أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....



حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 23:37
المحور: الادب والفن
    


فهرسُ الحكايات
1 .الطاووسُ
2.القندسُ وديوانُ الماء
3.جسرُ الثعلب
4.العقعقُ والملعقةُ والجرّار
5.صندوقُ اللقلق
6.الجرادُ الذي جاءَ بعقدٍ
7.الفرخُ المخطوف
8.العندليبُ في القفصِ الذهبي
9.القريةُ التي لا حارسَ لها
10.الأسدُ الذي قالَ: سننظر
11.الطريقُ الذي نصفُه عند الباب
12.مدرسةُ البومة
13.طابورُ الشهادات
14.النسرُ الذي لا يرى بعيدًا

مُقدّمة: الوادي الذي تغيّرَ اسمُه كان هذا الوادي يُسمّى «وادي الخُضرة»
وكان فيه بئرٌ عذبٌ، وطريقٌ يمتدُّ إلى السوقِ كخيطٍ أبيضَ في ثوبٍ أخضر، ومدرسةٌ صغيرةٌ سقفُها من قصبٍ وأطفالُها من كلِّ عُشّ، وجسرٌ من خشبٍ يعبرُ به الناسُ النهرَ ولا يقفونَ عليه طويلًا، وكان الناسُ فيه — أي الطيورُ والحيوانُ — يعملونَ ويأكلونَ وينامونَ ولا يسألونَ كثيرًا، لأنّ أحدًا لم يُعطِهم سببًا للسؤال،
ثمّ تغيّرَ الاسمُ،
لا في ليلةٍ واحدة، بل في أربعينَ سنةٍ صغيرةٍ لا يشعرُ بها أحد، جفَّ البئرُ فقالوا: «قِلّةُ المطر»، وتشقّقَ الطريقُ فقالوا: «قِلّةُ المطر»، وسقطَ سقفُ المدرسةِ فقالوا: «قِلّةُ المطر»
ثمّ سقطَ الجسرُ، فقالوا: «قِلّةُ المطر»، وتناقصَ الماءُ في الوادي حتى صارَ الناسُ يحملونَ جرّتَهم مسيرةَ نصفِ يوم، فقالوا: «قِلّةُ المطر»، وقلّتْ فرصُ العملِ حتى صارَ الشابُّ يقفُ في الطريقِ بعينينِ فارغتين، فقالوا: «قِلّةُ المطر»
وكان في الوادي بومةٌ عجوز، تُدرّسُ في المدرسةِ التي لا سقفَ لها، فلمّا سمعتِ الجملةَ للمرّةِ الألف، قالتْ:
«المطرُ يا سادةُ يسقطُ من السماءِ، ولا يُوقّعُ على عقود، وأنا لا أرى في الوادي شيئًا ناقصًا إلا شيئًا واحدًا: أنّ أحدًا لا يُسألُ،»
فأرسلَ الوادي إلى جميعِ سكّانِه: «هلمّوا إلى البئرِ الجافّةِ ليلةَ الخميس»، وجاءوا،
جاءَ الأسدُ فجلسَ في الصدر، وجاءَ الفيلُ فجلسَ خلفَه كالجبلِ الذي جاءَ ليسمع، وجاءَ الثعلبُ فجلسَ في وسطِ الحلقةِ حيثُ تُرى الوجوهُ كلُّها، وجاءَ الضبعُ فجلسَ عند مدخلِ الطريق،
وجاءَ القندسُ ومعه محفظةٌ من جلدِ السمك، واللقلقُ ومعه صندوقٌ صغيرٌ مقفل، والعقعقُ والغرابُ جنبًا إلى جنبٍ، والذئبُ على مبعدةٍ من النار،
وجاءَ الطاووسُ ففتحَ ريشَه فحجبَ نصفَ القمر، وجاءَ النسرُ فجلسَ على أعلى صخرةٍ ونظرَ إلى الأفقِ نظرةَ من لا يرى قريبًا، وجاءتِ البومةُ فجلستْ على حجرٍ مكسور، وجاءَ العندليبُ في قفصٍ صغيرٍ من ذهب، يحملُه صبيٌّ من أبناءِ الوادي، لأنّ العندليبَ لا يستطيعُ أن يمشيَ إلى المجلسِ بقدميه، وجاءتِ الأرانبُ جماعةً، والأغنامُ جماعةً، والعصافيرُ جماعةً لا تُحصى، وجاءَ الهُدهدُ آخرَ الكلِّ، فوضَعَ الدفترَ على رُكبتِه، وقال: «أنا أكتب، ولا أكتبُ ما يُقالُ لكي يُصفَّقَ لقائلِه، بل لكي يُقرَأَ بعدَنا، فمن أرادَ أن يُجمّلَ فليصمُت »
وسكتَ الوادي، ورفعَ القمرُ رأسَه من وراءِ الصخرِ كشاهدٍ لا يُستدعى
وقالتِ البومة:
سنحكي أربعَ عشرةَ حكاية، كلُّ حكايةٍ علّةٌ من عللِ هذا الوادي، على لسانِ من رأى بعينه، ولا نطلبُ في هذه الليلةِ حلًّا، فإنّ الحلَّ لا يُكتَبُ في الليلِ بينَ حيواناتٍ خائفة؛ نطلبُ أن نعرفَ اسمَ الداء، فإنّ من عرفَ اسمَ دائه نصفُ شفاء »
فبدأتِ الحكايات

الحكاية الأولى: الطاووسُ الذي انتُخِبَ قبلَ أن يُنتخَب
قالَ الغرابُ — وكان يُمسِكُ القلمَ في الديوانِ في تلك السنة:
«كنّا نُريدُ حاكمًا، فقلنا: لا نُريدُ حاكمًا يُورَث، بل نُريدُ حاكمًا يُنتخَب، وكان هذا كلامًا حسنًا، وأظنُّ أنّنا لم نُخطئْ في الكلامِ، إنّما أخطأنا في الصندوق،
جمعَ الوادي ريشَه، لكلِّ طائرٍ ريشةٌ واحدة، تُلقى في صندوقٍ من طين، وكان في الصندوقِ ثقبٌ صغير، يُقالُ إنّه للتهوية،
جلسَ على الصندوقِ زاغٌ أسودُ اسمُه «مِفتاح»، وقال: أنا العدّاد، قيلَ: ولماذا أنت؟ قال: لأنّي أسرعُ في الحساب، ولم يسألْه أحدٌ: ومَن يُحاسِبُ الحاسب؟
أُغلقَ الصندوقُ عند العصر، وقالوا: نعُدُّ في الصباحِ أمامَ الجميع، لأنّ الشفافيةَ نور، ثمّ انطفأَ القمر، وبقيتِ النارُ مشتعلةً أمامَ الصندوقِ حتى الفجر، والنارُ أمامَ الشيءِ لا تُضيءُ الشيء، بل تمنعُ رؤيتَه من ورائه،

وفي الفجرِ فُتِحَ الصندوق،
فإذا ريشُ الطاووسِ جبلٌ، وريشُ غيرهِ حَبّات، فصفّقَ الوادي، وقال: الإرادةُ واضحة،
ثمّ حدثَ شيءٌ صغيرٌ لم يلاحظْه أحدٌ إلّا العقعق، لأنّ العقعقَ يُحبُّ اللامعَ فيلاحظُ كلَّ شيء،
قالَ العقعق: «هذه الريشاتُ كلُّها من طائرٍ واحد، انظروا: في كلِّ ريشةٍ بصمةُ العينِ نفسُها، هذه ريشاتُ العقعقِ التي طرحتُها في الخريف، وقد جُمِعتْ من الأرضِ وأُعيدتْ إلى الصندوق،»
فسكتَ الوادي، ثمّ ضحكَ زاغٌ آخرُ وقال: «وهل الريشُ يُسأل؟ الريشُ ريش،»
فقالتِ البومةُ: «الريشُ لا يُسأل، لكنّ مَن يعدُّ يُسأل، وأنتم لم تُنتخِبوا حاكمًا، أنتم انتخبتم عدّادًا،»
وحكمَ الطاووسُ أربعَ سنوات، ولم يكنْ حاكمًا سيّئًا في نفسِه؛ كان مشغولًا بذيلِه، وهذا في الحكمِ ليسَ صِغرًا بل هو كلُّ الشيء، قالَ في خطبةِ التتويج: «أنا لا أُحبُّ السلطة، أنا أُحبُّكم»، وكان يقولُها ويصدُق، لأنّه كان يحبُّ أنفسَنا فيه.


الحكاية الثانية: القندسُ وديوانُ الماء
قالَ القندسُ، وقد فتحَ محفظتَه ومسحَ جبهتَه بذيلِه:
«أنا أُحبُّ الماءَ، وهذا معروفٌ عنّي، ولذلك اختارني الوادي مسؤولًا عن الماء، فقلتُ: هذا شرف، ثمّ فعلتُ ما يفعله كلُّ مسؤولٍ مُحترم: أنشأتُ مكتبًا،
ثمّ إنشاءُ المكتبِ يحتاجُ إلى مكتبٍ يُجيزُ إنشاءَه، فأنشأتُ مكتبَ الإجازة، ولمّا كثُرَ العملُ في مكتبِ الإجازة، أنشأتُ مكتبَ متابعةِ الإجازة، ثمّ ظهرتْ حاجةٌ إلى مكتبٍ يُراقِبُ المتابعة، فأنشأتُه، ثمّ إلى مكتبٍ يُحاسِبُ المراقبة، فأنشأتُه، وصارَ في الوادي سبعةُ مكاتبَ للماء، ولا يزالُ الماءُ في النهرِ كما هو، لا يزيدُ ولا ينقص،
وصارَ لكلِّ مكتبٍ خاتمٌ، ولكلِّ خاتمٍ حبرٌ، ولكلِّ حبرٍ ثمن
وجاءَ الثورُ يريدُ أن يسقيَ حقلَه، فقالوا له: تحتاجُ تصريحًا، قال: وما التصريح؟ قالوا: ورقةٌ فيها خاتمٌ، قال: ومن يُعطي الخاتم؟ قالوا: المكتبُ الذي يُجيزُ السقي، قال: وأين هو؟ قالوا: في الطابقِ الثاني، ولكنْ يجبُ أن تُقدّمَ أوّلًا إلى مكتبِ الطلبِ، ولا يُقبلُ الطلبُ إلا بشهادةٍ من مكتبِ الأرض، ولا تُعطى الشهادةُ إلا بعدَ أن تُثبِتَ أنّك تسقي.
قالَ الثور: «أنا لا أُريدُ أن أسقي، أُريدُ أن أشرب »
فقالوا: «الشربُ قسمٌ آخر »
فجلسَ الثورُ على الأرضِ، وجلسَ أمامَه قندسٌ صغيرٌ في مكتبٍ صغير، وقال له بصوتٍ إداريّ: «املأ الاستمارة»، والاستمارةُ فيها سؤالٌ واحدٌ في ثلاثِ صفحات: «اكتبْ لماذا تحتاجُ الماء»،
فكتبَ الثورُ: «لأنّي عطشان»،
فرُفضَ الطلبُ، لأنّ الجوابَ «غيرُ مؤسَّسي»،
وفي السنةِ الثالثة، جاءتِ اللجنةُ لتفتحَ قناةً تُوصِلُ الماءَ إلى الحقول، فاجتمعتِ اللجانُ، وتناقشتِ المكاتبُ، ووُضِعَ حجرُ الأساسِ، وأُقيمَ حفلٌ، وقُطِعَ شريطٌ، وشُرِبَ شايٌ، ثمّ انصرفوا، والقناةُ لم تُحفَر، لأنّ حفرَها من صلاحيةِ مكتبٍ آخر، لم يُولَدْ بعد.

الحكاية الثالثة: جسرُ الثعلب
قالَ الثعلبُ، وهو يُديرُ ذيلَه كمن يُديرُ فكرةً راقتْ له:
«أنا سأحكي عليّ، لأنّ الحكايةَ إذا جاءتْ من صاحبِها صارَتْ درسًا، وإذا جاءتْ من خصمِه صارَتْ شكوى،
كان في الوادي نهرٌ، وكان فيه جسرٌ من خشب، سقطَ الجسرُ في الشتاء، وماتَ في سقوطِه جدّي في الرابعِ — ولا أذكرُه، لكنّ أمي كانتْ تبكي كلّما مرَّتْ بالمكان

فقلتُ للوادي: أنا أعرفُ الطريقَ إلى الذي يُعطي إذنَ الجسر، ففرِحَ الوادي، وجمعَ لي مئةَ حبّةٍ من القمحِ، وقال: اذهبْ، فهذا حقُّ الطريق
فذهبتُ
فقالَ لي الحاجبُ: الإذنُ يحتاجُ إلى «كرم»، تُقدّمَ «هديّة» لمسؤولٍ في يومِ عيدِه، فهذا من أدبِ الطريق، ومن «العُرفِ الإداريّ»،
فأعطيتُ الهديّة، فقيلَ لي: الهديّةُ تُقدَّمُ بعدَ الموافقة، لا قبلَها، فأعطيتُ أخرى للذي يُوقّعُ الموافقة، ثمّ قيلَ لي: الموقّعُ لا يُوقّعُ إلا بحضورِ شاهدٍ من مكتبِ الشهود، وشاهدُ الشهودِ له «حقُّ قلم»، فأعطيتُ، ثمّ قيلَ لي: الملفُّ ناقصٌ، وفيه خطأٌ في الاسم، ويجبُ أن «يُدارَ» الخطأ، فأعطيتُ، وأنا أضحكُ ضحكةً قصيرةً كأنّها سُعال
وبُنِيَ نصفُ الجسر
نصفُه فقط: من الضفّةِ إلى منتصفِ النهر، لأنّ المالَ وصلَ إلى منتصفِ الطريق، كما تصلُ الأمانةُ عادةً إلى منتصفِ الطريق،
فقلتُ للوادي: بقيَ نصفٌ، فقالوا: الميزانيةُ انتهت، فقلتُ: وأين ذهبتْ؟ قالوا: في الإجراءات،
فنظرتُ إلى الجسرِ الناقصِ، ونظرَ إليّ الجسرُ الناقص، وقلتُ لنفسي: هذا ليسَ جسرًا، هذه شهادةُ ميلادٍ لمشروعٍ لن يُولَد
ثمّ عبرتُ النهرَ على شجرةٍ ساقطة، كما يعبُرُ الناسُ في هذا الوادي دائمًا: على الأشياءِ التي لم يبنِها أحد


الحكاية الرابعة: العقعقُ والملعقةُ والجرّار
قالَ العقعقُ، وقد كان الوحيدَ في الحلقةِ الذي يُنظَرُ إليه باتّهام:
«الوادي كلُّه يعرفُ عنّي أنّ السارق يحبُّ اللامع، وسرق ملعقةً من عُشِّ الحمامة، وقلمًا من مكتبِ القندس، وخاتمًا من مِسمارِ الباب، يقرُّ بذلك السارق أمام الحاكم،
لكن اسمعوا الحكايةَ كاملة،

في تلك السنةِ نفسِها، جفَّ مخزنُ الحبوبِ في الوادي، ولم يجِفَّ من قِلّةِ المطر، بل من قِلّةِ الحساب، كان في المخزنِ ألفُ كيسٍ في الصيف، وفي الخريفِ فُتِحَ المخزنُ فإذا فيه ثلاثُ مئة،
فقالَ الغرابُ — وكان أمينَ المخزنِ —: «الجرذان»، وصدّقَ الوادي، لأنّ الجرذانَ كثيرة، والغرابَ يقرأُ ويَكتُبُ ويلبَسُ رداءً أنيقًا،
فقالَ القنفذُ: ولماذا لم نرَ جرذًا واحدًا يحملُ كيسًا؟ قالَ الغرابُ: «الجرذانُ تعملُ في الليل»،
فقالتِ البومةُ: وأنا أعملُ في الليل، ولم أرَ جرذًا يحملُ كيسًا، فرُدَّ عليها بأنّها «مُتشائمة» و«تُحبُّ الإرجاف»،
وفي السنةِ التاليةِ، نقصَ المخزنُ مرّةً أخرى، فقيلَ: «الجرذان»، ثمّ نقصَ في الثالثة، فقيلَ: «الجرذان»، حتى صارَ في الوادي جيلٌ من الجرذانِ لا يعرفُ شيئًا عن الحبوب، ويُحاسَبُ عن ألفِ كيس، فهمتُه ليلةً، حين رأيتُ الغرابَ يُوقّعُ ورقةً فيها: «الجرذانُ أكلت ألفَ كيس» — وكان يوقّعُ بقلمي.

الحكاية الخامسة: صندوقُ اللقلق
قالَ اللقلقُ، وقد وضَعَ الصندوقَ الصغيرَ أمامَه على الأرضِ، وكان مقفلًا بقفلٍ صغيرٍ جدًّا:
«هذا صندوقُ «صندوقِ الحبوبِ والتعويضات»، فيه مالُ الوادي: للأرملةِ، وللمريضِ، ولمن سقطَ سقفُ عُشِّه،
وأنا أمينُه منذُ اثنتَي عشرةَ سنة، وأنا طائرٌ نظيف، تطيرُ بي السماءُ ولا تحملُني على الأرضِ إلا لحاجة، ولهذا اختاروني، لأنّي «لا أملكُ يدين»، كما قالوا، وأنا لا أُنكرُ أنّ لي جناحين، والعُرفُ لا يرى في الجناحِ يدًا،
في السنةِ الأولى، كان في الصندوقِ مئةُ كيس، وفي الثانيةِ ثمانون، وفي الثالثةِ ستّون، وفي الرابعةِ أربعون،
ولم يكنْ أحدٌ يسرِق
كانتْ هناك «نفقاتٌ نثرية»
ونفقاتٌ «تشغيلية»
ونفقاتٌ «طارئة»
ونفقاتٌ «غيرُ قابلةٍ للتصنيف» — وهذه أعجبُها، لأنّها البندُ الذي يستوعبُ ما لا يستوعبُه الضمير،
وكان في آخرِ كلِّ سنةٍ تقريرٌ، وكان التقريرُ يكبرُ كلَّ سنة: ثلاثُ صفحات، ثمّ عشر، ثمّ أربعون، ثمّ مئة، وكان الصندوقُ يصغُرُ كلَّ سنة، والتقريرُ يكبر،
فقالَ القنفذُ مرّةً: «لماذا يكبرُ التقريرُ ويصغُرُ الصندوق؟» فقيلَ له: «لأنّ الشفافيةَ تحتاجُ إلى صفحات»،
وفي السنةِ العاشرة، جاءتِ الأرملةُ تطلبُ تعويضَ سقفِها، فبحثوا في الصندوقِ فوجدوا ورقةً تقولُ: «الصندوقُ مُفرَّغٌ لأسبابٍ إدارية»، وسألتِ الأرملةُ: «وأين ذهبَ؟» فقيلَ لها: «إلى الإجراءات»،
فقالتِ الأرملةُ جملةً لم أنسَها: «الإجراءاتُ تأكلُ، وأنا لا آكل،»
فسكتَ اللقلقُ ساعةً، ثمّ قال:
«وأنا كنتُ أظنُّ نفسي بريئًا، لأنّي لم أمدَّ يدًا، ثمّ فهمتُ أنّ في هذا الوادي أنواعًا من السرقة: سرقةً باليد، وسرقةً بالتوقيع، وسرقةً بالسكوت.

الحكاية السادسة: الجرادُ الذي جاءَ بعقدٍ
قالتِ الأغنامُ، وكانتْ تتكلّمُ للمرّةِ الأولى، وكان صوتُها خفيضًا كأنّها تخافُ أن يُسمَع:
«لا نعرفُ السياسة، ولا نعرفُ الكلماتِ الكبيرة، نحن نعرفُ العُشب، وحين يأتي من يأكلُ العُشبَ، نعرفُه
في ربيعِ تلك السنة، جاءَ الجراد،
لم يأتِ كاللصوص، بل جاءَ كالوفد، جاءَ ومعه ورقةٌ كبيرةٌ عليها خاتمٌ كبير، وقال قائدُه: «نحن مستثمرون، سنُطوّرُ المراعي، وسنُوفّرُ فرصًا، وسنُعيدُ توزيعَ الثروة»،
فقالتِ الأغنامُ: «لكنّكم تأكلون العُشب،»

فقالَ الجرادُ: «نحن لا نأكل، نحن نُدير،»
وأكلَ،
أكلَ في النهارِ أمامَ الجميع، لأنّ الورقةَ كانتْ تُجيزُه، وأكلَ في الليلِ أكثر، ولمّا انتهى، قال: «المراعي لم تكنْ جاهزةً للاستثمار»، ثمّ طارَ، وتركَ الورقةَ معلّقةً على شجرةٍ ميّتة،
فسألتِ الأغنامُ: مَن أعطاهُ الورقة؟ فقيلَ: «الديوان»،
فسألتْ: ومَن في الديوان؟ فقيلَ: «المسؤول»،
فسألتْ: ومَن المسؤول؟ فقيلَ لها ما يُقالُ لكلِّ سائلٍ في هذا الوادي:
«المسؤولُ ليسَ موظّفًا، المسؤولُ وظيفة، والوظيفةُ لا تُسأل، الوظيفةُ تُخاطَب،»

الحكاية السابعة: الفرخُ المخطوف
قالتِ العصافيرُ، وكانتْ تحكي واحدةٌ منهنّ وأخواتُها يُمسِكْنَ أطرافَ الحديثِ من الخوف:
«في يومِ سوقٍ، اختفى فرخُ «أُمِّ سعد»،
كان صغيرًا، ريشُه لم ينبُتْ كلُّه، وكان يُقلّدُ صوتَ أبيهِ إذا جاءَ بالحَبّ،
بحثنا في كلِّ شقٍّ، وفي كلِّ سقفٍ، وكتبنا على ورقٍ صغيرٍ وعلّقناه على الأشجار: «مفقود»، ولم نكتُبْ كلمةَ «مخطوف»، لأنّنا لم نكنْ نعرفُ بعدُ أنّ في الوادي مَن يخطِف،
وفي الليلةِ الثانية، جاءتْ ورقةٌ تحتَ الباب: «الفرخُ بخير، عشرة أكياسِ حبوب، لا تُبلِغوا أحدًا، فالذي يُبلِغُ لن يرى فرخَه،»
عشرةُ أكياس، وهي كلُّ ما في العُشِّ، وما في عُشِّ الجيران، وما في عُشِّ الجيرانِ الآخرين،
فدفعنا،

وأعادوا الفرخَ في الثالثة، صحيحًا، بلا ريشةٍ ناقصة، كأنّهم أعادوا سلعةً لم تُستعمَل، ولمّا بكَتْ أمُّه، قالَ الذي جاءَ به: «لا تبكِ، نحن لا نؤذي أحدًا، نحن نُحصِّلُ فقط،»
فقلنا: نُبلِغُ،
فقلنا: بمَن نُبلِغ؟ الحارسُ؟ الحارسُ يأخذُ من كلِّ عُشٍّ حبّةً على «الحماية»، ولا يعرفُ عن الاختطافِ شيئًا، أو يعرفُ ولا يُريدُ أن يعرف،
فقلنا: نُبلِغُ الديوان، فقالَ لنا الديوانُ: «قدّموا شكوى مكتوبة»، فقدّمنا، ثمّ قالوا: «الشكوى بلا شهود،» فجئنا بشهود، ثمّ قالوا: «الشهودُ من أهلِكم، فلا تُقبَلُ شهادتُهم،» ثمّ قالوا: «تقدّموا في الموسمِ القادم»،
وفي الموسمِ القادم، كان في الوادي ثلاثةُ أفراخٍ مفقودين، وأمٌّ واحدةٌ لم تكتبْ شيئًا، لأنّها لم تكنْ تعرفُ القراءة،
فاجتمعنا نحن العصافيرُ — هذا هو الجزءُ الذي أُحبُّ أن تُسمعوه — فقسّمنا الواديَ إلى أربعِ جهاتٍ، وجعلنا في كلِّ جهةٍ عينًا لا تنامُ، وصِرنا نُصوِّتُ بعضُنا لبعضٍ بصوتٍ لا يفهمُه غيرُنا، وفي شهرينِ، عرفنا الشِّقَّ الذي تُخفى فيه الأفراخ، وحملنا الخبرَ إلى الوادي كلِّه، وجاءَ الجميعُ — لأنّ الخبرَ صارَ خبرَ الجميع

الحكاية الثامنة: العندليبُ في القفصِ الذهبي
قالَ العندليبُ، وكان القفصُ على الأرضِ أمامَه، وبابُه مفتوحٌ فعلًا:
«انظروا: البابُ مفتوح، وأنا لا أخرج،
وسأحكي لكم لماذا؛ فأنتم تظنّونَ أنّ الحريةَ بابٌ يُفتَح، الحريةُ ليستْ بابًا يُفتَح، الحريةُ أن لا يكونَ في البابِ قفلٌ من الداخل،

في السنةِ الأولى، كنتُ أُغنّي ما أشاء، فسجّلوا صوتي، وقالوا: جميل، وفي الثانيةِ قالوا: غنِّ لنا في الحفلِ الكبير، فغنّيتُ، وفي الثالثةِ قالوا: غنِّ في الحفلِ الكبيرِ ولا تغنِّ في غيره، فالحفلُ الكبيرُ يكفي، وفي الرابعةِ أعطوني قفصًا من ذهب، وقالوا: هذا تكريمٌ، لأنّك أفضلُ صوتٍ في الوادي.
وفي الخامسةِ قالوا: لا تُغنِّ كلماتٍ فيها «لماذا»،

وفي السادسةِ قالوا: لا تُغنِّ كلماتٍ فيها «متى»
وفي السابعةِ قالوا: لا تُغنِّ عن الحبِّ، فالحبُّ يُشغِلُ الناسَ عن العمل
وفي الثامنةِ قالوا: غنِّ عن الحبِّ، فالحبُّ يُشغِلُ الناسَ عن السؤال
وفي التاسعةِ أعطوني جائزةً، وكان في شهادةِ الجائزةِ سطرٌ صغيرٌ لا يقرأُه أحد: «تُمنَحُ هذه الجائزةُ مقابلَ الالتزامِ بالخطِّ الفنّيِّ المعتمَد»، والخطُّ الفنّيُّ المعتمَدُ هو أن أُغنّي ولا أقول،
وأنا أُغنّي، والوادي يُصفّق، وأنا أعرفُ أنّ في صوتي سلكًا، لأنّ الصوتَ الذي لا يستطيعُ أن يقولَ «لا» صارَ آلةً، والآلةُ تُصفَّقُ ولا تُحَبّ،
سألني الطاووسُ مرّةً: «ولماذا لا تخرجُ؟ البابُ مفتوح،» فقلتُ له: «لأنّي لو خرجتُ، لأكلتُ الحَبَّ من الأرضِ مع العصافير، ولما بقيَ لي قفصٌ يُشبِهُ اسمي، وأنا لم أعُدْ أعرفُ من أنا إذا لم يكنْ لي تكريمٌ يُذكّرُني،»
ثمّ بكى العندليبُ بكاءً قصيرًا، ثمّ قال:
«لكنّي أقولُ لكم شيئًا واحدًا، وهو آخرُ ما بقيَ لي: أنا لم أُسلَبْ صوتي، أنا أسلَمتُه، والذي يُسلِمُ صوتَه مرّةً، يجدُه في يدِ غيره بعدَ سنين، ويقولُ: هذا صوتي، فيُقالُ له: أثبِتْ،»
الحكاية التاسعة: القريةُ التي لا حارسَ لها

قالَ الأرنبُ «أبو القفز»، وكان قد جاءَ بولدِه يمشي على ثلاثٍ:
«في قريتنا حارسٌ، اسمُه في الأوراقِ «الحارس»، وفي فمِ الناسِ «الغائب»،
كان يجلسُ عند مدخلِ القريةِ من العصرِ إلى المغربِ، ومعه عصًا طويلة، ولم يكنْ يُخيفُ أحدًا، لأنّه لم يكنْ يستطيعُ أن يُخيفَ نفسَه،
وكان رزقُه من أهلِ القرية: حَبّةٌ من كلِّ عُشٍّ في كلِّ شهر، فلمّا غلا كلُّ شيء، قالوا: نُؤجّلُ الحبّةَ هذا الشهر، ثمّ الشهرَ الذي بعده، حتى صارَ له عندنا ثمانيةُ أشهرٍ لم تُدفَع،
فقالَ يومًا: «أنا أحمي وأنا جائع؟» فذهبَ، ولم يقلْ أحدٌ له: «ابْقَ، وسنُعطيك»، لأنّ أحدًا لم يكنْ يعرفُ أنّ الأمنَ يُشبِعُ صاحبَه قبلَ أن يُشبِعَ الناس،
وفي الأسبوعِ الثاني، جاءَ الذين لا يأتونَ إلا حين يغيبَ الحارس،
أخذوا خروفًا، ثمّ خروفًا، ثمّ دخلوا بيتًا، ولم يصرُخْ أحدٌ، لأنّ الصراخَ في قريةٍ بلا حارسٍ صارَ خطرًا إضافيًّا: يُنبِهُ السارقَ، ولا يُنبِهُ أحدًا غيره،
فقلنا: نضعُ «فزّاعة»، وضعناها عند المدخل، كانتْ تُخيفُ الطيورَ ولا تُخيفُ اللصوص، ثمّ جاءَ المطرُ فبلَّها، فلمّا جفَّتْ، عرفنا ممّ صُنِعَت: من «بَدلةِ الحارس»، كانوا قد أخذوا بدلتَه من بيتِه، لأنّها كانتْ في الدَّين،
فقلتُ لجيراني: لن يبقى لنا إلا شيءٌ واحد — أن نُقسّمَ الحراسةَ بيننا: كلُّ عُشٍّ يُناوِبُ ليلةً في الشهر، ففعلنا، وفي أولِ ليلةٍ، وقفَ الأرنبُ الصغيرُ بعصًا أطولَ منه، وسألَ أبوه: «هل نحن آمنون؟» قالَ: «لا، لكنّنا لم نعُدْ وحدَنا،»

الحكاية العاشرة: الأسدُ الذي قالَ: سننظر
قالَ الثعلبُ، وهو ينظرُ إلى الأسدِ نظرةً فيها ما فيها:
«أنا لا أحكي عن أحدٍ باسمه، فليطمئنَّ صاحبُ الصدر،
كان في الوادي ملكٌ، وكان كريمًا، وكان شجاعًا، وكان إذا سمعَ شكوى يُصغي إليها كأنّ الدنيا كلَّها في الشكوى، ثمّ يقولُ كلمةً واحدة، وكانتْ كلمةً عظيمةً في هذا الوادي، لأنّها تُشبِهُ الحلَّ ولا تُكلِّفُ شيئًا:

«سننظرُ في الأمر،»
فجاءَه الثورُ: الماءُ قلّ، قالَ: سننظرُ
وجاءَه الخروفُ: العُشبُ نضَب، قالَ: سننظرُ
وجاءَه العصفورُ: الاختطافُ، قالَ: سننظرُ
وجاءَه النسرُ: الجرادُ حاملٌ عقدًا، قالَ: سننظرُ
وجاءَه الأرنبُ: الطريقُ انقطع، قالَ: سننظرُ
وجاءَته البومةُ: المدرسةُ سقطَ سقفُها، قالَ: سننظرُ

وكان «سننظرُ» تُنشئُ لجنة، واللجنةُ تُنشئُ لجنةً فرعية، والفرعيةُ تُعِدُّ تقريرًا، والتقريرُ يُرفَعُ إلى لجنةِ التوفيقِ بينَ اللجان، ولجنةُ التوفيقِ تجتمعُ في الخريفِ وتُؤجِّلُ إلى الربيع، لأنّ نصفَ أعضائها في الخارج
وبينَ الخريفِ والربيع، جفَّتْ بئرٌ أخرى،
وفي السنةِ العاشرة، صارَ في الوادي أربعونَ لجنةً وعشرونَ تقريرًا وأربعُ بئرٍ جافّةٍ وثلاثُ مدارسَ مُغلَقةٍ، وأنا أعرفُ الأرقامَ لأنّي كنتُ أُراقِبُها، لا لأنّي أُحبُّها،
فقالَ الملكُ يومًا، وقد كَبِرَ: «لماذا لا يُنفَّذُ شيء؟»
فسكتَ الوادي، ثمّ قالَ الفيلُ، وكان أصدقَ الحاضرينَ وأثقلَهم: «لأنّك يا مولاي لا تسألُ: مَن؟ متى؟ بأيّ مال؟ ومَن يُعاقَبُ إن لم يفعَل؟ أنت تسألُ: هل هناك مشكلة؟ وهذا سؤالٌ يُجابُ عنه دائمًا بنعم، ثمّ يُنسى،»

فسكتَ الملكُ طويلًا، ثمّ قال، وهذه المرّةُ لا في ديوانٍ ولا أمامَ لجنة:
«سننظر،»
وضحكَ الوادي، لا سخريةً، بل حزنًا، لأنّ الجميعَ فهمَ في تلك اللحظةِ أنّ المشكلةَ ليستْ في الملك، بل في أنّ الواديَ قَبِلَ أن يكونَ «سننظر» جوابًا كاملًا لأربعينَ سنة،
الحكاية الحادية عشرة: الطريقُ الذي نصفُه عند الباب
قالَ الثورُ، وكان قد جاءَ يمشي على حافرٍ متشقّق:
في قريتنا طريقٌ، أو نصفُ طريق
قيلَ لنا: سيُبنى الطريقُ من القريةِ إلى السوق، اثنا عشرَ كيلًا، تختصِرُ علينا أربعَ ساعاتِ مشيٍ في الوحل، ففرِحنا فرحًا لا يُوصَف، وأسمَينا أولادَنا بأسماءِ من قالوا الكلام،
وجاءتِ الجرّافةُ في الربيع، وأكلتِ الطريقَ في الجهةِ الأولى، وبنتْ كيلومترينِ من الأسفلتِ الأسود، ثمّ توقّفتْ،
فقلنا: لماذا توقّفتْ؟ قالوا: المالُ انتهى في نصفِ الطريق
فنظرنا إلى نصفِ الطريقِ الأسود، فوجدناه ينتهي عند بابِ حوشٍ كبير، لأخي المسؤولِ عن الطريق، وأمامَ حوشِه صارَ الأسفلتُ واسعًا كساحةٍ، ثمّ انقطعَ فجأةً كأنّ الأسفلت خافَ من الوحلِ الذي بعدَه،

فقلنا: ولماذا ينتهي عند هذا الباب؟
فسكتوا، ثمّ قالَ أحدُهم — وكان ذكيًّا: «هذه أوّليةُ تشغيل، والطرقُ تُبنى على مراحل،» فقلنا: وما المرحلةُ الثانية؟ قال: «في الموازنةِ القادمة»، وكانتِ الموازنةُ القادمةُ في كلِّ سنةٍ «قادمة»،
وفي الشتاءِ، مرضَ ولدُ جارتِنا، فحملناه على أكتافِنا في الوحلِ أربعَ ساعاتٍ إلى السوقِ، وهو يهذي، وصلنا عند الفجر، فأنقذَه الطبيبُ، وقال كلمةً واحدة: «متأخّرونَ بساعة»،
فقلتُ له: «نحن لم نتأخّرْ يا حكيم، نحن سكّانُ نصفِ طريق،»
الحكاية الثانية عشرة: مدرسةُ البومة
قالتِ البومةُ، وكانتْ تمسحُ بجناحِها غبارَ حجرٍ مكسور:
«هذا الحجرُ كانَ جُزءًا من سقفِ مدرستي،

ستّونَ فرخًا في غرفةٍ واحدة، من كلِّ نوعٍ: عصافيرُ وأرانبُ وصغارُ ثعالبَ وحمامٌ، ومعلّمةٌ واحدةٌ — أنا، وكانتْ في الغرفةِ لوحةٌ سوداءُ، وفي اللوحةِ خطأٌ إملائيٌّ لم يمحُه أحدٌ منذ سنة، لأنّ الطبشورةَ قليلة،

وكنّا نُدرّسُ بالترتيب: يقرأُ هذا، ويُمسِكُ الآخرُ الكتابَ معه، لأنّ الكتابَ واحدٌ لكلِّ ثلاثة، وكانتِ الفراخُ تتحرّكُ حركةً عجيبةً إذا قلَّ الكتابُ: تتقاربُ، وتُساعِدُ بعضَها، ويُصبحُ التعلُّمُ فعلًا جماعيًّا، ولم أُرِدْ أن أقولَ لكم هذا، لأنّي لا أُريدُ أن تُصفّقوا للفقيرِ على فقرِه؛ الفقرُ ليسَ فضيلة، الفقرُ عَيبٌ على من صنعَه، لا على من وقعَ فيه،
ثمّ في سنةٍ، جاءَ المطرُ، فسقطَ نصفُ السقف، فأغلقتِ المدرسةُ «للترميم»،
وأنا أعرفُ في هذا الوادي معنى كلمةِ «للترميم»: هي الكلمةُ التي تُقالُ عند إغلاقِ الشيءِ إلى الأبد،
مرّتْ سنتان، ولم يُرمَّمْ شيء، ثمّ رأينا شاحناتٍ تُفرِغُ أكياسًا في المدرسةِ المُغلَقة، فسألنا: ما هذا؟ قيلَ: «مخزنٌ مؤقّت»، والمخزنُ المؤقّتُ في هذا الوادي يُقيمُ إقامةً دائمة،
فسألتُ: وأين يدرسُ الفراخ؟ قالوا: «تحتَ الشجرة»،
فصرتُ أُدرّسُ تحتَ الشجرةِ ثمانيَ سنوات، وأنا بومةٌ، والبومةُ لا تُحبُّ الشمس، وأنا أُدرّسُ في الشمسِ لأنّ الشجرةَ لا تُظلِّلُ ستّينَ فرخًا، فصرتُ أُدرّسُ وأنا أُغمِضُ عينيَّ، وكان الفراخُ يظنّونَ أنّ الإغماضَ من الحكمة، وأنا أُغمِضُ من الألم،
وفي السنةِ التاسعة، بُنِيَ في الوادي «مركزٌ تربويٌّ نموذجيٌّ»: مبنى جميلٌ، ولوحةٌ كبيرةٌ عليها اسمُ الوزير، وبابٌ زجاجيٌّ، ولم يدخلْه فرخٌ واحد، لأنّ المبنى بُنيَ في مكانٍ لا يسكنُه أحد، ولأنّ الموازنةَ كانتْ للمبنى لا للمعلّمين، ولأنّ من بناه أرادَ صورةً لا مدرسة،
فقلتُ للوادي جملةً واحدةً، وأرجو أن تُكتَبَ في الدفتر: «المدرسةُ ليستْ مبنًى فيه أطفال؛ الأطفالُ هم المدرسةُ، والمبنى صندوقٌ يحميهم من المطر، ومن بنى الصندوقَ وأغلقَه على الأطفالِ، فقد بنى قبرًا جميلًا،»

الحكاية الثالثة عشرة: طابورُ الشهادات
قالَ ابنُ النجّارِ، وكانتْ شهادتُه في جيبِه تُستخدَمُ مروحةً:

«أنا خرّيجُ «المعهدِ العالي»، أربعُ سنواتٍ، وشهادةٌ بخاتمٍ ذهبيّ، واسمي مكتوبٌ بخطٍّ جميل،
قالوا لنا في حفلِ التخرّج: «أنتم مستقبلُ الوادي»، وصدّقنا، لأنّ الشبابَ يُصدّقُ كلَّ شيءٍ يُقالُ له بصوتٍ عالٍ،
وفي الصباحِ التالي، وجدنا في الوادي طابورًا، طابورٌ طويلٌ، فيه كلُّ من تخرّجَ في عشرِ سنوات، وكلُّ من لم يتخرّجْ ويريدُ عملًا ليُعيلَ أباه، وكان الطابورُ يتحرّكُ كلَّ سنةٍ خُطوةً، وخطوتُنا للخلفِ أكبر،
وسألنا: هل هناك وظائف؟ قالوا: «هناك «خطةُ تشغيل»»، فقلنا: وما الخطة؟ قالوا: «ثلاثةُ آلافِ مقعد»، فقلنا: ومتى؟ قالوا: «قريبًا»، فقلنا: وما معنى «قريبًا»؟ قالوا: «قريبًا»
وفي السنةِ الثانية، صارَ الطابورُ سوقًا
لا أقولُ هذا مجازًا، صارَ في الطابورِ من يبيعُ «مكانًا في المقدّمة»، ومن يبيعُ «معرفةً بالمسؤول»، ومن يبيعُ «ورقةً تُساعِدُ في الملف»، وكانتْ أسعارُهم معلومةً كما تُعرَفُ أسعارُ البِطِّيخِ في الصيف: كلّما اقتربَ إعلانٌ، غلا السِّعر،
فقلتُ لأبي: أنا خرّيجٌ، وأنا أستطيعُ أن أُدرّسَ وأنا في الطابور، قال: «مَن يُدرِّسُ في الطابور؟» قلتُ: «مَن يعرفُ شيئًا، ولا يجدُ مكانًا يُعلِّمُ فيه،»
فصرتُ أُدرّسُ في الطابور: أنا وشابٌّ آخرُ من خرّيجي الحساب، وفتاةٌ من خرّيجي الطبّ تُعلّمُ الإسعافاتِ الأوّلية، وصارَ الطابورُ مدرسةً، وهذا مضحكٌ ومُبكٍ في الوقتِ نفسِه: أنّ أفضلَ مكانٍ للتعلّمِ في الوادي كانَ طابورَ العاطلين،
ثمّ جاءَ الإعلانُ، ومعه شرطٌ لم يكنْ في الإعلانِ الأوّل: «خبرةٌ سنتان»، وأنا خرّيجُ الأمس، فقلتُ: ومن يُعطيني الخبرةَ إن لم تُعطِني وظيفة؟ فقيلَ لي جملةً سمعتُها كثيرًا حتى صارتْ في رأسي كالنَّغمة:
«هذه هي الشروط، ونحن لا نصنعُ الشروط،»
الحكاية الرابعة عشرة: النسرُ الذي لا يرى بعيدًا
قالَ النسرُ، وكان على أعلى صخرةٍ، وكانتْ عينُه ملفوفةً بشريطٍ رقيقٍ من كتّان:
«قالوا عنّي في الكتبِ القديمةِ إنّي أرى من مسافةِ فرسخ، وهذا صحيحٌ في الكتب، وغيرُ صحيحٍ في هذا الوادي،
أنا لا أرى بعيدًا لأنّي لا أُريد، وأنا لا أُريد لأنّي لا أحتاج، وأنا لا أحتاج لأنّي آكلُ كلَّ يومٍ ما يُوضَعُ أمامي،
وكان لي مستشارون: ثعلبٌ يقولُ لي ما يُفرِح، وغرابٌ يقولُ لي ما يُخيف، وضبعٌ يقولُ لي ما يُبرِّر، فأمّا الثعلبُ فيُخبِرُني أنّ الوادي بخير، وأمّا الغرابُ فيُخبِرُني أنّ من قالَ إنّ الوادي ليسَ بخيرٍ فهو عدوّ، وأمّا الضبعُ فيُخبِرُني أنّ من قالَ ذلك عدوٌّ ويجبُ أن «يُتابَعَ»، وبينَ الثلاثة، لم يبقَ لي وقتٌ لأنظرَ بنفسي،
وكان الوادي يأتي لي بخططٍ من خمسِ سنوات، وأنا كنتُ أُخطِّطُ لسنةٍ واحدة، لأنّ السنةَ هي ما يُقاسُ بي، والخمسُ هي ما يُقاسُ بمن بعدي، ومن حَكَمَ لنفسِه، لم يرَ ما بعدَ نفسِه،
في السنةِ الأولى، بِعتُ غابةً لبناءِ سوق، فقيلَ: «تنمية»، وفي الثانيةِ بِعتُ نهرًا لبناءِ مصنعٍ، فقيلَ: «استثمار»، وفي الثالثةِ بِعتُ أرضًا زراعيةً لبناءِ مساكن، فقيلَ: «حلُّ أزمةِ السكن»، وفي الرابعةِ جاءَ الجفاف، فلم يكنْ في الوادي ماءٌ ولا غابةٌ ولا أرضٌ تزرَع، وكان في الوادي مساكنُ لا يسكنُها أحد، وسوقٌ لا يبيعُ شيئًا، ومصنعٌ يُصدِّرُ دخانًا،
فجاءَ الفيلُ وقال: «مولاي، لقد بِعتَ ما يُؤكَلُ لتشتريَ ما يُرى»،
فسكتُّ، ثمّ قلتُ: «الأمرُ كان يحتاجُ نظرًا أعمق»، فقالَ الفيلُ: «لا يا مولاي، الأمرُ كان يحتاجُ أن تنظرَ إلى ما بعدَ سنتك، وهذا ليسَ نظرًا أعمق، بل نظرًا أبعد، والفرقُ بينهما هو الفرقُ بينَ وادٍ يعيشُ ووادٍ يُؤجِّلُ موتَه،»
فقلتُ: «سننظر…» — ثمّ توقّفتُ، لأنّي سمعتُ نفسي،
وأنا أقولُ لكم هذا، وأنا أعرفُ أنّ العينَ الملفوفةَ لا تُفَكُّ بالكلامِ، بل بمن يجرؤُ أن يقولَ لها: «انظري»، وفي هذا الوادي، من يقولُها يُسمّى «مُتشائمًا» في أحسنِ الأحوال، و«عدوًّا» في أسوئها،
تمّتِ الحكاياتُ، ولم يتغيّرْ في الوادي شيءٌ في ذلك الأسبوع، لكنّ في جدارِ المدرسةِ شقًّا صغيرًا فيه دفتر، وفي الدفترِ أربعَ عشرةَ حكاية، وكلُّ حكايةٍ تنتظرُ من يقرأُها ويقول: «هذه أنا»،



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...
- التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال ...
- التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن ...
- التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية ...
- الثقافة العربية في إفريقيا: التفاعل الثقافي وبناء الهوية في ...
- الأدب العربي المكتوب بالفرنسية من منظور النقد التفاعلي الدكت ...
- المرأة الإفريقية والتحولات الثقافية قراءة تحليلية في ضوء منه ...
- تعليمية الأدب العربي في العصر الذكاء الاصطناعي الدكتور إبراه ...
- التعددية الثقافية والصراع والتعايش: قراءات فكرية في الأمن وا ...


المزيد.....




- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد
- محمد فوزي.. ستة عقود على رحيل رائد التجديد الموسيقي وصانع به ...
- إيدي راما.. فنان تشكيلي يرأس ألبانيا
- باللغة التركية.. محمد صلاح يوجه رسالة -مبطنة- لرئيس فريق بشك ...
- 40 كاميرا وتقنيات سينمائية.. كيف سيشاهد العالم كلاسيكو برشلو ...
- الجزء الثاني من -ديرتي دانسينغ- يكرّم باتريك سويزي من دون إع ...
- شفيدكوي: الثقافة وسيلة لتخفيف التوتر في العلاقات الدولية
- -ولادة الإمبراطورية-.. معركة بولتافا على شاشة السينما الروسي ...
- -أنا رجل روسي-.. شامان يطلق أغنية عن الحرية الداخلية وتقبّل ...
- اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذ ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون