أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....


حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


الفصل الأول: الغابة التي أكلت أبناءها
في قديم الزمان، وفي قلب مملكة القارة العجوز ، حيث تمتد الغابات من ضفاف الأنهار إلى أعالي الجبال، وتنتشر السهول الخضراء بين القرى والوديان، قامت مملكة عظيمة تُسمّى مملكة السنديانة الكبرى.
كانت المملكة غنية بكل شيء؛ ففي باطن أرضها الذهب والحديد والنحاس واليورانيوم، وفي جبالها الأحجار النفيسة، وفي سهولها القطن والذرة والدخن والكاكاو، وفي غاباتها الأخشاب والثمار، وفي أنهارها الأسماك والمياه العذبة.
وكانت الشمس تشرق على أرضها كل صباح، كأنها تبشّر سكانها بمستقبل مشرق، لكن الغريب أن أبناء المملكة كانوا ينامون جائعين، ويستيقظون خائفين، ويكبر أطفالهم دون أن يجدوا مدارس كافية، أو مستشفيات قريبة، أو ماءً صالحًا للشرب.
أما القصر الملكي، فكانت نوافذه مضاءة طوال الليل، وتُقام فيه الولائم، بينما كانت الحيوانات الفقيرة تبحث عن بقايا الطعام في أطراف الغابة.
وفي أحد الأيام، وقف الحمار الوحشي عند ضفة النهر، ونظر إلى انعكاس صورته في الماء، ثم قال بحزن:
— كيف نعيش في أرض مليئة بالخيرات، ونشعر كأننا غرباء فيها؟ لماذا تحمل أرضنا الذهب، ولا تحمل بيوتنا الأمل؟ ولماذا تجري الأنهار أمام أعيننا، بينما تقطع أمهاتنا مسافات طويلة بحثًا عن جرعة ماء؟
سمعته البومة الحكيمة، وكانت تجلس فوق شجرة الباوباب العتيقة، فقالت:
— لأن المشكلة ليست دائمًا في قلة الثروات، بل قد تكون في طريقة توزيعها، وفيمن يملك القرار، وفيمن يحاسب من يسيء استعمال الأمانة.
انتشر كلام البومة بين الحيوانات، حتى وصل إلى الأسد، ملك الغابة، فغضب غضبًا شديدًا، وأرسل الزئير في أرجاء المملكة:
— من يتحدث عن الفقر في مملكتي، كأنه يتهم عرشي! أليست الغابة واسعة؟ أليست الأنهار جارية؟ أليس لكل حيوان مكان يعيش فيه؟
فأجابه القرد من فوق شجرة المانجو:
— نعم، يا مولاي، ولكن اتساع الغابة لا يعني أن كل حيوان يجد مأوى، وجريان النهر لا يعني أن كل عطشان يستطيع الوصول إليه، وكثرة الثمار لا تعني أن كل جائع يستطيع أن يأكل منها.
ساد الصمت، وبدأت أول شرارة من شرارات الوعي تضيء عتمة المملكة.
الفصل الثاني: مجلس الطيور المكلومة
في صباح يوم مشرق، دعت البومة الحكيمة جميع الطيور إلى اجتماع فوق جبل مرتفع، بعيدًا عن آذان الحراس.
جاء النسر من قمم الجبال، والحمامة من القرى البعيدة، والغراب من مكبات النفايات، والببغاء من أبواب القصور، واللقلق من ضفاف المستنقعات، والعصفور من نوافذ المدارس.
قالت البومة:
— يا أبناء السماء، لقد آن الأوان لنتحدث عن أوجاع الغابة. ليس هدفنا أن نهدم المملكة، بل أن نكشف أمراضها حتى تجد طريقها إلى العلاج.
رفع العصفور جناحيه وقال:
— أنا صغير، لكنني أحمل حكاية آلاف الأطفال. في قريتي مدرسة بلا مقاعد، وفي المدرسة الأخرى معلم واحد لعشرات التلاميذ. بعض الأطفال يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى التعليم، وبعضهم يتركون مقاعد الدراسة لأن أسرهم لا تستطيع توفير نفقات النقل والكتب والطعام.
قالت الحمامة:
— وأنا أحمل رسالة الأمهات. كم من امرأة تنتظر أمام باب المستشفى، وكم من أم تخشى على طفلها لأن الدواء غير متوفر، وكم من فتاة تحلم بأن تصبح طبيبة أو معلمة، لكنها تُحرم من التعليم بسبب الفقر أو التمييز أو الزواج المبكر!
ثم تقدم اللقلق وقال:
— أما أنا، فقد رأيت القرى التي جفّت آبارها، والأراضي التي أفسدها الجفاف، والمزارعين الذين لم تعد الأمطار تأتيهم في مواعيدها. رأيت أسرًا تترك منازلها بحثًا عن الماء والمرعى والعمل، ورأيت النزاعات تنشب حين تضيق الموارد.
قال النسر، وهو يحلّق فوق المجلس:
— لا تنسوا الحروب والنزاعات المسلحة. ففي بعض القرى ، يُهجَّر الناس من بيوتهم، ويخاف الأطفال أصوات الرصاص، وتفقد الأسر أراضيها ومصادر رزقها. ويصبح السلام أمنية تسبق الطعام والدواء في قلوب كثيرين.
تنهدت البومة وقالت:
— إن وجعنا ليس وجعًا واحدًا، ولا تعانيه كل شعوبها بالطريقة نفسها. لكنه يتخذ صورًا متشابهة في أماكن كثيرة: الفقر، وضعف الخدمات، والبطالة، والنزاعات، والتفاوت، وغياب الفرص العادلة.
ثم كتبت على جذع الشجرة عبارة قالت إنها ستكون شعار المجلس:
«لا قيمة لغنى الأرض إذا ظل الإنسان فقيرًا في حقه وكرامته وأمله».
الفصل الثالث: الثعلب الذي باع مفاتيح المخازن
في الجهة الأخرى من الغابة، كان الثعلب الأحمر يتولى إدارة مخازن الحبوب والثمار.
وكانت المخازن ممتلئة بالذرة والدخن والفول والبطاطا، لكن الثعلب كان يفتح أبوابها للتجار المقربين منه، ويبيعهم المحاصيل بأسعار تفضيلية، ثم يرفع الأسعار على الحيوانات الفقيرة.
وفي موسم الجفاف، جاء الأرنب بأطفاله الثلاثة، ووقف أمام المخزن.
قال للحارس:
— أرجوك، لم نجد ما نأكله منذ يومين. أعطني قليلًا من الحبوب، وسأردّ ثمنها بعد الحصاد.
ضحك الحارس وقال:
— التعليمات واضحة. لا حبوب لمن لا يملك المال.
عاد الأرنب إلى منزله، فوجد أطفاله ينتظرونه. جلس بينهم صامتًا، لا يعرف كيف يشرح لهم أن الأرض التي يعيشون عليها تنتج الغذاء، لكنهم لا يستطيعون شراءه.
وفي المساء، شاهد القرد الثعلب وهو يخرج من باب خلفي يحمل أكياسًا من الحبوب إلى عربات التجار.
صعد القرد إلى الشجرة، وصاح:
— يا أهل الغابة! إن الجوع ليس دائمًا نتيجة قلة الطعام؛ فقد يكون نتيجة احتكار الطعام وسوء إدارته!
اجتمعت الحيوانات، وبدأت تسأل:
— من يراقب المخازن؟
— من يحدد الأسعار؟
— أين تذهب عائدات المحاصيل؟
— لماذا يتحمل الفقراء خسائر المواسم، بينما يزداد بعض التجار ثراءً؟
وصلت الأسئلة إلى القصر، فاستدعى الأسد الثعلب.
قال الملك:
— أحقًّا أنك تبيع الحبوب للمقربين منك، وتحرم الجائعين منها؟
أجاب الثعلب:
— يا مولاي، أنا أعمل وفق قواعد السوق، وكل شيء له ثمن!
فتدخلت الغزالة قائلة:
— للسوق قواعد، نعم، لكن للمجتمع أيضًا مسؤوليات. لا يجوز أن يصبح الغذاء امتيازًا للأقوياء، وأن يتحول الجوع إلى عقوبة للفقراء.
أمر الأسد بفتح تحقيق في إدارة المخازن، ومراجعة الحسابات، وإعلان كميات الحبوب وأسعارها. لكن البومة حذّرته:
— يا مولاي، لا يكفي أن تعاقب ثعلبًا واحدًا، إذا بقي النظام الذي يسمح له بالاستيلاء على حقوق الآخرين دون رقابة.
ومنذ ذلك اليوم، أدركت الحيوانات أن محاربة الفساد لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالشفافية، والقوانين العادلة، والرقابة المستقلة، ومحاسبة كل من يستغل منصبه.
الفصل الرابع: النهر الذي اختلفت عليه القبائل
كان في قلب المملكة نهر عظيم، تشرب منه الحيوانات، وتسقي به المزارع، وتعيش على ضفافه جماعات مختلفة في اللغة والعادات.
عاشت الفيلة قرب المنبع، وسكنت الغزلان السهول الوسطى، وأقامت الجاموسات في الأراضي الرطبة، وانتشرت القرود في الغابات القريبة.
ولسنوات طويلة، تقاسمت هذه الجماعات الماء وفق أعراف قديمة، حتى جاءت سنوات الجفاف، فانخفض منسوب النهر، وبدأت الخلافات.
قالت الفيلة:
— نحن أقرب إلى المنبع، ومن حقنا أن نأخذ ما نحتاج إليه أولًا.
وردت الغزلان:
— لكن مزارعنا تموت عطشًا، وأطفالنا يحتاجون إلى الماء.
وقالت الجاموسات:
— إذا جفّت الأراضي الرطبة، فقدنا مراعيَنا ومصدر رزقنا.
ثم جاء الضبع، وكان بارعًا في إشعال الخلافات، فقال لكل جماعة على انفراد:
— إن الجماعة الأخرى تريد حرمانكم من الماء. لا تثقوا بها، ولا تشاركوها في شيء!
انتشرت الشكوك، وتحولت المنافسة على المورد المحدود إلى خصومة بين الجيران.
عندئذ نزل الفيل العجوز إلى ضفة النهر، وقال:
— يا أبناء الغابة، هل خلقنا اختلاف لغاتنا لنصبح أعداء؟ وهل يعني اختلاف عاداتنا أن عطش أحدنا أقل أهمية من عطش الآخر؟ إن النهر لا يسأل الحيوان عن قبيلته قبل أن يمنحه الماء.
ثم دعت البومة ممثلي الجماعات إلى مجلس للصلح، وطرحت ثلاثة أسئلة:
1. كيف نوزع المياه بطريقة عادلة؟
2. كيف نحمي النهر من التلوث والاستنزاف؟
3. كيف نمنع المحرضين من تحويل الخلافات المحلية إلى صراعات طويلة؟
وبعد نقاش طويل، اتفقت الجماعات على تنظيم حصص المياه، وصيانة القنوات، وحماية المنبع، وإنشاء لجنة مشتركة لحل النزاعات.
واكتشفت الحيوانات أن الاختلاف ليس عدوًّا للسلام، وأن العدو الحقيقي هو تحويل الاختلاف إلى أداة للحرمان والكراهية.
قالت البومة:
— مملكتنا ليست شعبًا واحدًا متشابهًا، بل شعوب متعددة اللغات والثقافات والتجارب. وتصبح هذه الثروة مصدر قوة حين تقوم العلاقات على الاحترام والعدالة، لا على التمييز والإقصاء.
الفصل الخامس: الغراب الأسود وكنوز الأرض
كان الغراب الأسود يعيش قرب منجم كبير في أطراف الغابة. وكانت الأرض هناك غنية بالذهب والمعادن، وتصل إليها قوافل التجار من بلاد بعيدة.
في البداية، فرحت الحيوانات، وظنت أن المنجم سيجلب المدارس والمستشفيات والطرق والمياه النظيفة.
لكن السنوات مرّت، ولم يتغير حال القرية كثيرًا. بقي الطريق ترابيًّا، وظلت المدرسة صغيرة، بينما ظهرت في المدينة البعيدة قصور جديدة ومركبات فاخرة.
وقف الغراب على صخرة، وقال:
— أرى الذهب يخرج من أرضنا، لكنني لا أرى أثره في حياة أطفالنا. أرى الشاحنات تحمل الثروات، ولا أرى طريقًا آمنًا يصل قريتنا بالمستشفى.
ردّ عليه القرد:
— ربما لا تكمن المشكلة في استخراج الثروات وحده، بل في العقود التي تنظمه، وفي الضرائب والعائدات، وفي مدى استفادة السكان من الموارد التي توجد تحت أقدامهم.
وأضافت البومة:
— إن استثمار الثروات الطبيعية يمكن أن يساعد على التنمية، بشرط أن تُدار عائداته بشفافية، وأن تحترم حقوق العمال والمجتمعات المحلية، وأن تُحمى البيئة من الأضرار، وألا تتحول الثروة إلى امتياز محصور في أيدي قلة.
وفي اليوم التالي، نظمت الحيوانات اجتماعًا عامًا، ورفعت لافتة كتب عليها:
«ثروات الأرض أمانة، والتنمية حق، والمساءلة ضرورة».
طالبت الحيوانات بنشر المعلومات المتعلقة بعائدات المنجم، وتحسين ظروف العمال، وتخصيص موارد للتعليم والصحة والمياه، وإصلاح الأراضي المتضررة.
وللمرة الأولى، لم يعد السؤال في الغابة: كم طنًّا من الذهب ننتج؟
بل أصبح السؤال: ماذا يستفيد الإنسان من هذا الذهب؟
الفصل السادس: الطاووس الذي سرق أحلام الشباب
في إحدى مدن المملكة، كانت الطيور الشابة تتخرج من مدارسها، وتحلم بالعمل والإبداع.
كان الشاب الصقر يتقن الطيران، ويحلم بأن يصبح مهندسًا للجسور. وكانت السلحفاة الصغيرة تحب الحساب، وتريد أن تصبح معلمة. أما النحلة، فكانت تحلم بإنشاء مشروع لإنتاج العسل، يوفر العمل لعدد من أبناء القرية.
لكنهم واجهوا أبوابًا مغلقة.
قال الصقر:
— درست سنوات طويلة، لكنني لا أجد فرصة تتناسب مع مهاراتي.
وقالت السلحفاة:
— في قريتي أطفال أذكياء، لكنهم يفتقرون إلى المدارس المجهزة والمعلمين والكتب.
وأضافت النحلة:
— أستطيع إنتاج العسل، لكنني أحتاج إلى تدريب وتمويل ومعدات وسوق أبيع فيه منتجاتي.
وفي تلك الأثناء، كان الطاووس المسؤول عن شؤون الشباب يعلن في كل احتفال:
— شباب المملكة هم مستقبل الغابة!
لكن عندما يأتي وقت التدريب والتوظيف، كانت الفرص تذهب غالبًا إلى أصحاب العلاقات القوية، فيما ينتظر الآخرون.
قال القرد:
— لا يكفي أن نصف الشباب بأنهم مستقبل البلاد، ثم نتركهم بلا أدوات لبناء ذلك المستقبل.
وأعلنت البومة أن الغابة تحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب مهني، ودعم للمشروعات الصغيرة، وفرص عمل عادلة، وإتاحة التكنولوجيا، ومكافحة التمييز القائم على الأصل أو المكانة الاجتماعية.
ثم أضافت:
— لا ينبغي أن يُجبر الشباب على الاختيار بين الهجرة بحثًا عن فرصة، والبقاء بلا أمل. من حقهم أن يجدوا في أوطانهم بيئة تسمح لهم بالعمل والابتكار والمشاركة.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ أبناء الغابة ينظمون تعاونيات زراعية، ومبادرات تعليمية، ومشروعات صغيرة، ويتعاونون مع المعلمين والحرفيين لنقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
لم تختفِ البطالة في يوم واحد، لكن الشباب اكتشفوا أن أصواتهم وقدراتهم يمكن أن تصبح جزءًا من الحل.
الفصل السابع: الفيلة التي نسيت طريق السلام
في الجنوب، اندلع نزاع طويل بين مجموعتين من الحيوانات بسبب الأرض والموارد وحدود المراعي.
خافت الأرانب من مغادرة جحورها، وأغلقت السلاحف مدارسها الصغيرة، واضطرت أسر كثيرة إلى الانتقال نحو مناطق أكثر أمنًا.
كانت الحمامة تطير بين القرى، وتحمل رسائل تطلب وقف النزاع، لكنها كانت تعود كل مساء مثقلة بالحزن.
وفي إحدى رحلاتها، التقت بفيل صغير يسأل أمه:
— لماذا نترك بيتنا؟ ولماذا لا نستطيع العودة إلى مدرستنا؟
لم تجد الأم جوابًا سهلًا.
عندها قررت البومة أن تجمع الأطراف المتنازعة في مجلس للسلام. حضر الفيل العجوز، والأسد، والغزالة، والقرد، وممثلون عن الجماعات المتضررة.
قالت البومة:
— لا يمكن أن نبني سلامًا دائمًا إذا اكتفينا بإسكات أصوات الخلاف، وتركنا أسبابه دون علاج. يجب أن نستمع إلى المظالم، ونحمي المدنيين، ونضمن عودة النازحين بأمان، ونعيد بناء المدارس والمنازل، ونفتح أبواب الحوار.
قال الأسد:
— ولكن كيف نعيد الثقة بعد كل ما حدث؟
أجاب الفيل العجوز:
— بالاعتراف بمعاناة المتضررين، والعدالة، والتعويض حيث يلزم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وإشراك المجتمعات في القرارات التي تمس حياتها.
وأضافت الحمامة:
— السلام ليس مجرد غياب الحرب؛ إنه شعور الطفل بالأمان، وعودة الأم إلى بيتها، وقدرة المزارع على زراعة أرضه دون خوف، وحق الجميع في العيش بكرامة.
استغرق الصلح وقتًا طويلًا، ولم تكن المصالحة سهلة. لكن الجماعات بدأت تتفق على وقف العنف، وإيصال المساعدات، وحماية المدارس والمراكز الصحية، وإنشاء مجالس محلية للحوار وتسوية الخلافات.
وعندما عاد الفيل الصغير إلى مدرسته، وجد أن بعض جدرانها قد تهدمت، لكنه رأى المعلمة تكتب على السبورة:
«السلام عمل يومي، وليس وعدًا يُقال في الاحتفالات».
الفصل الثامن: الببغاء الذي باع الحقيقة
كان الببغاء يعيش قرب القصر الملكي، ويجيد تقليد أصوات المسؤولين. فإذا أعلن الملك أن المملكة مزدهرة، كرر الببغاء عبارته في كل مكان. وإذا قال الوزير إن الفقراء يعيشون في رفاهية، طار الببغاء بين الأشجار وهو يردد الكلام نفسه.
وفي يوم من الأيام، اجتاحت عاصفة قوية إحدى القرى، فتهدمت منازل، وتضررت المحاصيل، واحتاج السكان إلى المساعدة.
لكن الببغاء أعلن من فوق شجرة مرتفعة:
— لا توجد أزمة! كل شيء على ما يرام! إن الغابة تعيش أفضل أيامها!
سمعته السلحفاة العجوز، فقالت:
— يا ببغاء، هل زرت القرية؟ هل رأيت المنازل؟ هل سألت الأطفال عما فقدوه؟
أجاب الببغاء:
— أنا أنقل ما يقوله القصر.
قالت السلحفاة:
— لكن نقل الكلام ليس دائمًا نقلًا للحقيقة. على من يتحدث أمام الناس أن يتحقق من المعلومات، وعلى المسؤولين أن يسمعوا أصوات المتضررين بدلًا من إخفائها.
وصلت الحكاية إلى الحيوانات، فبدأت تسأل عن أهمية الصحافة المستقلة، وحرية التعبير المسؤولة، والحصول على المعلومات، وحماية من يكشفون الفساد بحسن نية ووفق القانون.
أما الببغاء، فقد قرر أن يتعلم شيئًا جديدًا: بدلًا من تكرار ما يسمعه، صار يسأل ويبحث ويتحقق قبل أن يتكلم.
وتعلمت الغابة درسًا مهمًّا:
— حين تُحجب الحقيقة، تتفاقم المشكلات؛ وحين تتاح المعلومات الموثوقة، يصبح الإصلاح ممكنًا.
الفصل التاسع: اجتماع الحيوانات الكبرى
بعد سنوات من الأزمات، دعت البومة الحكيمة جميع الحيوانات إلى ساحة الباوباب الكبرى.
جاءت الفيلة والأسود والغزلان والأرانب والقرود والحمام والنسور والنحل والنمل والسلاحف، حتى امتلأت الساحة بالحاضرين.
وقفت البومة في وسطهم وقالت:
— لقد تحدثنا عن الفقر والفساد والجوع، وعن التعليم والصحة والبطالة، وعن النزاعات والمياه والثروات الطبيعية، ولكن الحديث وحده لا يكفي. ماذا سنفعل؟
تقدم الأسد، وقال:
— أعترف بأن قوة المملكة لا تُقاس بعدد الحراس ولا بارتفاع أسوار القصر، بل بقدرة سكانها على العيش بأمان وكرامة. وأتعهد بأن تكون إدارة الموارد خاضعة للقانون والمساءلة.
ثم تقدم الفيل وقال:
— سنعمل على حماية الأراضي والمياه والغابات، ونضع خططًا لمواجهة الجفاف والتصحر والفيضانات، ونشجع الزراعة التي تحافظ على البيئة.
وقالت النحلة:
— سننشئ تعاونيات صغيرة تساعد المزارعين والحرفيين، ونفتح أبواب التدريب أمام الشباب والنساء.
وقال العصفور:
— سنطالب بمدارس جيدة لكل طفل، وبالتعليم الذي يحترم لغات المجتمعات وثقافاتها، ويمنح المتعلمين فرصًا حقيقية للمستقبل.
وقالت الحمامة:
— وسنحمي حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة في اتخاذ القرار، ونرفض العنف والتمييز، ونساند كل أسرة تحتاج إلى الدعم.
أما القرد، فقال:
— سنطالب بمؤسسات شفافة، وقضاء مستقل، وإدارة رشيدة للمال العام، ومشاركة المواطنين في مراقبة المشروعات التي تُقام باسمهم.
ثم وقف النسر، ونظر إلى الأفق البعيد:
— وعلى شعوب القارة أن تتعاون فيما بينها في التجارة والتعليم والبحث العلمي ومواجهة الأزمات العابرة للحدود، وأن تستفيد من خبراتها المحلية وشراكاتها الدولية دون أن تتخلى عن حقها في اتخاذ قراراتها.
لكن الأرنب الصغير رفع يده، وسأل:
— كل هذا جميل، ولكن كيف نضمن ألا تبقى الوعود معلقة على الأشجار مثل أعشاش الطيور؟
ضحكت الحيوانات من ذكائه، ثم قالت البومة بجدية:
— بسؤال كهذا يبدأ التغيير الحقيقي. يجب أن تتحول الوعود إلى خطط واضحة، لها ميزانيات معلنة، ومواعيد محددة، ومؤشرات لقياس النتائج، وجهات مسؤولة عن التنفيذ، وآليات تسمح للمواطنين بمتابعة التقدم ومحاسبة المقصرين.
وفي نهاية الاجتماع، أنشأت الحيوانات مجلسًا يضم ممثلين عن مختلف الجماعات، وتقرر أن تُنشر تقارير دورية عن التعليم والصحة والمياه والميزانية وحماية البيئة، وأن تُعقد لقاءات عامة للاستماع إلى السكان.
لم تصبح المملكة مثالية بين ليلة وضحاها، لكنها بدأت تسلك طريقًا جديدًا.
الفصل العاشر: الرسالة التي حملتها الحمامة
بعد انتهاء الاجتماع، طارت الحمامة البيضاء فوق الجبال والأنهار والسهول، تحمل رسالة إلى الشعوب .
حطت أولًا في قرية صغيرة، حيث كان أطفال يجلسون تحت شجرة يتعلمون القراءة.
ثم طارت إلى مدينة مزدحمة، حيث كان شباب يبحثون عن العمل.
وزارت منطقة زراعية أنهكها الجفاف، ومخيمًا يؤوي أسرًا اضطرت إلى النزوح، وقرية تتعاون نساؤها لإنشاء مشروع صغير.
وفي كل مكان، كانت تترك رسالة واحدة:
«يا أبناء إفريقيا، إن قارتكم ليست فقيرة في أرضها ولا في طاقات أبنائها. ففيها معارف متوارثة، ولغات غنية، وثقافات متعددة، وموارد طبيعية، وشباب قادرون على الإبداع.
لكن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى رفاه وعدالة، إنها تحتاج إلى مؤسسات نزيهة، وتعليم جيد، ورعاية صحية متاحة، وفرص عمل عادلة، وإدارة مسؤولة للثروات، وحماية للبيئة، وسلام يقوم على الإنصاف والمشاركة.
لا تجعلوا اختلاف لغاتكم وقبائلكم وثقافاتكم سببًا للكراهية، ولا تسمحوا بأن يتحول الفقر إلى قدر لا يمكن تغييره، أو أن تصبح الثروة العامة ملكًا لقلة من الناس.
اسألوا عن حقوقكم، وشاركوا في بناء مجتمعاتكم، واحموا الحقيقة، وساندوا المظلوم، وافتحوا أبواب الأمل أمام الأطفال والشباب والنساء.
ولا تنتظروا أن يأتي الإصلاح من شخص واحد، أو أن تصنعه معجزة؛ فالتغيير المستدام يحتاج إلى تعاون المواطنين، ومسؤولية المؤسسات، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والعمل المتواصل».
وحين وصلت الحمامة إلى آخر قرية في رحلتها، كان المساء قد حلّ، وكانت الشمس تغيب خلف أشجار الباوباب.
اجتمعت حولها الطيور والحيوانات، وسألها العصفور الصغير:
— هل ستصبح إفريقيا يومًا قارة ينعم جميع أبنائها بالكرامة والأمن والازدهار؟
أجابت الحمامة:
— لا يستطيع أحد أن يضمن المستقبل بكلمات جميلة، لكن الشعوب تستطيع أن تزيد فرصها في الوصول إليه حين تتعلم، وتتعاون، وتبني مؤسسات عادلة، وتحاسب من يتولى المسؤولية، ولا تفقد الإيمان بقدرتها على الإصلاح.
ثم رفرف العصفور بجناحيه، وبدأ يغني:
يا أرضَ إفريقيا، يا موطنَ الأنهار،
يا مهدَ الإنسان، يا ذاكرةَ الأحرار،
فيكِ الذهبُ، وفيكِ الزرعُ والأثمار،
فلماذا يطولُ الجوعُ، ويكبرُ الانتظار؟
نريدُ علمًا لكل طفل،
وكرامةً لكل إنسان،
وماءً لكل قرية،
وعدلًا يحمي الضعيفَ من الطغيان.
نريدُ سلامًا لا تصنعه الخطبُ وحدها،
بل تبنيه العدالةُ، والعملُ، والإحسان.
ومنذ ذلك اليوم، صار العصفور يردد أغنيته كل صباح، حتى حفظتها الطيور، ورددتها الحيوانات، وتناقلتها الأجيال.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايات الغابة الإفريقية: العرش والثروة وبذور الحرية الدكتور ...
- حكاية الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
- ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جب ...
- العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور ...
- القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو ...
- حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...


المزيد.....




- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...
- «قساطل».. سينما لبنانية ترصد صراع البقاء والوحدة في قرية منس ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون