|
|
حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 21:22
المحور:
الادب والفن
1. الشجرةُ الكبرى يُحكى — والسهلُ لا يعرف من كتب حكاياته — أنه في وسط سهلٍ عظيم، حيث يلتقي النهرُ الكبير بالرمل، كانت تقوم شجرةٌ واحدة لا تشبه الشجر: التبلدي، الشجرةُ الكبرى. ساقُها كالبرج، وجوفُها كالقصر، وظلُّها كمدينةٍ صغيرة. وفي جوفها سوقُ الكلام: يقف فيه المترجمون، ويجلس فيه النسّاخ، ويخطب فيه الخطباء، ويُكتب فيه كلُّ عهدٍ بين الوحوش. وكان في أعلاها ألفُ غصن، وفي كل غصنٍ عشّ، وفي كل عشٍّ حكاية. وكان في الشجرة طيورٌ صغيرة سوداء، تصنع أعشاشها من سعفٍ وخيوط، وتنسجها نسيجًا محكمًا يتعلّق بالغصن من عنقٍ طويل، ويُسمّى في لسان الناس الحبّاك. وهي طيورٌ لا تُغنّي كثيرًا؛ تصنع، وتسكت، وكان من بينها حِباك. 2. واحدٌ وعشرون عامًا جلس حِباك على السعف إحدى وعشرين سنة. سبعًا تعلّم فيها كلام الأوائل: كيف يُرفع الفاعل، وكيف يُنصب المفعول، وكيف تُضبط الكلمةُ بحركةٍ واحدة في آخرها فتتغيّر بها أمّة، وسبعًا تعلّم فيها البلاغة: كيف يجعل الحجر يبكي، وكيف يقول القولَ فيُفهم على وجهين فيأمن هو ويأمن خصمه، وسبعًا كتب فيها رسالةً في «أثر الحركة في المعنى»، وناقشها أمام لجنةٍ من سبعة طيور، فقالوا: «جيّد، لكن عدّل»، فعدّل، فقالوا: «جيّد، لكن عدّل»، فعدّل، حتى صار يعدّل الهوامش ولا يمسّ الكلام. وفي آخر السنة الحادية والعشرين عُلِّق في رقبته خيطٌ رفيعٌ عليه ختمٌ كبير، وصار يُقال له «الدكتور حِباك»، ويُقال له في المجالس: «تفضّل، يا دكتور» — وكانت هذه الكلمة في ذلك السهل تُقال لمن يعرف ولا يملك. ثم جلس ينسج. نسج عشًّا من سبعة آلاف خيط، كلُّ خيطٍ ورقة، وكلُّ ورقة سطر، وكلُّ سطرٍ مما لا يُقرأ إلا بصبر. صنعه سبع سنوات، وأتقن عقده، وجعله في الحسن بحيث لو رآه الطاووس لبكى من الحسد. ثم وقف على طرف الغصن، وحمل عشّه بمنقاره، وطاف الشجرة من أسفلها إلى أعلاها يبحث عن غصنٍ يُعلّقه عليه. فلم يجد. 3. الشجرةُ المزدحمة كانت الشجرة مزدحمة. قال حِباك للحمامة: «أين أعلّق؟» قالت: «كلُّ غصنٍ عليه أهله. ومن قبلِك جاء عشرون مثلك، فعلّقوا عشاشهم على أعشاشنا » قال: «وما فعلوا؟» قالت: «منهم من طار إلى الضفة الأخرى، ومنهم من جلس على الأرض حتى نسيه الشجر، ومنهم من بقي واقفًا في الهواء إلى الآن، يحمل عشّه بمنقاره، لا يجلس ولا يطير » فنظر حِباك، فرأى في الهواء — فوق الشجرة — طيورًا واقفةً بأعشاشها، لا على شيء، كأن الهواء صار غصنًا لمن طال وقوفه. فقال في نفسه: «هذا غريب. الشجرةُ فيها ألفُ غصن، والطيورُ التي تعرف الكلامَ لا تجد غصنًا واحدًا » فسأل الجَدَّة بَرْدى — وكانت سلحفاةً عجوزًا تجلس عند جذر الشجرة منذ ثلاثمائة سنة، وترى كل شيء ولا تفعل شيئًا — فقالت له: «يا ابني، الغصنُ ليس خشبًا. الغصنُ إذن. والشجرةُ لا تُعطي الإذنَ، بل تُعطيه الجهةُ التي تملك الشجرة. ومن يحمل عشًّا ولا يملك إذنًا، يحمل عشًّا في الهواء » 4. المسابقةُ الكبرى وفي تلك السنة وقف النسر — وكان يُسمّى «الأب الأكبر»، ويجلس على أعلى قمة في الشجرة، ويقول إنه يحميها من العواصف — وقف وقال بصوتٍ يبلغ الضفة الأخرى: «يا طيور الشجرة، لقد رأيتُ ضيقَكم، وسمعتُ شكواكم، وعزمتُ على أن أهبكم ما تطلبون. سنجري مسابقةً كبرى: من صنع أجملَ عشٍّ، أعطيتُه أعلى غصنٍ في الشجرة، وأجريتُ له رزقًا من كل عشرة أكياسٍ كيسًا » فصاحت الشجرة بالفرح، لأن الفرحَ أرخصُ من السؤال. فقال حِباك: «وهل نعرف الحَكَم؟» قال النسر: «أنا أختار الحَكَم » قال: «وهل نعرف المعيار؟» قال: «المعيارُ الجمال. والجمالُ أعرفه أنا » فسكت حِباك، وقال في سرّه ما لا يقوله طائرٌ صغير في مجلس النسر. فأعاد النسج. أعاد تصميم العشّ، وزاد فيه طابقًا، ونقش عليه آياتٍ من كلام الأوائل، وسمّاه «العشّ النموذجي». فجاءت اللجنة، ونظرت، وقالت: «جميل. لكن يجب أن يكون أخفّ » فخفّفه. فجاءت، وقالت: «جميل. لكن يجب أن يكون أثقل، فالخفةُ تُشبه السطحية » فأثقله. فجاءت سنةٌ أخرى، فأعلن النسر مسابقةً جديدة: «المبادرةُ الوطنية لتطوير الأعشاش». فسأل حِباك: «وأين نتيجةُ المسابقة الأولى؟» فقيل له: «المسابقةُ الأولى كانت مرحلةً، وقد تجاوزناها إلى مرحلةٍ أرقى. والمرحلةُ الأرقى لا تُقاس بالمراحل الدنيا » فأعاد النسج. ثم جاءت «الرؤية»، ثم «الإصلاح الشامل»، ثم «الخطة الاستراتيجية ٢٠٣٠»، ثم «البرنامج الوطني للنهوض بالبيان»، ثم «الهيئة العليا لإعادة هيكلة الغصون». سبعُ برامجٍ في أربعة عشر عامًا، ولم يُفتح غصنٌ واحد. 5. الخداع: دارُ الغراب وفي السنة الخامسة من البرامج، جاء إلى الشجرة غرابٌ لامعُ الريش، اسمه صاحبُ الدار. وقال: «يا دكاترة الشجرة، إنّ علمَكم لا يُرى حتى يُنشر. ومن لم ينشر مات علمُه » فسأله حِباك: «وكيف ننشر؟» قال: «عندي دارٌ. تنشر لي ورقةً، وأعطيك مقابلها خيطًا من سعف » قال: «وتنشر ورقتَي؟» قال: «تنشر ورقتك، وأدفع أنا » قال: «فأين العلم؟» قال الغراب، وكان صريحًا في أول مرة: «العلمُ يا دكتور لا يُقاس بما تعرف، وقد سمّى القدماءُ هذا: انشر أو انقرض. وأنا لا أُجبر أحدًا؛ أنا أُيسّر» فنشر حِباك. ثم نشر ثانيةً. لأن الغصن لا يُفتح، والخيطَ لا يأتي، والدارَ لا ترحم. وكان في كل ليلة يجلس على حافة العشّ ويقول لنفسه: «أنا أعرف الفرق بين «يُعذَر» و«يُعزَّر»، وأعرف عشرَ لغاتٍ للصحراء، وأعرف كيف تُقرأ ورقةٌ عمرها مئة سنة، ولا أستطيع أن أدفع إيجارَ خيط » 6. لعبوا بعقولهم ثم جاءت السنة التي تعلّم فيها حِباك كيف تلعَب العقول. وقف الحرباء — وكان متلوّنًا، ويُسمّى «المتحدّثُ الرسمي» — على جذع الشجرة، وتلوّن بلون الجذع حتى كاد يختفي، ثم قال: «يا طيور الشجرة، إنّ مشكلتكم ليست الغصن، مشكلتكم أنّ فيكم من لا يستحق، وفيكم من هو غريب، وفيكم من لسانه ليس لسانَنا » فانقسمت الشجرة. قالت طيور الضفة الشمالية: «نحن أقدم، واللسانُ لسانُنا، والغصنُ لنا » وقالت طيور الضفة الجنوبية: «نحن أكثر، وأنتم تحتكرون، والغصنُ لنا » وقالت طيور الرمل: «ونحن؟ نحن لا شمالَ لنا ولا جنوب، ولا يعرفنا أحد » فقالت الطيور الشمالية: «أنتم لسانُكم مكسور » فقالت الجنوبية: «بل لسانُكم ميّت » فاجتمعوا في جوف التبلدي أربعة عشر عامًا يتناقشون: أيُّ اللسانين أفصح؟ وأيُّ اللهجتين أصلح للتدريس؟ وهل تُدرَّس الفصحى أم الدارجة؟ وهل تُكتب الحركات أم لا؟ وفي تلك الأربعة عشر عامًا فُتح في الشجرة غصنٌ واحد… أُعطي لطائرٍ لا يعرف القراءة، لكنه كان يغنّي في مهرجان النسر. وأما الحدودُ التي كانوا يتقاتلون عليها، فقد رسمها — كما تقول السلحفاة برْدى — غرابٌ أجنبيّ على الرمل قبل مئة سنة بقضيبٍ في منقاره، ثم طار، ولم يقرأ أحدٌ ما كتبه، وبقي الخطُّ، وصار الناسُ يتقاتلون على خطٍّ نُسي صاحبه. وكان النسر ينظر من فوق، ويأكل، ويقول: «الحمد لله، ما داموا يتناقشون فليسوا متّفقين، وما داموا متفرّقين فلا أحدَ يطالبني بغصن » 7. الغموض: كلمةٌ واحدة وفي السنة السادسة عشرة، صدر مرسومٌ من مجلس الشجرة، ونُقش على جذع التبلدي بخطٍّ جميل، فقرأته الطيور كلُّها، وكان فيه سطر واحد: «سيُفتح باب التعيين قريبًا » فصاحت الشجرة: «قريبًا! قريبًا!» قال حِباك: «قريبًا متى؟» فسألوا أمَّ البرامج — وكانت بومةً تحفظ عددَ الأوراق لا معناها — فقالت: «قريبًا تعني قريبًا. وليست من اختصاصي أن أُحدّد قُربَها » فسألوا المتحدّث الرسمي، فتلوّن بلون الأمل، وقال: «قريبًا جدًّا » فسألوا السلحفاة برْدى، فقالت: «أنا عند هذا الجذع منذ ثلاثمائة سنة، وقد قرأتُ هذا السطر سبع مرات في حياتي: مرةً قبل أن يُولد جدُّك، ومرةً في سنة الجفاف، ومرةً في سنة الطوفان، ومرةً حين مات أخي وهو ينتظر. «قريبًا» كلمةٌ ذكيّةٌ يا ابني؛ لأنها لا تكذب ولا تُنفّذ. والذي يكتب «قريبًا» لا يُطالَب بشيء، والذي يقرأ «قريبًا» يُطالب نفسَه بالصبر » فقال حِباك: «إذن لا بدّ من تاريخ » قالت: «لا بدّ من تاريخ. لكن من يكتب التاريخ؟» فسكتت الشجرة، لأن أحدًا لم يفكر في هذا السؤال: من يكتب؟ 