أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....


حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 19:52
المحور: الادب والفن
    


شخصياتُ الحكاية
• الحكيم: فيلٌ عتيق، رئيس مجلس الغابة قديماً، كان يحكم بالحكمة لا بالوزن.
• صبر: سلحفاةٌ بطيئةُ الخطو، حافظةُ قانون الغابة، عرفت قيمة الوقت حين ضاع الوقت.
• رشا: غزالةٌ سريعة، أوّلُ من رفع صوتها، وأوّلُ من اختفى.
• زئير: أسدٌ في عنفوانه، حارسٌ تحوّل إلى حاكم، وصوتٌ تحوّل إلى سلطة.
• الأشبال: أبناء زئير وأعوانه، صاروا حرّاس الوادي وجامعي الأخبار.
• صهيل: حصانٌ قويٌّ سريع، حمل أوامر السلطان طويلاً قبل أن يحمل ضميره.
• مكران ودهّان: ثعلبان من أمٍّ واحدة، أحدهما طويلُ اللسان والآخر سريعُ القدم.
• ناعب: غرابٌ لسانه يترجم زئير الغابة إلى كلمات يفهمها الجميع.
• القردة: قبائلُ كثيرةٌ، كلُّ قبيلةٍ على شجرة، وكلُّ قردٍ يظنّ نفسه أذكى من أخيه.
• الثائرة: خنزيرٌ، وذئبٌ، وغرابٌ صغير، وكلُّ من قال كلمةً ثم اختفى.

الفصل الأول: غابةٌ كانت تعرفُ العدل
قبل أن تُرسم الخرائط، وقبل أن تُسمّى الأماكن بأسماء، كانت هناك غابةٌ واسعةٌ في قلب وادٍ أخضر، يسمّيها سكّانها «غابة الوادي الأخضر». يمرّ في وسطها نهرٌ هادئ، وتنتشر على ضفّتيه مراعٍ لا تنتهي، وفي قلبها تقف شجرةُ بلوطٍ عتيقةٌ يتفيّأ ظلُّها كلُّ من مرّ بها.
كان لهذه الغابة نظام. لا نظاماً مكتوباً بمدادٍ على ورق، بل محفوراً على صخرةٍ مسطّحةٍ تحت البلوط العتيق. اجتمع عليه الحكماءُ يوماً، ونقشوا عليه بلغةٍ بسيطة: «الماءُ للجميع، والمرعى للجميع، ولا يُقتل أحدٌ إلا بحقّ، ولا يُطرد أحدٌ من أرضه إلا بحكم المجلس.»
وكان للمجلس رئيس. فيلٌ عتيقٌ اسمه «الحكيم»، عيناه هادئتان كبحيرةٍ في صباحٍ بلا ريح، وناباه أبيضان كأنّهما مكتوبان بالضوء. وإلى جانبه السلحفاة «صبر»، وهي التي تحفظ نصوص القانون وترتّلها على مسامع الخصوم ببطءٍ يشفيهم من الغضب. وكان في المجلس غزال، وقنفذ، ونحلٌ يوزّع حلاوة الكلام، وغرابٌ يقول الحقيقة بلا تجميل.
كانت الغزال «رشا» تشربُ من النهر بجانب الذئب، فلا يمدّ الذئبُ عنقه ولا تمدّ رشا ساقها، وكان الأرنب الصغير يعبر أمام الفيل فلا يرفع الفيل قدمه إلا ليمسح له الطريق. وكان في الغابة كلامٌ كثير وحسدٌ قليل، لأنّ الجميع كانوا يعرفون حدودهم، والحدودُ المعروفة أرحمُ من الحرية المقتولة.
لكنّ في كلّ عدلٍ ثغرة، وفي كلّ ثغرةٍ ريحٌ تنتظر. كان الحكيم يكبر، وكانت النقاشات في الغابة تطول، وكانت القردة تتحدّث بصوتٍ عالٍ عن كل شيء، وتفعل شيئاً واحداً فقط: لا شيء. وفي الطرف البعيد من الغابة، خلف الأشجار الكثيفة، كان شبلٌ صغيرٌ يقف كلَّ صباحٍ ويرفع صوته، ويتعلّم من صدى واديه كيف يجعل صوته أطول من عمره.

