حدثت المعجزة، بدأت الشجرة العجوز تنتج أوراقاً خضراء جديدة، ثم تفتحت براعم، وعادت الجذور إلى نبضها القوي، بل أكثر من ذلك، انطلقت من تحت جذعها ينابيع صغيرة روت الأرض الجافة حولها،
اجتمعت الحيوانات تحت ظل الشجرة المتجددة، قال الثعلب: "لقد تعلمنا اليوم أن خيرات الغابة لا تقتصر على ما نأكله، بل تشمل ما نحميه أيضاً،" فقالت البومة: "خيرات الغابة هي شبكة الحياة ذاتها، وما دامت الجذور بخير، تبقى الأغصان والثمار،"
وفي تلك اللحظة، أشرقت الشمس من بين الأغصان المتجددة، فانعكس ضوؤها على قطرات الندى وكأنها ماس منتشر على أوراق الشجرة العجوز، أدركت الحيوانات أن الغابة ليست خيرات فقط، بل هي عهد متجدد بين كل كائن حي فيها، ومنذ ذلك اليوم، جعلت الحيوانات من خدمة الجذور عادة موسمية لا تنساها، وظلت الغابة تزهر وتثمر جيلاً بعد جيل
وبينما كانت الحيوانات تحتفي بتجدد الشجرة العجوز، وفي صباح أحد الأيام، هبت رياح غريبة لم تعتدها الغابة من قبل، لم تكن رياحاً عادية، بل كانت تحمل معها رائحة دخان بعيد، وصوتاً خافتاً كأنه أنين الأرض،
رفعت البومة رأسها، وقالت بحذر: "هذه الرياح لا تبشر بخير، إنها تأتي من أطراف الغابة، حيث لم تطأها أقدامنا منذ زمن،"
تطوعت مجموعة من الحيوانات الشابة لاستكشاف المصدر، انطلق الأرنب السريع، والغزال خفيف الظل، والعصفور الجريء، وتبعهم الخلد تحت الأرض ليرى ما لا تراه العيون، ساروا ليوم كامل حتى وصلوا إلى حافة الغابة، هناك، صُدموا بما رأوا،
كانت أرضاً شاسعة قد تحولت إلى صحراء، الأشجار يابسة كالعظام، والجداول جفت، والتربة تصدعت من العطش، في وسط هذه الأرض القاحلة، وقفت شجرة وحيدة تحتضر، وكأنها تمد أغصانها تستغيث،
عادت المجموعة مسرعة، والغبار يغطي فراءها، قال الأرجل لاهثاً: "هناك جفاف يزحف نحونا، أطراف الغابة تموت، وإذا لم نفعل شيئاً، سيصل الجفاف إلى قلب الغابة خلال أسابيع،"
ذُعرت الحيوانات وبدأت تتساءل: "وكيف نواجه جفافاً بهذا الحجم؟ لقد أنقذنا الشجرة العجوز بالماء والاهتمام، لكن هذه صحراء كاملة!"
صمتت البومة طويلاً، ثم قالت بصوت هادئ لكنه حازم: "لم تكن شجرتنا العجوز وحدها تحمل تربة الغابة، كل شجرة، كل نبتة، كل جذر هي جزء من سد يحمي الغابة من الجفاف، لقد حافظنا على الداخل، لكننا نسينا حماية الحدود،"
اجتمعت الحيوانات في مجلس استثنائي، وبدأت تطرح الحلول، قال القندس: "بامكاني بناء سدود صغيرة على الأنهار القريبة من الصحراء، لتحتفظ بالمياه وترطب التربة،" قالت النحلة: "سنعمل مع الفراشات على تلقيح النباتات الصامدة في الأطراف، حتى تكبر وتثبت التربة،" قال الخلد: "سأحفر قنوات تحت الأرض لربط جذور الأشجار البعيدة بجذور أشجارنا، فتمتد الحياة،"
وهكذا، لم تكتفِ الحيوانات بإنقاذ ما لديها، بل مدت يد العون إلى أطراف الغابة، حملت الطيور بذور النباتات الصحراوية الصامدة لتزرعها كحواجز خضراء، وسارت الفيلة في قوافل تنقل الماء من الأنهار الداخلية إلى المناطق الجافة، وحفرت الأرانب جحوراً عميقة لتجميع الندى وتوزيعه على الجذور القريبة
مرت شهور، وبدأ الخضر يظهر في أطراف الغابة، أولاً، نباتات صغيرة خجولة، ثم شجيرات، ثم أشجار صغيرة، لم تتحول الصحراء إلى غابة بين ليلة وضحاها، لكن الزحف توقف، وبدأت التربة تستعيد رطوبتها،
في يوم الربيع التالي، اجتمعت كل الحيوانات تحت الشجرة العجوز التي أصبحت رمزاً لصمود الغابة قالت السلحفاة العجوز بصوتها الخافت لكن الواضح: "لقد تعلم أن خيرات الغابة ليست فقط ما نأكله، بل ما نزرعه بأيدينا، وليس نحن عليه اليوم، بل ما نتركه للأجيال القادمة،"
أضافت البومة: "كل في هذه الغابة هو حارس، حراسة الغابة ليست مهمة البعض، بل مسؤولية الجم لأن الصحراء لا تبدأ من الخارج فقط، بل تبدأ من الداخل حين يموت الاهتمام قلوبنا،"
نظرت الحيوانات إلى الشجرة العجوز، التي كانت قد أنبتت غصناً جديداً السماء، وكانت الأوراق الخضراء تهمس في الريح: "الغابة ليست مكاناً، الغابة فكرة، فكرة أن التعاون أقوى من الجفاف، وأن العطاء يروي أكثر مما يأخذ،"
وهكذا، استمرت الغابة في الحياة، ليس فقط كمجرد أشجار و بل ككيان واحد ينبض بقلب واحد، وكلما هبت رياح جديدة، كانت الحيوانات تتلقى خيرات الغابة الحقيقية ليست في ثمارها، بل في قدرتها على التجدد معاً،
ومن اليوم، أضافت الحيوانات عهداً جديداً إلى عهدها القديم: "أن نكون أطرافاً للغابة حيثما كنا، وألا ندع أي جذر يموت وحيداً،"
وهكذا، بقيت الحكاية تُروى جيلاً بعد جيل، عن غابة لم تكن مجرد غابة، بل كانت مرآة تعكس أجمل ما في الحياة: أن الازدهار الحقيقي لا يكون بالعزلة، بل بالتواصل، وأن الخير الأعظم هو أن تمد جذورك لتمد جذور غيرك،
مرت السنوات، وتحولت أطراف الغابة التي كانت صحراء قاحلة إلى غابة فتية مليئة بالحياة، الأشجار الصغيرة التي زرعتها الطيور والحيوانات أصبحت شاهقة، والجداول تروي الأرض، والزهور البرية تغطي السهول كسجادة ملونة،
في أحد الأيام، وبينما كانت الحيوانات تحتفي بالذكرى السنوية لإنقاذ الغابة، لاحظت الفراشة الصغيرة شيئاً غريباً، حلقت فوق رأس البومة ثم قالت: "هناك مسافرون قادمون من بعيد، أراهم على حافة الغابة،"
نظرت الحيوانات باتجاه الأفق، فإذا بفيل عجوز يمشي ببطء، وخلفه مجموعة من الحيوانات المنهكة: أرانب جائعة، وغزلان عطشى، ونمور هزيلة، وطيور لا تستطيع الطيران من الإرهاق،
تقدم الفيل العجوز بصعوبة، وانحنى أمام سكان الغابة، وقال بصوت أجش: "أيها الأصدقاء، جئنا من غابة بعيدة عبر الصحراء، غابتنا احترقت، لم يبقَ منها إلا الرماد واليأس، مشينا لأيام بلا ماء ولا طعام، ورأينا دخانكم من بعيد فعرفنا أن هناك حياة، هل تأوونا؟"
ساد صمت طويل، نظرت الحيوانات إلى بعضها، همس الأرنب في أذن الثعلب: "لكن مواردنا محدودة، الأشجار الجديدة ما زالت صغيرة، والماء يكفينا بالكاد،" همس السنجاب: "وإن شاركناهم طعامنا، قد لا يكفينا في الشتاء المقبل،"
رفعت البومة جناحها تطلب الصمت، ثم التفتت إلى الفيل العجوز وقالت: "أيها المسافرون، تعالوا أولاً إلى النبع، لترتووا عطشكم،" ثم نظرت إلى سكان الغابة وقالت: "ألم نتعلم أن خيرات الغابة ليست ملكاً لأحد؟ ألم نعهد بأن نكون أطرافاً للغابة حيثما كنا؟"
ترددت الحيوانات قليلاً، لكن الشجرة العجوز، التي كانت تراقب المشهد، حركت أغصانها فسقطت ثمرة بلوط كبيرة أمام الجميع، انفتحت الثمرة، وإذا بداخلها بذور صغيرة تتلألأ كالذهب،
قالت الشجرة العجوز بصوت حفيف أوراقها: "هذه بذور من عمري، لكل منكم بذرة، ازرعوها في قلوبكم أولاً، ثم في الأرض، فالعطاء لا ينضب، والخير لا يفنى، كلما أعطيت، عاد إليّ أضعافاً،"
عندها، تقدمت السلحفاة العجوز نحو الفيل المنهك وقالت: "مرحباً بكم في غابتنا، لسنا أغنياء، لكننا تعلمنا أن نشارك،" ثم التفتت إلى سكان الغابة وقالت: "أيها الأصدقاء، الصحراء التي أوقفناها بالأمس، قد تأتي مجدداً إذا أغلقنا قلوبنا اليوم، دعونا نفتح بيوتنا،"
وهكذا، استقبلت الغابة الجديدة اللاجئين، شاركت الحيوانات طعامها، وبنيت مساكن جديدة من الأغصان والأوراق، علم النحل الضيوف كيف يستخرجون العسل من الأزهار البرية، وعلم القنادس الضيوف كيف يبنون السدود، وعلمت الطيور الضيوف كيف يقرأون اتجاه الرياح،
وبعد عام كامل، حدث شيء مذهل، لم تعد غابة واحدة فقط، بل غابتان متصلتان، الغابة الأصلية والغابة الجديدة صارتا كياناً واحداً، الضيوف لم يكونوا ضيوفاً بعد، بل أصبحوا جزءاً من النسيج،
وفي احتفال كبير تحت الشجرة العجوز، وقف الفيل العجوز وقال بصوته الرنان: "جئنا لنأخذ، لكنكم أعطيتمونا أكثر مما طلبنا، أعطيتمونا وطناً جديداً، لكن الأهم، أعطيتمونا درساً: أن الغابة ليست أشجاراً ومياهاً فقط، بل هي قلوب تتسع للآخرين،"
رفعت البومة رأسها نحو السماء وقالت: "لقد اكتملت الحكمة اليوم، بدأنا بدرس التوازن، ثم درس التعاون، ثم درس الصمود، وأخيراً درس الكرم، هذه هي خيرات الغابة الحقيقية،"
عندها، أشرقت الشمس بألوان لم ترها الحيوانات من قبل، وتساقطت أوراق ذهبية من الشجرة العجوز كأنها تبارك الجميع، وأدركت الحيوانات أن الخير الحقيقي لا ينضب أبداً، لأنه كلما أعطيت، فتحت في قلبك مساحة لاستقبال المزيد،
وهكذا، بقيت الحكاية خالدة، تتوارثها الأجيال، عن غابة واحدة أصبحت أثنتين، وعن فيل عجوز علّم القلوب كيف تتسع، وعن بذرة بلوط صغيرة حملت في داخلها غابة بأكملها،
ومرت السنوات، وتحولت الغابتان إلى مملكة خضراء مترامية الأطراف، الأشجار التي زرعها اللاجئون مع السكان الأصليين أصبحت غابات جديدة، والأنهار التي حفرها القنادس امتدت لتروي أراضٍ كانت جرداء، حتى الصحراء القديمة تقلصت، وعادت الحياة إلى حيث كان الموت،
في قلب هذه المملكة الخضراء، بقيت الشجرة العجوز شامخة، جذورها امتدت لتربط كل الأشجار الجديدة، وكأنها أم الجميع، كل عام، في ذكرى اللقاء الأول، كانت الحيوانات تجتمع تحتها لتجدد عهدها،
وفي أحد هذه اللقاءات، وقف أرنب صغير لم يكن قد ولد بعد أيام الجفاف الأولى، وقال بفضول: "يا أجدادنا، نحن نسمع حكاية خيرات الغابة كل عام، لكنني أسأل: متى تنتهي الحكاية؟"
نظرت إليه البومة العجوز - التي صارت عجوزاً حقاً، ريشها أبيض كالثلج - وقالت بحنان: "يا صغيري، الحكاية لا تنتهي أبداً، كل جيل يكتب فصلاً جديداً، نحن كتبنا فصول التوازن والتعاون والصمود والكرم، وأنتم ستكتبون فصولاً أخرى لم نعرفها بعد،"
صعد الأرنب الصغير على صخرة وقال بحماس: "إذن، سأكتب أنا فصل العدل، سأجعل كل مخلوق في الغابة يحصل على حقه دون ظلم!"
ضحكت الثعالب الصغيرة وقالت: "ونحن سنكتب فصل المرح، لنجعل الغابة تغني بالضحك كل يوم،"
أما الفيلة الصغيرة فقالت: "ونحن سنكتب فصل القوة، لكن قوة الحماية لا قوة السيطرة،"
ابتسمت الشجرة العجوز، وتساقطت أوراقها كأنها تبارك كل الأمنيات، عندها، رفعت البومة رأسها نحو السماء وقالت: "هذا هو سر خيرات الغابة الحقيقي، ليست في الثمار وحدها، ولا في الظلال وحدها، بل في أن لكل جيل حلمه، ولكل حلم مكانه تحت الشمس،"
ثم نظرت إلى الأرنب الصغير وقالت: "وأنت يا صغيري، تذكر أن الخيرات التي نتركها لأبنائنا ليست ما نجمع لهم، بل ما نعلمهم كيف يزرعون بأنفسهم،"
عم الصمت للحظة، ثم انطلقت هتافات الفرح من كل الكائنات، رقصت الفراشات في الهواء، وزأرت الأسود فرحاً، وصفقت القرود بأيديها، اجتمعت كل الأجيال تعانق بعضها، تبادلت القصص والضحكات،
وعند غروب الشمس، جلست الجدات العجائز تحت الشجرة، والأطفال الصغار في أحضانهن، وبدأت إحدى العجائز تغني بصوتها الخافت:
غابتنا يا غابتنا
خيراتك في قلوبنا
إن أعطيت نما العطاء
وإن منعت فنحن سواء
جذورنا ممتدة
وأغصاننا ممدودة
نحن عائلة واحدة
تحت سماء باردة وحارة
ردد الجميع النشيد، وصوتهم ارتفع كالأمواج، حتى كادت النجوم تهبط لتستمع، ومنذ تلك الليلة، صار هذا النشيد تراث الغابة، يتناقله الصغار عن الكبار، كلما اجتمعوا تحت الشجرة العجوز،
وهكذا، استمرت الحكاية، لم تنتهِ، بل ازدادت ثراءً مع كل جيل جديد، لأن خيرات الغابة الحقيقية، كما اكتشفت الحيوانات، ليست شيئاً نملكه، بل شيئاً نعيشه، ليست كنزاً ندفنه، بل بذرة نزرعها، وليست ذكرى من الماضي، بل حلم للمستقبل
فالغابة، يا أصدقائي، هي ما نصنعه معاً، والخيرات هي ما نشاركه، والحكاية هي ما نرويه لأطفالنا، ليرووه لأطفالهم، ويضيفوا عليه من حكمتهم،
وهكذا تبقى الحكاية حية، كالغابة نفسها، تتجدد كل صباح بقطرات الندى، وتكبر كل مساء بظلالها الممتدة، وتزهر كل ربيع بأزهار جديدة.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