8. الموتُ في الطابور ومات في تلك السنة قِرطاس. كان هدهدًا عجوزًا، أستاذَ حِباك، علّم في الشجرة خمسين سنة، ونسخ بخطّه ألف مرسوم، ولم يُفتح له غصنٌ واحد، ومات في الطابور، في اليوم الرابع من انتظاره أمام باب «الهيئة العليا»، وكان في الطابور أربعمائة طائر، والماءُ في القِربة قد نفد. فوجدوا في جناحه شهادته، وفي الشهادة ختمٌ كبير، وفوق الختم غبار. فحملوا قِرطاسًا إلى جذع الشجرة، ووقف النسر وقال كلمةً بليغة، بكى فيها الحاضرون، وقال في آخرها: «لقد كان عالِمًا جليلًا، ونحن نُقيم ذكراه بإنشاء كرسيٍّ باسمه للدراسات اللغوية » فقال حِباك من آخر الصف: «وبأي غصن يُعلَّق الكرسيّ؟» فسكت النسر. فقال حِباك، ولم يرفع صوته أكثر من اللازم: «إن كان الكرسيُّ في الهواء كالعشّ، فلا حاجة لنا به، أعطونا غصنًا وأبقوا الكرسيَّ لكم» فقالت الشجرة كلمةً لم تكن في حسبان أحد، ولم يسمعها أحد، لأن الجميع كانوا يبكون بطريقةٍ جميلة. 9. العُقدة وفي الليلة التاسعة والأربعين بعد موت قِرطاس، جلس حِباك على حافة عشّه في الهواء، ينظر إلى جذع الشجرة، وقرأ السطر: «سيُفتح باب التعيين قريبًا » ثم قرأه ثانية. ثم ثالثة. وكان قد قرأ قبل ذلك في حياته عشرات الآلاف من السطور، وعلّم غيره كيف يقرأ. فقال لنفسه بصوتٍ مسموع: ««قريبًا» كلمةٌ ناقصة، كلُّ كلمةٍ في لسان العرب تحتاج إلى مرجع، وإلا فهي معلَّقةٌ في الهواء مثلي. «غدًا» لها مرجع، و«بعد سنة» لها مرجع، و«عند اكتمال الشروط» لها مرجع. أما «قريبًا» فمرجعُها الآخر؛ من يقرؤها يعطيها عمره، فتصير قريبةً بقدر ما يطيل الانتظار. وقد أعطيناها سبعة عشر عامًا، فصارت بعيدة » ثم قال، وكان هذا أشدَّ ما قاله في حياته: «وأنا نَسَجتُ سبعةَ آلاف خيط، وطابقين، ونقشًا، وأربعًا وعشرين مقالًا، وسبعًا وعشرين سنة، لأجل غصنٍ لم يكن يومًا في يد من وعدني به، العقدةُ ليست في الغصن، العقدةُ في الكلمة. والذي لا يملك تاريخًا لا يملك حقًّا، والذي لا يملك حقًّا يبقى واقفًا في الهواء، ويسمّون وقوفَه: «خبرة» ثم بكى، أو فعل ما يفعله طائرٌ لا دموع له: أصمت ثلاثة أيام. 10. الحل وفي اليوم الرابع، فعل شيئًا لم يفعله طائرٌ قبلَه: ذهب إلى جوف التبلدي، حيث سوقُ الكلام، ووقف على الحجر الذي يقف عليه الخطباء، وقال: «يا نسّاخَ الشجرة، يا من تعرفون الحركات، يا من كتبتم بخطّكم كلَّ عهدٍ في هذا السهل، وكلَّ مرسوم، وكلَّ خطبةٍ قالها النسر، وكلَّ حكمٍ حكم به القاضي، وكلَّ عقدٍ باع به التاجر — أُقسم لكم أنّ الشجرةَ لا تعرف كلمةً واحدة مما تقوله، إلا إذا كتبتموها أنتم. المرسومُ لا يقوم إلا بخطّكم، والخطبةُ لا تُقال إلا بورقتكم، والحكمُ لا يُنفَّذ إلا إذا ختمه كاتبٌ منكم » فسكت السوق. فقال حِباك: «فلا نكتب شيئًا حتى يُكتب في المرسوم تاريخ، لا «قريبًا» » فقالت السلحفاة من عند الجذع، وكانت لأول مرة ترفع رأسها: «هذا كلامٌ صحيح، وقد قاله أجدادي قبل ثلاثمائة سنة، ثم نَسُوه؛ لأنهم لم يكونوا كثيرين، وكانوا يموتون قبل أن يُنفَّذ » فقال حِباك: «إذن نكتبه اليوم، ويكون معنا مَن سيقرؤه غدًا » وفي الصباح، لم يجد النسر من يكتب خطبته. فوقف يخطب بلا ورقة، فتلكّأ، وقال: «يا طيور… أيها… إنّ…» ثم سكت، لأن الخطباء لا يتكلمون من أنفسهم، بل من أوراق النسّاخ. ولم يجد القاضي من يختم حكمه، ولم يجد التاجر من يكتب عقده، فتوقّف السوق كله، لا بدمٍ ولا بحرب — بل بسبعةِ آلاف خيطٍ جلس عليها أصحابها ولم ينسجوا. 11. ما فازوا به، وما لم يفوزوا به فأرسل النسر إليهم. قال: «ما تطلبون؟» قالوا: «كلمةً واحدة في المرسوم: تاريخ » قال: «وأيُّ تاريخٍ أضع؟» قال حِباك: «ما لا تعرفه أنت ولا أنا: ضع سنةً، ويكون التأخيرُ معروفًا، فيعرف الطائرُ إلى متى يصبر، ويكون من أخّره مسؤولًا. الغموضُ راحةٌ لمن كتبه، وعذابٌ لمن قرأه » فأخذ النسر القلم، وكتب بيده — وكانت هذه أول مرة يكتب شيئًا بنفسه — «سيُفتح باب التعيين في سنة كذا » فوُلد في ذلك اليوم شيءٌ صغير جدًّا: موعد. ثم قال النسر: «وأما الغصون، فأعطيكم غصنًا واحدًا » قالوا: «لا. أعطِنا غصنًا، ونحن نُعطيك عشًّا فيه عشرةُ صغارٍ يتعلمون » قال: «وما هذا؟» قال حِباك: «هذا شرطٌ لا يُنقض » فأُعطي لهم غصنٌ واحد في وسط الشجرة، فبنوا عليه عشًّا مفتوحًا لا يسكنه أحد، بل يجلس فيه الصغار كلَّ صباح، يقرؤون على حِباك، وعلى ما بقي من خطّ قِرطاس. ولم تزل الطيور واقفةً في الهواء بأعشاشها. ولم يزل في الشجرة من يقول: «قريبًا». ولم يزل النسر يأكل. لكنّ في المرسوم تاريخًا، وفي المرسوم تاريخًا كُتب بالقلم، وفي الشجرة عشٌّ واحد مفتوح. 12. خاتمةُ الحكاية ويُحكى أن حِباكًا لم يسكن ذلك العشّ. قالت له الحمامة: «نسجتَه، فاسكنه » قال: «نسجتُه لي. فسكنه غيري، فصار له معنى » ويُحكى أن أول من سكن عشَّ حِباك كان فرخًا صغيرًا لا يعرف القراءة، فقال له: «يا عمّ، أنت لا تملك غصنًا، فكيف علّمتني؟» فقال حِباك: «لأنّ الغصنَ الذي تحتاج إليه لا يُمنح، يا بُنيّ، الغصنُ يُنسَج؛ ومن قال لك إنه يُمنَح، فقد أعطاك «قريبًا» » ثم رفرف، ووقف على حافة العشّ في الهواء، وقال كلمةً حفظتها الشجرة: «الغموضُ لا يُحَلُّ بالتخمين. الغموضُ يُحَلُّ بالسؤال: متى؟ — ومن لا يستطيع أن يجيبك، فاعلم أنه إنما كان يُطيل عمرك ليقصر عمرك » وأما السلحفاة برْدى، فما زالت عند الجذع، وما زالت تقول للصغار: «إن سألتم يومًا: لماذا لم يُفتح الغصن؟ فقولوا: لأنه لم يُكتب في المرسوم تاريخ. التاريخُ نصفُ الحق، والغموضُ نصفُ الظلم »
الفصل الثاني: شجرةَ البيان وابنُ قَلَم 1.شجرةَ البيان وابنُ قَلَم يُحكى — والغابةُ لا تعرف من كتب حكاياتها — أنه كان في قلب غابةٍ عظيمة شجرةٌ واحدة لا تشبه الشجر. كانت تُسمّى شجرةَ البيان، أوراقها حروف، ولحاؤها سطور، وجذورها ضاربة في الأرض حتى قيل إنها بلغت مكانًا يُسمّى «الأصل» ومن أكل من ثمرها لم يشبع، ومن مضغ ورقةً منها وجد في فمه كلامًا لم يكن يعرفه، فتعلّم كيف يسمّي الأشياء بأسمائها الدقيقة، وكيف يقول «لا» دون أن يجرح، وكيف يصف فجرًا واحدًا بسبعين صورة. وكان في تلك الشجرة عصافيرُ صغيرة، ليست أقوى الطيور ولا أسرعها ولا أحسنها لونًا، لكنها كانت تعرف الكلام. وفي قديم الزمان كان الكلامُ عند الغابة أثمنَ من الحَبّ، فالأسد لا يحتاج من يحمل عنه الحجر، لكنه يحتاج من يصوغ له عهدًا لا يُنقض، والنملة لا تحتاج من يعدّ لها القمح، لكنها تحتاج من يكتب على جدار المخزن: «هذا لنا، وهذا لغيرنا». وكانت الطيور تُكتب لها العقود، وتُروى لها الحكايات، وتُسلَّم لها المجالس، وكان صاحبُ البيان في الغابة يُسمّى «لسانَ الغابة»، ويُجلس في الصف الأول، ويُطعم قبل غيره. ذلك كان قديمًا. والغابة، ككل غابة، تنسى. 2.السنون السبع، والسبع، والسبع كان في تلك الطيور فرخٌ اسمه حِرف، سُمّي بذلك لأن أمّه وجدته في العش وحيدًا كحرف في أول سطر. كبر حِرف وسمع جدّه يقول: «من أراد أن يكون لسان الغابة، فليجلس عند الشجرة سبع سنين » فجلس سبعًا، تعلّم فيها كيف يُعرَب الكلام: كيف يُرفع الفاعل، وكيف ينصب المفعول، وكيف يُجرّ ما لا يُجرّ إلا بالحرف. وتعلّم أن الكلمة تُغيّر معناها بتغيّر حركةٍ واحدة في آخرها، وأن أمةً قد تُخطئ في اسمٍ فيتغيّر تاريخها. ثم جلس سبعًا أخرى، فتعلّم البلاغة: كيف يجعل الحجر يبكي، وكيف يجعل الماء يغضب، وكيف يقول قولًا يُفهم على وجهين فيأمن صاحبه ويأمن خصمه، وتعلّم العَروض، فصار يزن الكلام كما يزن الحدّاد الحديد . ثم جلس سبعًا ثالثة، فصار «عالما»، وعلّق في رقبته ورقةً عليها ختمٌ كبير تشهد له دلك الإجازة العالمية، وقالت له أمه: «الآن صرتَ لسان الغابة » وكانت أمه قد باعت ريشها الخلفي في كل سنةٍ من تلك السنين، حتى صارت تطير طيرانًا قصيرًا كنشوةٍ لا تكتمل. 4. الغابة التي تغيّرت لكن الغابة كانت قد تغيّرت وحِرف ما زال في الشجرة. جاء إلى الغابة عصرٌ جديد، عصرُ العَدّ، فالنملة أم العدد صارت تحسب كل شيء: حبًّا، وورقةً، وخطوةً، ونَفَسًا، وقالت في مجلس الغابة: «لا قيمة لما لا يُعدّ» فصدّقها الجميع، لأنها كانت تعمل ولا تتكلم. وجاء غرابٌ لامع الريش ، فقال: «الكلامُ لا يُشبع، من أراد أن يأكل فليتعلّم ما يأكل الناس به: أن يعدّ، وأن يحمل، وأن يصلح » وفتح في الغابة ثلاثة أبواب، وسمّاها «أبواب الرزق»: أ. باب العدد، وعليه لافتة: «من لا يحسب لا يُحسَب » ب. باب الحديد، وعليه: «قوّتك أجرك » ج.باب الغربة، وعليه: «خارج الغابة نور » ووقف حِرف على باب العدد، وفي رقبته ورقته. فقال الحارس: «كم تعرف من الكلمات؟» قال: «أعرف ما لا يُحصى» قال: «نحن لا نشتري ما لا يُحصى، نحن نشتري ما يُحصى» فذهب إلى باب الحديد، فقال الحارس: «هل تحمل الحجر؟» قال: «أحمل المعنى» قال: «المعنى لا يبني جدارًا» فذهب إلى باب الغربة، فوجد فيه حمامًا مهاجرًا قد عاد ليزور أمه، فسأله حِرف: «كيف الحال هناك؟» قال الحمام: «هناك سألوني: ما لسانُك؟ قلتُ: العربية. قالوا: ونحن لا نعرفها، لكن اقرأ لنا هذه الورقة، فقرأتُ، فأعطوني أجرًا، ثم عشتُ عشرين سنة أقرأ لهم أوراقًا لا تُقرأ إلا بالشوق، وأُترجم لهم كلامًا لا يعني أحدًا، وأكتب لهم قصائد عن وطنٍ ليس وطنهم، حتى صرتُ أُترجم لهم نفسي، فلم أجد لها مقابلًا» فسأله حِرف: «فلماذا عدت؟» قال: «عدتُ لأن أمي ماتت، ولأن الغريب لا يُدفَن في وطنه ولو دُفن في أرضه» 4. الطيور التي خلعت ريشها ولم يبقَ في الشجرة إلا القليل. بعض الطيور خلعت ريشها ونزلت إلى الحظائر، فصارت دجاجًا، تأكل ما يُلقى لها، وتصيح في الساعة التي يُراد لها أن تصيح، وتنسى أنها كانت تعرف أسماء سبعين نوعًا من الفجر، وكانت إذا مرّ حِرف بجانب الحظيرة سمعها تقول: «لم نخسر شيئًا، صرنا نأكل» وبعضها حمل على ظهره من لا يعرف الطريق، وسُمّي «سائقًا»، وكان يحمل ورقته في جيبه ولا يُظهرها، وإذا سُئل عن عمله قال: «أنا في الطريق » — ولم يكذب، فهو في الطريق منذ عشر سنين. وبعضها جلس على الأغصان اليابسة ينتظر، حتى ابيضّ ريشه وهو لم يزل صغيرًا، وكان يجلس كل صباح على الغصن نفسه ويقول: «سيأتي العقد» ثم مات، فوجدوا في عشّه ورقته، وختمَها الكبيرُ، وعليها غبار. وبعضها هاجر وبعث بالمال، ولم يبعث بالكلام. وبقي حِرف، وبقيت معه بضعة طيور، وبقيت الشجرة. 5. المجلس الذي لم يذكرهم وفي تلك السنة انعقد مجلس الغابة الكبير. اجتمعت الوحوش والطيور والنمل والضباع، وجلست البومة أم الحكمة على الجذع، وفي يدها جدول أعمال فيه اثنا عشر بندًا: أولًا: بئر الوادي. ثانيًا: طريق الأشجار. ثالثًا: ذئب الحدود. رابعًا: وباء الحبوب. خامسًا: تعليم صغار الثعالب. سادسًا: ميزانية الشتاء… وهكذا حتى الثاني عشر. فوقف حِرف وقال: «أم الحكمة، وبندُنا؟» فرفعت البومة عينيها الكبيرتين وقالت — وكانت لا تكذب، ولكنها كانت تنسى: «أيُّ بند؟» فسكت حِرف. فقام الغراب صاحب السوق وقال: «الطيور لا تحتاج بندًا، الطيور تطير» فضحكت الغابة، وكان في ضحكها شيء من الراحة، لأن الضحك أرخص من التفكير. فقال حِرف بصوتٍ خافت: «نحن نطير، نعم، لكننا نطير فوق أرضٍ لا تريدنا أن ننزل» فلم يسمعه أحد، لأن الجميع كانوا يتكلمون في البند الأول. 6. الليلة التي صمتت فيها الغابة ثم جاءت ليلةٌ لم تكن في جدول الأعمال. في تلك الليلة اختلف الذئبُ والحملُ على حدٍّ بينهما، على شبرٍ من العشب، وكان بينهما عهدٌ قديم، محفور على لوحٍ عتيق عند سفح الشجرة، كتبه أجدادُ الطيور قبل مئة سنة، وفيه سطرٌ واحد يحسم كل خلاف: «ما دون الجَدْوَلِ للذئب، وما فوقه للحمل، ومن عبر فله ما عبر إليه، لا ما ترك وراءه» فأتى الأسد ليقرأ اللوح، فلم يستطع، كان اللوح مكتوبًا بخطٍّ قديم، وفيه حروف لا يعرفها إلا من جلس عند الشجرة، فأتى الغراب فلم يعرف، وأتت أم العدد فعدّت الكلمات ولم تفهمها، وأتت أم الحكمة فقرأت نصف السطر ووقفت عند كلمةٍ لم تُعرَب. فتوقف الجميع. وسكتت الغابة سكوتًا لم تعرفه من مئة سنة. فقال الذئب: «إذن لا عهد، إذن العشب لي» وصاح الحمل، وصاحت الغابة كلها، وباتت ليلتها على حربٍ كانت ستقوم على كلمةٍ واحدة لم يبقَ من يعرف معناها. وفي الفجر، جاء حِرف. وقف على اللوح، ونظر إليه طويلًا، ثم قرأه بصوتٍ عالٍ، قرأه كما قرأه جدّه، وكما قرأه جدُّ جدّه، ثم قال: «الكلمةُ التي وقفتُم عندها ليست كلمةَ عهد، بل كلمةَ شرط، والذئبُ والحملُ كلاهما على حق، وكلاهما على باطل، لأنكما قرأتما نصف سطر» ثم قرأ السطر كاملًا، فانحلّ الخلاف قبل أن يبدأ. 7. الجائزة الصغيرة وفي الصباح اجتمع المجلس مرة أخرى. وجاء في جدول الأعمال بندٌ ثالث عشر، بخطٍّ صغير في الحاشية: «الطيور». فقال الأسد: «نعطيهم غصنًا» فقالت أم العدد: «وغصن لا يُؤكل» فقال الغراب: «ونسمّيهم: كَتَبَةُ الغابة، ويكون لهم من كل عشرة أكياسٍ كيسٌ، لا أكثر » فصارت للطيور وظيفة: غصنٌ يابس، وكيسٌ من كل عشرة، ولقبٌ صغير، لا لأن الغابة أحبّت البيان، بل لأنها احتاجته ليلةً واحدة، ثم أرادت أن تُسكته بأقلّ ثمن. فقال حِرف: «أقبل » فقالت الطيور: «كيف تقبل؟» فقال: «لأن الغصن خيرٌ من الانتظار، ولأن الصمتَ الذي أُخذ بالمال أهونُ من الصمت الذي أُخذ باليأس، ولأني رأيتُ في الليلة الماضية أن الغابة إذا فقدت لسانها لم تفقد الكلام، بل فقدت العشب » 8. خاتمة الحكاية ويُحكى أن حِرفًا لا يزال على ذلك الغصن، يعلّم صغار الطيور كيف يُعربون، وكيف يقرأون لوحًا عتيقًا، وكيف يعرفون الفرق بين «يُعذَر» و«يُعزَّر» — وهو فرقٌ لو عرفته الغابة لنجا منه كثيرون. ويُحكى أنه كلما مرّت سنة، جاء فرخٌ جديد إلى الشجرة، فجلس سبعًا، ثم سبعًا، ثم سبعًا، ثم وقف على باب العدد، فسُئل: «كم تعرف من الكلمات؟» فيقول: «أعرف ما لا يُحصى » فيُقال له: «اجلس على الغصن » فيجلس. وهنا تنتهي الحكاية، ولا تنتهي.
الفصل الثالث: الغزالُ الذي عبرَ الجَدْوَل 1. الغزالُ الذي عبرَ الجَدْوَل يُحكى — والغابةُ لا تعرف من كتب حكاياتها — أنه في السنة التي جفّ فيها الوادي، لم يبقَ من الماء إلا ما في حَرَمِ الملك، وهو مرجٌ محجّرٌ حوله الشجر، لا يدخله ذو حافرٍ ولا ظِلف، وعليه حارسٌ من الثعالب. وفي تلك السنة مرضت ظَبْيةٌ عجوز في آخر الغابة، فقال لها ابنُها رَمْل — وكان غزالًا صغيرًا، في قرنيه نقطتان من الحليب — إن العُشبةَ التي تُطفئ هذا الحُمّى لا تنبت إلا في الحَرَم، عند الحجر الأبيض. فقالت أمه: «لا تعبر، الحَرَمُ ، ولو كنتَ محقًّا فأنت مخطئ » فقال: «وأين أكون محقًّا وأنا لا أعبر؟» فلم تُجب؛ لأنها كانت تُجيد السؤال ولا تُجيد الجواب، كما يفعل من كَبِر. فعبر رَمْل عند الفجر، وأخذ من العُشبة قَبْضَة، وسقى أمه، فنزل الحُمّى ليلةً واحدة. ثم عاد في الليلة الثانية، فأخذه الثعلب الحارس، وجاء به إلى مجلس الأسد، والعُشبةُ ما زالت في فمه. فقال الأسد: «ما هذا؟» قال الثعلب: «داخلٌ على الحَرَم. والقانونُ يقول: من دخل الحَرَمَ فقد استوجب العقوبة » فقال رَمْل: «أمي كانت تموت » فقال الأسد: «ومَن أَذِنَ لك أن تكون أمُّك بنقطةٍ في الحساب؟» فسكت رَمْل، ونظر إلى العُشبة في يده، ثم قال بصوتٍ صغير: «إذن لا تُسقِطوا العُشبةَ من الحكم » فضحكت الغابة، ولم يعرف أحدٌ لماذا ضحكت. 2. اللوحُ الذي محا المطرُ نصفَه وكان في سفح الشجرة لوحٌ عتيق، كتبه قبل مئة سنة كاتبٌ اسمه قَلَم، وكان هدهدًا. كُتب فيه أعمالُ سنةِ الجَدْب الكبرى، يوم أكلت الطيورُ من أهراء الملك، وكيف حكم الأسدُ حينها. وكان الأسدُ الحالي يقرأ منه كلّما احتاج أن يستند إلى عادةٍ قديمة. وفي آخر اللوح سطرٌ واحد، وهو الذي يهمّنا: «فمن فعل ذلك في سنةِ جَدْبٍ، لا مَندوحةَ له ولا حيلة، فهو لا يُؤخذ بذلك في مروءته، ولا في حسبه » السطرُ كامل إلا حرفًا واحدًا في الكلمة الرابعة، محاه المطرُ ومحته الشمس، ولم يبقَ من الحرف إلا نقطةٌ واحدة فوقه. وكانت النقطةُ فوق الذال، وكانت النقطةُ فوق الزاي، وهما في ذلك الموضع سواء. فقامت الغابةُ قائمةً على نقطةٍ واحدة. 3. من قرأ بحسب مصلحته فقال الثعلب — وهو الذي أراد مرج الغزال لنفسه، وكان يهمس للأسد في كل ليلة: «إن سكتَ الناس اليوم عن حَرَمك، سكتوا غدًا عن عرشك» — قال: «الكلمةُ يُعزَّر. يعني يُعاقَب، لأن الزايَ بنقطة، وأنا أرى النقطةَ بعيني » فسُئل: «والذالُ أيضًا بنقطة، فبأي شيءٍ فرّقت؟» فقال: «أنا لا أفرّق بين الحروف. أنا أفرّق بين المصالح، وهذه أسرع » فقال الغراب — وكان يبيع الكلام في السوق، ويُسمّى «صاحب البلاغة»، ويأخذ من كل فريقٍ أجرًا — فقال كلامًا طويلًا جدًّا، فيه «وبعد» ثلاث مرات، و«ومما لا يخفى على ذوي البصائر» مرتين، ولم يقل فيه «الذال» ولا «الزاي» ولا شيئًا آخر. فلما انتهى صفّقت الغابة، لأن التصفيق أرخصُ من الفهم. وقالت البومة — أمُّ الأوراق، وهي التي تحفظ عددَ الورق لا معناه — قالت: «عددُ النقط في الموضعين: واحدة. عددُ النقط في الموضعين: واحدة. إذن لا فرق. إذن القضيةُ مغلقة، إذن نؤجّلها »
وقال الطاووس — وكان يحضر المجالس ليُرى لا ليقرأ — قال: «أنا أرى في هذا الغموض جمالًا، لغةٌ تحتمل الوجهين هي لغةٌ حيّة! فلنحتفظ بالغموض، فإنه أجملُ من الحكم» فقال له رَمْل من مكانه: «الغموضُ جميلٌ لمن لا يُشنق به » فلم يسمعه الطاووس، لأنه كان ينظر إلى ريشه في الماء. 4. مِداد وفي آخر المجلس، في المقعد الأخير، كان يجلس طائرٌ صغير اسمه مِداد. كان من طيور الشجرة — النسّاخ — وقد جلس على أوراقها إحدى وعشرين سنة: سبعًا للعربية، وسبعًا للبلاغة، وسبعًا للعَروض، حتى صار عالما، وعلق في رقبته ورقةً عليها ختمٌ كبير. وكان يعيش على غصنٍ يابس، ويأكل من كيسٍ يُعطى له من كل عشرة أكياسٍ كيسًا واحدًا، ويُنسخ للناس بأجرٍ زهيد: ينسخ عرائضَ الضباع، وشكاوى النمل، وقصائدَ الحمام المغترب. وكانت الغابة إذا احتاجته نادته «يا دكتور» على وجه السخرية، لأن «دكتور» في تلك الغابة كلمةٌ تُقال لمن يعرف ولا يملك. ولم يكن أحدٌ يعلم أنه ابنُ قَلَم، وأنه كان ينسخ خطَّ جدّه في صغره حتى عرف يده كما يعرف صوت أمه. فقال مِداد: «أعطوني اللوح » فقال الأسد: «ولماذا؟» قال: «لأنكم قرأتم الموضع، ولم تقرأوا السطر» 5. ثلاثةُ شهودٍ كذّابين وشاهدٌ صادق فأُتي باللوح. فبدأ مِداد بالنقطة. ونظر إليها طويلًا، ثم قال: «هذه النقطةُ لا تشهد بشيء، إنها شاهدٌ يقف في موضعين في وقتٍ واحد، فلا يُقبل قوله » فقالت البومة: «هذا ما قلته أنا! لا فرق!» قال: «لا فرقَ في النقطة، نعم. لكن ليس في الحرف، الفرقُ كلُّه في الجسم» ثم وضع إصبعه على الحرف الممحوّ، وقال: «الذالُ جسمُها دال: كفٌّ مفتوحةٌ إلى اليسار. والزايُ جسمُها راء: ظهرٌ مُنحنٍ لا كفَّ له، النقطةُ فوقهما واحدة، فمن نظر إلى النقطة وحدها رأى حرفًا واحدًا، ومن نظر إلى الجسم رأى حرفين لا يشتبهان إلا على أعمى القلب قبل العين» وهنا سكت المجلس، لأن أحدًا لم يكن قد نظر إلى الجسم أصلًا. فقال الثعلب: «والشَّدّة؟ إن كانت الكلمة «يُعزَّر» ففيها شَدّةٌ على الزاي، وهي المبنيُّ للمجهول من «عزَّر» المشدَّد. والشدةُ كانت تُكتب فوق الحرف، فهل بقيَ منها أثر؟» فنظر مِداد، فلم يجد إلا أثرًا كأثر نَفَسٍ على زجاج. فقال: «المطرُ محا الشدّة، فهذا الشاهدُ ميّت. لا أقبل شاهدًا ميتًا » فصاح الثعلب: «إذن لا دليل! إذن يُؤخذ بالأصل، والأصلُ العقوبة!» فقال مِداد: «لا. عندي شاهدان لم تنظرا إليهما » 6. الشاهدُ الثاني: ذيلُ السطر «الشاهدُ الأول،» قال مِداد، «هو ذيلُ السطر نفسه. اقرأوا ما بعد الكلمة: «... ولا يُؤخذ بذلك في مروءته، ولا في حسبه» فلو كانت «يُعزَّر» — أي يُعاقَب — لما قال بعدها «ولا يُؤخذ في مروءته»؛ لأن من عُوقب فقد أُخذ في مروءته بالضرورة، الكلمةُ تفضح نفسها بما بعدها، كما يفضح الرجلَ ما يقولُه بعد أن يكذب. فإن قيل: لعلّه «يُعزَّر» بمعنى يُكرَم؟ فأقول: إذن يبقى الإشكال، لأن «عزَّر» في لسان العرب تكون للنصرة والتعظيم، وتكون للتأديب والعقوبة، ولهذا سُمّي «التعزير» تعزيرًا: لأنه يقع بين التوبيخ والحدّ، لا هو عفوٌ تام ولا هو عقابٌ تام، والكلمةُ التي تحمل النصرةَ والسوطَ في حرفٍ واحد، إذا كُتبت بلا بيانٍ فقد كُتبت نصفَ كلمة » فقال الأسد: «هذا كلامٌ خطير. فما الشاهدُ الثاني؟» 7. الشاهدُ الثاني: أخو الكلمة فقال مِداد: «الشاهدُ الثاني في اللوح نفسه، أعلى السطر السابع، وهو سليمٌ لم يمحه مطر» فأنزل اللوح، وأشار إلى موضعٍ فيه كلمةٌ كاملة: «ومَن أُكرهه السلطانُ على ما لا يُطيق فهو يُعذَر » فقال: «انظروا إلى جسم الحرف هنا: دالٌ مفتوحة. ثم انظروا إلى أثر الحرف في الموضع الممحوّ، وقارنوا الخطّ بالخطّ، واليد باليد؛ فإن الكاتب واحد، والقلم واحد، والسطر واحد. هاتان الكلمتان من أبٍ واحد: يُعذَر ويُعذَر» فسكت المجلس سكوتًا طويلًا. ثم قال مِداد بصوتٍ منخفض: «والشاهدُ الثالث ليس في الحرف، بل في المعنى: الأصلُ أن العقوبةَ لا تُقدَّر بالغموض، ومن حكم بعقوبةٍ ولم يُبيّن مقدارها، فقد حكم بلا حكم، واللوحُ لم يذكر سوطًا ولا حبسًا ولا يومًا؛ ذكر فقط أن الرجل يُعذَر، ثم انتقل إلى مروءته. فالقولُ قولُ العذر» فقال الأسد: «إذن الغزالُ يُعذَر» قال مِداد: «الغزالُ يُعذَر » فقال الأسد: «فأطلقوه » 8. بعد الحكم فأُطلق رَمْل، والعُشبةُ في فمه، فجرى إلى أمه. فوجدها قد ماتت في الليلة الثالثة، لأن الحكم أخذ ثلاثة أيام. فوقف عندها، ووضع العُشبة على التراب، وقال بصوتٍ لا يبكي: «قد عُذرتُ » فقال مِداد — وكان قد جاء ليخبره: «نعم» قال رَمْل: «فأين أمي؟» فسكت مِداد، لأنه كان يعرف اللغة، ولم يكن يعرف جوابًا. 9. الجائزةُ الصغيرة، مرةً أخرى وفي الصباح، اجتمع المجلس ليكافئ مِداد. فقال الأسد: «نعطيك غصنًا يابسًا » فقالت البومة: «وكيسًا من كل عشرة » فقال الغراب: «ولقبًا: حافظُ اللوح » فقال مِداد: «أشكر المجلس. وأسأل شيئًا واحدًا بدل الثلاثة » قال الأسد: «قل » قال: «أن يُقرأ كلُّ حكمٍ في هذه الغابة مرّتين: مرةً للنقط، ومرةً للجسم » فضحكت الغابة، لأنها لم تفهم، ولأن الضحكَ أسهلُ من القراءة مرّتين. ثم قال مِداد: «وأما الغصنُ والكيسُ فخُذوهما، واعطوهما لمن لم يقرأ. أنا أطلبُ شيئًا لا يُكال: أن يكون في الغابة كاتبٌ واحدٌ يُستشار قبل الحكم، لا بعده » فقال الأسد: «وهل يُستشار الكاتبُ في الغابة؟» قال مِداد: «لا. ولهذا ماتت ظبيةٌ هذا الأسبوع، ولن تعرف الغابةُ أنها ماتت » 10. خاتمةُ الحكاية ويُحكى أن مِدادًا علّق على غصنه اليابس لوحًا صغيرًا بخطّه، لم يكن فيه ختمٌ ولا لقب، وكان فيه سطرٌ واحد: «نقرأ الجسمَ قبل النقطة » وكان صغار الطيور يمرّون به فيسألونه: «وما معنى ذلك؟» فيقول: «معناه: لا تحكموا على أحدٍ بالعلامة الصغيرة التي ترونها فوقه؛ انظروا إلى بنيته وما تحته. النقطةُ في الذال والزاي واحدة، والناسُ كذلك: قد يكون الرجلان بعلامةٍ واحدة، وأحدهما يُعذَر والآخر يُعزَّر، والفارقُ ليس في العلامة، بل في الجسم » ويُحكى أنه كلما جاءت سنةُ جَدْب، مرّ بالغابة غزالٌ صغير يحمل عُشبةً في فمه، فيُمسك، فيُقال: «يُعزَّر»، فيُنادى مِداد، فيقرأ، فيقول: «يُعذَر»، فيُطلق. ثم يموت أحدٌ في الطريق. ثم تُنسى القصة حتى السنة القادمة. وهذا فرقٌ لو عرفته الغابةُ لنجا منه كثيرون: أن بين يُعذَر ويُعزَّر حرفًا واحدًا في الجسم، لا في النقطة؛ وأن الغابة كانت تقرأ النقط، وكانت النقطُ كلُّها سواء. الشجرة، ما زالت قائمة، وما زال في أوراقها حبرٌ لم يجفّ، وما زال في الغابة من يظنّ أن الشجرة للزينة لا للثمر. فإن مررتَ بها فاقرأ لها لوحًا، فإن القراءةَ صدقة، والوظيفةَ حق.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام
...
-
حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
-
مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر
...
-
تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م
...
-
مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية
...
-
صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د
...
-
تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في
...
-
تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك
...
-
التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي»
...
-
المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل
...
-
التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال
...
-
التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن
...
-
التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية
...
-
الثقافة العربية في إفريقيا: التفاعل الثقافي وبناء الهوية في
...
-
الأدب العربي المكتوب بالفرنسية من منظور النقد التفاعلي الدكت
...
-
المرأة الإفريقية والتحولات الثقافية قراءة تحليلية في ضوء منه
...
-
تعليمية الأدب العربي في العصر الذكاء الاصطناعي الدكتور إبراه
...
-
التعددية الثقافية والصراع والتعايش: قراءات فكرية في الأمن وا
...
-
قصة الطوطم الزنجي والدمية الحمراء: حوار على حدود الهوية والث
...
-
الثقافة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء: التعدد اللغوي والثق
...
المزيد.....
-
مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا
...
-
تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
-
بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف
...
-
حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن
...
-
باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا
...
-
-أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف
...
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|