الفصل الثاني: حين تفرّقت القردةُ وتلوّنَ الثعلبان
كانت قِبَلُ القردة في الوادي كثيرةً كثيرة. قبيلةٌ على شجر الجمّيز قرب النهر، وقبيلةٌ على صخور الشرق، وقبيلةٌ ثالثةٌ لا تثبت على شجرةٍ واحدة. وإذا خطرَ خطرٌ، اجتمعت القبائل، وصرخت، وتقاذفت، ثم تفرّقت كلٌّ إلى جذعها. كان القردُ يسمع نداء النجدة من بعيد، فيقول: «أنا قادم!» ثم ينسى أنّ عليه أن يقف.
قالت الحكمة القديمة إنّ القرد لا يخاف إلا من نفسه، وإنّ أكثر الخوف لا يجيء من قوّة العدوّ بل من فراغ القلب. وهذا ما حدث في الغابة.
أما الثعلبان «مكران» و«دهّان»، فكانا أخطرَ من القردة كلها، لأنّ القردة كانت ضعفاً ظاهراً، والثعلبين كانا ضعفاً لبقاً. كان مكران يعرف أخبار كلّ شجرة، ودهّان يعرف هموم كلّ قلب. فكانا يذهبان إلى القبائل، ويقول كلٌّ منهما ما يريد الناسُ أن يسمعوه، لا ما يحتاجون أن يعرفوه.
قال مكران للقردة: «أنتم أذكى خلق الوادي، ولو اتّحدت القرود لَحكمت الغابة من الشجرة العالية.» وقال دهّان للغزلان: «أنتم الضعفاء، لا شأن لكم بالحكم، فاقنعوا بالسلامة والسكوت.» وأكثر من ذلك، ذهبا إلى الحصان صهيل، فوسوسا له: «أنت أسرع من الريح، فلماذا يحكم الفيلُ الذي لا يبرح مكانه؟ أنت أولى بالصخرة.»
وهكذا، لم يزرع الثعلبان بذرةً واحدة، بل زرعا بذرتين: في قلب القرود كِبْراً، وفي قلب الحصان طمعاً.
لم تكن الغابة تحتاج جيشاً لتهزمها. كانت قدرتُها القديمة أنّ كلّ حيوانٍ فيها كان يعرف موقعه ويحفظ حدوده. فلما ضاعت الحدود، وضاعت معها الثقة، صارت الغابة جسداً قويّاً بقلبٍ متعب. ووقف زئير عند حدود التلال يراقب، ويرفع صوته الصغير فيتعلّم من الصدى كيف يكبّر نفسه.

الفصل الثالث: صعودُ زئير
كان زئير فتيَّ الأسود؛ في عنفوانه، يتقدّم بعضلاتٍ مشدودة، وفي رأسه عرفٌ كأنّه تاج. كان حارساً من حرّاس المجلس؛ يحمي حدود الغابة عند التلال. وفي ليلةٍ من ليالي القيظ، حين خفت النور وخفت معه أصوات الحكماء، نظر إلى نفسه فقال: «مَن أحرس؟ ضعفاءٌ يخافون، وحكماءُ يشيخون والنقاشُ يطول. الغابةُ لا تُحفَظ بالكلام، بل بالأنياب.»
وفي الصباح، جمعَ أشباله — أبناءه وأبناء عمومته من الأسود الصغيرة — فقال لهم: «المرعى لمن يحميه، والماء لمن يمنعه.» ثم ذهب إلى الحصان صهيل، وقال: «أنت أسرع من الغزال وأقوى من الثور؛ فلماذا ترضى بالقليل؟ كن معي، ولك أحسنُ مرعى على النهر، ولتكن قدماك في المقدّمة، ولتكُن أنا الصوتُ الذي يملأ الوادي.»
وذهب إلى الثعلبين، فقال لهما: «لكما الأخبار، ولكما ما تجمعان.» لم يسألا عن الثمن؛ سألا عن النصيب.
وفي فجر يومٍ، جاء أوّلُ الحيوانات إلى الماء، فوجد زئيرَ مضطجعاً على الشاطئ، وقد مدّ ذيله على صفحة الماء، وهو يقول هادئاً: «من شاء أن يشرب فليشرب... بعد أن يعرف لمن الماء.»
اجتمع المجلس تحت البلوط. قام الحكيم فتكلّم كلاماً طويلاً عن القانون والأرض والماء؛ لكنّ الكلام كان قد سبقه الفعل. صرخت القرود من أعلى الشجر ولم تنزل. قال مكران لقبيلةٍ كلاماً، وقال دهّان لقبيلةٍ عكسَه. أما صهيل، فبقيَ واقفاً على التلال، ينظر يميناً ويساراً، ثم حسم الأمر ووقف إلى جانب القويّ.
وقف زئير على الصخرة المسطّحة، ورفع نابه، فانكسر الحجرُ الذي كان يحمل القانون. صاح في الجميع: «صخرةٌ واحدة لا تحمي غابةً كاملة. أنا الصخرة!»
ثم جلس على قاعدة البلوط، وقال: «الغابةُ من اليوم تحميني؛ وأحميها.» وحملت السلحفاةُ صبر، قبل أن يتفرّق الجمع، لوحاً صغيراً كان قد نقشته بقدمها، وحفظته في صدفة بيتها، وقالت لنفسها: «الورقُ يهزم الحجرَ إذا صبر.»

الفصل الرابع: قانونُ الأنياب
كان القانون القديم قصيراً، فاستبدله زئير بقانونٍ أقصر منه، لأنّ الظلم لا يحب الشرح. كتب ثلاثة أسطر وطلب أن تُنقش على باب الصخرة المكسورة:
أولاً: الغابةُ ملكُ من يحميها، وأنا أحميها. ثانياً: المرعى الفيّاض لمن يحمل الأنياب. ثالثاً: من اعترض فهو خائن، والخائن جزاؤه الجوع.
وصار للأشبال عملٌ جديد: حرّاسُ الوادي وجامعو الحقوق. يجيئون إلى المرعى الفيّاض فلا يبقى فيه بعدهم إلا القليل. يزورون الحقل فينزل منه السِمنُ ويبقى الحِشف. صار الحصانُ صهيل يحمل الأوامر إلى أقاصي الغابة، ويقول في نفسه إنّه ليس خادماً وإنّما رسولٌ. وقد سمع في الطريق كلاماً لم يستطع حبسه في صدره، فأدار أذنيه وصار يسمع أكثر مما كان يريد.
وفي يوم، وقف الحمار العجوز، وهو أكبرُ السنّ في الوادي، على حدّ المرعى قائلاً: «أنا كبير السنّ، لا أطلب كثيراً، غير متنفّسٍ على طرف الحقل.» وأجاب أحد الأشبال: «الشيخوخةُ ليست حقّاً. لأصحاب الأنياب حقٌّ يعرفه زئير.»
لم يكن ذلك قتلاً، بل كان أسوأ من القتل؛ كان إعلاناً بأنّ الضعيف ليس له شأنٌ في الحساب، وأنّ العدلَ ليس مقياساً واحداً للجميع، بل مقياسٌ يُغيّر أرقامه كلّما ازداد الطالب قوّة.
كانت الغابة في تلك الأيام تُقاس بالماء، لا بالمحبة. صار مَن بجانب النهر مَلِكاً، ومن بعيدٍ عنه فقيراً. وتعلّم الحيوان أنه إذا أراد حاجةً فليذهب إلى الماء في الظهيرة لا في الفجر، وأن يُخفيَ ظمأه حتى تحلّ الظلمة. أمّا الأمان، فقد صار يُشترى بادّعاء الطاعة؛ وصار الصمتُ العملةَ الوحيدة المقبولة في كلّ سوق.

الفصل الخامس: زئيرٌ يبثُّ أخبارَه
لم يُكتب قانونُ زئير بمداد كما توهّم البعض، بل كان يُسمَع. كلَّ فجر، يصعد الأسد إلى حافته العالية في وسط الغابة، ويطلق زئيره. زئيرٌ تهتزّ من أجله الشجر، ويرتجف الماء، وتهرب الطير من أعشاشها، ويتوقّف كل قلبٍ عن الخفقان لحظة.
لم يكن ذلك صوتاً. كان ذلك جريدة الغابة.
وكان الغراب «ناعب» يقف على الغصن المقابل، يترجم كل صيحة إلى لغة تُفهم. فإذا انطلق الزئير الأول، نادى ناعب: «الغابة آمنة! الشكرُ لمن يحفظ الوادي!» وإن كان الثاني: «ظهرت آثارُ خائنٍ في الشمال؛ من رآه فليبلّغ، ومن كتم فسيلقى.» وإن جاء الثالث، هبط على الجميع صمتٌ لا يشبه أيّ صوت: كان الغراب يعلن أنّ ليلاً طويلاً سيغطّي حيواناً واحداً.
فتعلّمت الحيوانات تفاصيل الرسائل قبل حروفها. واحدٌ يعني: التحذير. اثنان يعنيان: العقاب. وسكوتُ الزئير في يومٍ يعني أنّ أحدهم قد اختفى. صار الدخول إلى الغابة أشبه بعبور طريقٍ ضبابي، يقيس فيه كلُّ ماشٍ خطواته بعدد الصيحات.
وأدرك الجميع الحقيقة التي أرادتها السلطة بلا كلام: أنّ الخبرَ لا يُقرأ في زمن الصمت، بل يُنتزَع من كثرة التصفيق. وكلُّ من صفّق زاد الغابة سكوتاً، وما كان أحدٌ يعرف أنه يشارك في بناء حائطٍ يُطوِّق نفسه.

الفصل السادس: الذين اختفوا في الليل
اختفت الحيوانات في الليل، لا في النهار. كأنّ الظلام كان شريكاً اختياريّاً في الطغيان، وكأنّ الرحيل لا يليق إلا بالخفوت.
كان أولهم الخنزير «جحّاش»؛ صاحب صوتٍ وصدرٍ واسع، قال في ماء النهر ما لم يُقل: «إنّ الماء ليس ملكاً لأسد، وأنا لا أسأله إذن الغسل.» وفي الفجر، لم يكن على الشاطئ ذيل، ولا في الوحل أثرٌ. صعد زئير إلى حافته ورفع صوته مرّتين، فتعلّم الجميع أن صوتين يعنيان العقاب الذي لم يشاهد أحدٌ تنفيذه.
ثم كان الذئب «سرحان»؛ لم يخطئ، لكنه جمع الحيوانات حول عين النهر. كان يجمع قليلاً وقليلاً، ثم صار الجمعُ أعظم من حاجة الوادي. فجاء الأشبال في ليلةٍ، وحملوه إلى ما وراء النهر الجافّ، إلى أرضٍ لا مرعى فيها ولا ظلّ. وكان زئير يسمّيها «أرضَ التأديب»، وسمّاها من رأى الجفاف «المقبرة». ثم اختفت الغزالة رشا، وهي التي كانت أول من رفع صوتها. واختفت بعدها كلماتٌ كثيرةٌ لم تُسمع، وأصداءُ أصواتٍ كانت في الفجر ثم صارت في العدم.
وأدرك الباقون معنى العدل الجديد: كان عدلاً لا يحتاج إلى محكمة، ولا إلى سماع دفاع، ولا إلى نقش اسم متّهم؛ وكلُّ ذلك أرهبُ من العدل نفسه، لأنّ العدل صيغةٌ يُحتكم إليها، أمّا هذا فقد كان قناعةً واحدة: أنّه يجوز.
من ذلك اليوم، لم يتكلّم حيوانٌ في الفجر. تعلّمت الغابة أن تهمس، وأن تنظر في الأرض حين تمرّ الأشبال من أمامها، وصار فيها قانونٌ غير مكتوب: «ما لا تقوله قد يكون نجاةَ ما تبقّى.»

الفصل السابع: الثعلبان في خدمة السلطان
لم يشغل مكران ودهّان مناصبَ كبيرة، فقد كانت السلطة تحبّ الوجوه الصغيرة التي لا تُرى. صار مكران الأذن التي تسمع كل حكايات الطريق، ودهّان اللسان الذي ينقلها. لا يجيء أحدهما بمعلومةٍ حقيقيةٍ تامّة أبداً، بل يجيء بنصف معلومةٍ وقطرةِ شكّ، فيحرّض الجارَ على جاره والأخَ على أخيه.
كان الثعلبان يعرفان قيمة الكلمة أكثر من كل حيوانٍ في الغابة، ولذلك لم يخافا زئير؛ إذ كان في جيبهما ما يشفع لهما. لكنّ زئير كان أدهى منهما، فقد أجّلَهما عن المناصب العالية مرّتين، وأبقاهما في ذلك التأخير الذي يُشبع الطمع ولا يُشبع الشكّ: قريبين من السلطة بما يكفي لخدمتها، وبعيدين عنها بما يكفي لئلّا يثقا بها.
وفي غابةٍ ضيّقةٍ صارت الكلمةُ بضاعةً، لا يسمعها إلا من دفع لها، ولا يدفع لها إلا من أراد أن يشتري بأخيه مكاناً. وقال مكران للمخدوعين: «لا تُنازع من هو أعظم منك، فالقويُّ أعلمُ بمصلحة الوادي.» وقال دهّان للضعفاء: «كن في كنف من يحميك؛ فالذين يرفضون الخضوع يعيشون في الجفاف.» ثم راح يزرع في قلوبهم الوسواس: «فلان؟ لا تثق بفلان، فقد رأيته في مرعى الأشبال.» وهكذا انقسمت الغابة إلى أفرادٍ، والأفراد لا يُهزمون، بل يُشترون.
ولم يكتشف أحدٌ حقيقةَ الثعلبين إلا بعيداً، حين لاح زمنُ الغدر. فإذا خدمةُ السلطان كلّها نسيت أنّ للغابات ذاكرة. فالريحُ التي تمرّ بالأرض تعرف وجوه من مرّ؛ والماء الذي يحمل الأرجل يحفظ آثار خطواتها.

الفصل الثامن: القردةُ تتأخّر... والحصانُ يتذكّر
ظلّت القردة ردحاً من الزمن تقول: «نحن في القمم؛ الصخرة في الأسفل لا تصل إلينا.» ولا أحد يشكّ في خفّة العالي. لكن في صباحٍ، جاء الأشبال إلى قبيلة الجمّيز، وحملوا الصغار «للخدمة في بلاط زئير». لم يصعد أحدٌ على الشجر، ولم يمدّ أحدٌ ذراعاً؛ وهكذا صارت القردة أوّلَ من أدرك أن لا مكانَ عالياً لا يُوصل إليه أحد.
وفي الليل اجتمع القردة، ولم يجمعهم في النهار إلا الخوف. قال أكبرهم: «كنّا كثيرين. لماذا لم نقف؟» قال أصغرهم: «كنّا نصرخ في الشمس، ونهرب في الظل.» وفي تلك الليلة سمعت الغابةُ حسرةً لم تكن حسرةَ واحد، بل حسرةَ جماعةٍ عرفت أنها ضيّعت نفسها بيدها.
وفي الطرف الآخر من الغابة، كان الحصان صهيل يحمل أوامرَ السلطان، وفي نفسه شيءٌ جديد. سمع صدفةً من وراء الشجرة كلاماً بين زئير وأحد الأشبال: «الحصان؟ أداة؛ نستعين به في حراسة الحدود، فإذا هَرِمَ استبدلناه بشبلٍ نشيط.» وتوقّف الحصان فجأةً، ورفع رأسه، ثم أنزل نظره إلى قدميه. كان صهيل أسرع من الجميع، ويحمل أوامر الجميع، وله في كلّ مرعى قدمان لا تُسألان ولا تُحاسبان. لكنّه لم يكن في كلّ ذلك إلا حافراً يُطاع.
ورأى بعد ذلك صديقه الحمار العجوز، الذي كبر معه في مرعى الطفولة، يُطرد من الماء. وفي المساء نفسه، نظر صهيل إلى ظلّه وهو يجري خلف الضعفاء، وقال لنفسه: «أنا أسرع من الغزال، فلماذا أجري خلف أضعف منه؟» وفي تلك الليلة، لأول مرة في سنواته، لم يحمل أوامر أحد.
وبقيت في صدره صورةٌ معلّقة: ثلاثةٌ من شاطئ النهر رحلوا ولم يعودوا، كان هو من حملهم على ظهره إلى الحدود، ثم عاد وحده. وفي اليوم التالي حمل الأشبالَ إلى كلّ حارةٍ في الوادي، حينذاك عرف أنّه لم يعد خادماً يحمل العلف، بل صار جزءاً من السلطة؛ وفي كلّ رحلةٍ يجدّد توقيعه على ما يحدث، ويقول لنفسه: «لم أفعل شيئاً، أنا فقط أحمل.» وهذه هي الجملة التي تُبنى بها الطواغيت.
وفي ذلك الشهر اعتزل صهيل المراعي، ولزم مكاناً صغيراً عند ماء الغابة، حيث يسمع الدوريّات ولا تصل إليه الأوامر. وفي ليلةٍ من ليالي الغابة، هبّت ريحٌ من الغرب وسكن كلُّ شيء، فقال لنفسه: «لا أستطيع أن أهزم زئيراً بأنيابي، ولكنّي أستطيع أن أهزمه بقدميّ.»

الفصل التاسع: فتيلٌ في أرض البردي
لم يصنعوا صخرةً جديدة، ولا كتبوا بياناً، ولا رفعوا لافتةً على شجر البلوط. اجتمعوا في أعماق الغابة، في أرض البردي عند جُرف النهر الجافّ، حيث لا يمرّ الأشبال إلا قليلا. وكان الاجتماع هادئاً: قنفذ، وأرانبُ، وحمامتان، وأربعة قرودٍ انسلّوا من جماعة القمم.
افتتحت السلحفاة صبر الاجتماع بأقدم نصٍّ في الغابة؛ فقد أخرجت من بيتها اللوح الصغير الذي حفظت فيه نسخةَ قانون الوادي القديم، ولاحظ الجميع أنّ حروفه ما زالت واضحة. ثم أضافت بلغتها الهادئة سطراً لم يكن في النصّ القديم: «...ولا يُترك أحدٌ يظنّ أنّ فوق القانون قانوناً.»
سألت صبر الجميع: «لماذا هزمَنا زئير؟»
قال القنفذ: «لأنّه أقوى.»
قالت صبر: «لا. لو كانت القوّةُ وحدها هي التي تحكم، لكفت أنيابُه غابةً واحدة، وما احتاج إلى أشباله ولا إلى غرابٍ ينطق بلسانه. سقطنا لأنّنا تفرّقنا؛ والقوّة قطرةٌ، والفرقة بحر. والماء بحرفٍ واحدٍ يفرّق الصخر.»
ثم وقف صهيل. كان قد وصل أخيراً، وفي لسانه اعترافٌ صريح: «أنا واحدٌ من أرجل النظام القديم. حملت أوامر السلب إلى ما لا نهاية. لكنّي أعرف ما لا يعرفه أحدٌ غيري: أنّ زئيراً ليس قويّاً كما تُصوّره هذه الصيحات. إنه يقف على صدرةٍ عالية، ومن يقف عالياً لا يقدر أن يقاتل من تحت. وإذا سقطت هذه الصدرة، سقط بلا صولة.»
سأل أحد القردة: «وإذا قاتلنا؟»
قال القنفذ: «لو كنّا أشبالاً لَقُتِلنا بالأنياب، لكنّ أضعفنا يملك ما لا يملكه زئير: العدد.»
قالت صبر: «إذن لا نحتاج إلى حرب، بل إلى يومٍ لا يُطاع فيه زئير.»
صمتت الغابة، ثم رُسمت الخطّة على صوت الماء الذي لا يتوقف:
• لا يجيء أحدٌ إلى المراعي مساءً، ولا يُسقى الأشبالُ من النهر إلا ما حملوه بأنفسهم.
• لا يحمل أحدٌ خبراً لأحدٍ عن أحد.
• لا يخاف أحد؛ وإن خاف، فليكن خوفه على مستقبل أولاده، لا على صوتٍ يمرّ في الصباح.
كانت الخطة بسيطة: الامتناع عن الطاعة، وقطع الأخبار، واستخدام العدد بدل الأنياب. وهكذا تحوّل صهيل من جسرٍ تعبر عليه أوامر السلطان، إلى حجرٍ في أساس الطريق الجديد. وفي كل ليلة من الليالي الثلاث، كان كلُّ حيوانٍ يتعلّم عبارةً واحدةً يرويها لمن بجواره فقط، فتصير عبارةً واحدةً بعد ثلاثة أيام صوتَ الغابة كلّها.

الفصل العاشر: يومٌ لم يُجِبه أحد
في الفجر، تخلى الصمت عن الغابة، وطلع زئير إلى حافته، ورفع صوته الأول، وانتظر.
لم يهتزّ الشجر، ولم يهرب طيرٌ من عشّه، ولم يتوقف قلبٌ عن الخفقان. أطلق زئيره الثاني، فطاف الغابة وعاد إليه فارغاً. أما الثالث، فلم ينطلق إلا نصفَ صوت.
وفي تلك اللحظة، تقدّم صهيل. رفع صوته بكلّ قوته، لا في صيحة تحدٍّ، ولا في صرخة حرب، بل في صهيلٍ هادئٍ واضحٍ معناه واحد: «لا.»
فأجابته الغابة. أجابت الغزلان بصوتها، وأجابت القردة بصياحٍ لم يعد تفرّقاً بل صار صوتاً واحداً، وأجابت الطيور، والقنافذ، والحمام، والنهر الذي يمرّ. كانت الغابةُ تصرخ بأصواتٍ كثيرة، لكنّ الضجيجَ هذه المرّة كان له معنى واحد.
وأدار الأشبال أعناقهم، وأخذوا ينظرون إلى زئير، منتظرين الأمر القديم: أن يقتلوا، أو أن يطردوا، أو أن يجمعوا الفريسة. ولم يأتِ الأمر. ونظرت الحيوانات إلى الأشبال مباشرة، بلا خوف هذه المرة، فجفل الأشبال، إذ لم يكونوا يعرفون كيف يبتلعون فريسةً تنظر في العين.
وجاء الثعلبان، فقال أحدهما لزئير: «خذني مستشاراً، لن أضرّك ولن أقاتل.» ثم دارا مسرعين إلى الجمهور وقالا: «نحن كنّا معكم في السرّ، ونحمل اللكم من أجلكم.» فسقط كلامهما سقوطَ أوراقٍ يابسة، وأدرك الجميعُ أنّ من باع أمس لا يُصدَّق اليوم.
ورأى زئير أن الغابة لم تعد تُصدّق صوته. وأدرك، في لحظةٍ واحدة، أنّ ما كان يُطيعه لم يكن خوفه هو، بل خوفُهم منه؛ فمرّت ثوانٍ ثقيلة، وأطلق صيحةً أخيرة جفّ فيها صوته، ثم تراجع نحو الجبل، وخلفَه قليلٌ من الأشبال.
وفي الطريق، مرّ بأرض البردي، فرأت الغابةُ أسداً آخر؛ ليس الأسدَ ذا الصولة، بل أسداً يعرف أنّ الصخرةَ التي تحت قدميه قد انكسرت. ولم يقف أحدٌ في طريقه، ولم يكن ذلك كرماً من أحدٍ، بل كان أقسى حكمٍ: أنّ الغابة التي كانت تخافه لم تعد تهتمّ لأمره. وأمّا من كان يسمّيهم الثائرة فقد غابوا في ليلٍ لم يشهده أحد، وأمّا الذين بقوا فقد لم يبقَ فيهم من الخوف شيء.
عاد المجلس تحت البلوط العتيق، وحملت صبر لوحها الصغير، فوصلته بأحرفٍ جديدةٍ على الصخرة المشقوقة: «العدلُ ليس ضعفاً، والوحدةُ ليست ذوباناً، والصمتُ عن الحقّ خيانةٌ صغيرةٌ يُبنى بها طغيانٌ كبير.»
وقالت الغابة في ذلك اليوم كلماتٍ قلائل، لكنّها كانت لغتها الخاصة، لغتها التي عرفتها في أيام المجلس الأول، ثم نسيَتها في زمن الخوف، ثم استعادتها في يومٍ لم يُجب فيه أحد.

خاتمةُ الحكاية
لم يُعَد في الغابة ملك، ولا صخرةٌ يمتلكها حاكم، ولا زئيرٌ يُخبر بموعد العقاب. بقي فيها صوتٌ كثير، ونهرٌ يقسم المرعى على الجميع، ومجلسٌ يجتمع تحت البلوط العتيق، وقانونٌ مكتوبٌ لا يحمي أحداً بل يحمي نفسه.
وقالت صبر في آخر جلسة، وهي تنظر إلى الأشبال الصغار يلعبون على حدّ النهر: «الطغيانُ لا يجيء مرّةً واحدة، يجيء كلَّ يومٍ بصوتٍ جديدٍ وبقولٍ لطيف: "أنت ضعيف، فلا شأن لك." والجواب عنه لا يحتاج إلى أنياب، بل إلى أن يبقى أحدٌ يرفع صوته، ويجد كثيرون من يسمعونه.»
وهذه الحكاية، على ألسنة الحيوان، تُروى لأصحاب العقول.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...
- التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال ...
- التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن ...
- التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية ...
- الثقافة العربية في إفريقيا: التفاعل الثقافي وبناء الهوية في ...
- الأدب العربي المكتوب بالفرنسية من منظور النقد التفاعلي الدكت ...
- المرأة الإفريقية والتحولات الثقافية قراءة تحليلية في ضوء منه ...
- تعليمية الأدب العربي في العصر الذكاء الاصطناعي الدكتور إبراه ...
- التعددية الثقافية والصراع والتعايش: قراءات فكرية في الأمن وا ...
- قصة الطوطم الزنجي والدمية الحمراء: حوار على حدود الهوية والث ...
- الثقافة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء: التعدد اللغوي والثق ...
- تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في العصر الرقمي: من الفص ...
- الشاعر محمد عمر الفال، دراسة تفاعلية في ضوء «مدرسة النقد الت ...


المزيد.....




- -يمكنك رؤية كل شيء- يحقق أكبر افتتاحية لفيلم وثائقي منذ عقود ...
- نبيل فهمي: دعم لبنان ووحدة أراضيه أولوية عربية.. ونسعى لترجم ...
- انطلاق أعمال الاجتماع التاسع عشر للجنة الفنية الاستشارية لمج ...
- أسرار الإرميتاج.. من إعجاب ترامب إلى تحديات الذكاء الاصطناعي ...
- من معرض -اللحظة والأبدية-.. الفن إبداع إنساني لا تستنسخه الخ ...
- وكيل حقوق الشيوخ: منتدى مصر 2026 يعزز ثقافة الحوار والاستماع ...
- لمنع اندثارها.. آبل تدعم اللغة الأصلية للهنود الحمر في لوحة ...
- تتويج 3 روائيين بجائزة -آسيا جبار- في الجزائر.. احتفاء بالسر ...
- بين كومتين من المخلفات وبلا حزام أمان.. فنانة تبهر الأنظار ب ...
- كيم كارداشيان بفستان عمره 75 عامًا في حفل أكاديمية المتحف ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون