ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 17:04
المحور:
الادب والفن
يتناول هذا المقال الكلمات الاستهلالية في الحكاية الشعبية لدى قبيلة مزغوم في الكاميرون، انطلاقًا من الصيغة الشفهية: «مرجي دام »، التي يفتتح بها الراوي الحكاية قبل الانتقال إلى سرد أحداثها. ويسعى المقال إلى دراسة هذه الصيغة من حيث موقعها في البناء الحكائي، ووظائفها المحتملة في التهيئة للسرد، وجذب انتباه المستمعين، وتنظيم العلاقة بين الراوي والجمهور، والإسهام في حفظ الذاكرة الثقافية ونقل التراث بين الأجيال.
وينطلق البحث من اعتبار الحكاية الشعبية أداءً شفهيًّا متكاملًا، لا نصًّا لغويًّا منفصلًا عن ظروف روايته؛ إذ تتداخل فيها الكلمة والإيقاع والصوت والذاكرة والتفاعل الاجتماعي. ويستفيد من الدراسات العامة للأدب الشفهي في الكاميرون، مع الالتزام بالتمييز بين ما تثبته الرواية المحلية المنقولة وما يحتاج إلى تحقق ميداني إضافي. ويخلص المقال إلى أن الكلمات الاستهلالية تمثل مدخلًا واعدًا لدراسة البنية الأدائية للحكاية الشعبية المزغومية، وأن توثيقها صوتيًّا ولسانيًّا وثقافيًّا يمكن أن يسهم في صون التراث الشفهي وتعزيز حضوره في الدراسات الأدبية والأنثروبولوجية.
الكلمات المفتاحية: قبيلة مزغوم، الكاميرون، الحكاية الشعبية، الكلمات الاستهلالية، الأدب الشفهي، الذاكرة الثقافية، الأداء الحكائي.
المقدمة
يحتل الأدب الشفهي مكانة مهمة في الثقافات الإفريقية؛ فهو أحد الأشكال التي تحفظ الجماعات من خلالها خبراتها التاريخية، وتصوراتها عن العالم، وقيمها الاجتماعية، وطرائقها في تفسير العلاقات الإنسانية والطبيعية، ولا تقتصر أهمية هذا الأدب على مضمون الحكايات والأمثال والأغاني، بل تمتد إلى طرائق أدائها، والسياقات التي تُروى فيها، والعلاقات التي تنشأ بين الراوي والمستمعين أثناء عملية الحكي.
وفي الكاميرون، تتعدد التقاليد الشفهية بتعدد الجماعات اللغوية والثقافية، وقد اهتمت دراسات الأدب الشعبي بتسجيل الحكايات وتحليل أنماط روايتها وشخصياتها وسياقات أدائها.
ضمن هذا الإطار، تبرز الممارسة الشفهية المنقولة عن قبيلة مزغوم، والتي تتمثل في افتتاح الحكاية بصيغة هي: «مرجي دام…بمعنى قصة »، قبل أن ينتقل الراوي إلى السرد، وتثير هذه الممارسة أسئلة أدبية وثقافية تتجاوز ظاهر التكرار الصوتي: ما وظيفة هذا الاستهلال؟ وهل يهيئ المستمعين لتلقي الحكاية؟ وما علاقته بإيقاع الأداء وذاكرة الجماعة؟ وكيف يمكن توثيقه وتحليله دون فرض معانٍ غير مثبتة على ألفاظه؟
إن أهمية هذه الأسئلة تكمن في أنها تنقل الاهتمام من الحكاية بوصفها مضمونًا سرديًّا إلى الحكاية بوصفها حدثًا أدائيًّا يجمع بين اللغة والصوت والتفاعل والذاكرة.
أولًا: إشكالية البحث وأسئلته
تتمثل إشكالية البحث في محدودية المعلومات الموثقة المتاحة عن الوظائف الخاصة للأغنية الاستهلالية في الحكاية الشعبية لدى مزغوم، على الرغم من أهمية الصيغة الشفهية المنقولة بوصفها مدخلًا إلى دراسة هذا التقليد الحكائي.
وعليه، يسعى المقال إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1. ما الموقع الذي تحتله الكلمات الاستهلالية في البناء العام للحكاية الشعبية؟
2. ما الوظائف السردية والأدائية التي يمكن أن تؤديها صيغة «تومتي تومتي تومتي اهنا…»؟
3. كيف يمكن أن تسهم هذه الصيغة في تشكيل العلاقة بين الراوي والمستمعين؟
4. ما صلتها المحتملة بالذاكرة الثقافية واستمرار الموروث الشفهي؟
5. ما المنهج الأنسب لتوثيقها ودراسة ألفاظها وإيقاعها وسياق أدائها؟
وتنبثق عن هذه الأسئلة فرضية مفادها أن الكلماتالاستهلالية ليست بالضرورة عنصرًا زخرفيًّا يسبق الحكاية فحسب، بل قد تؤدي دورًا في تنظيم فعل الحكي وتهيئة شروط التلقي. غير أن إثبات وظائفها الفعلية في تقليد مزغوم يظل مرتبطًا بالملاحظة الميدانية والتسجيل المباشر وشهادات الرواة.
ثانيًا: أهداف البحث وأهميته
يهدف البحث إلى:
1. التعريف بالكلمات الاستهلالية بوصفها عنصرًا من عناصر الأداء الحكائي الشفهي لدى مزغوم.
2. تحليل موقعها ووظائفها المحتملة في الانتقال من الإنشاد إلى السرد.
3. إبراز العلاقة بين الأداء الشفهي والذاكرة الثقافية.
4. اقتراح منهج لتوثيق الصيغة المحلية وتحليلها في سياقها اللغوي والاجتماعي.
5. الإسهام في توجيه الاهتمام الأكاديمي إلى التقاليد الشفهية المحلية في شمال الكاميرون.
وتتجلى أهمية الموضوع في أنه يسلط الضوء على عنصر صغير في حجمه الظاهري، لكنه قد يكون مهمًّا في فهم الطريقة التي تبدأ بها الحكاية وتُقدَّم إلى جمهورها. كما أنه يتيح دراسة التراث الشفهي من داخل ممارساته المحلية، بدل الاكتفاء بتصنيف الحكايات بحسب موضوعاتها أو مضامينها الأخلاقية.
ثالثًا: المنهج المعتمد وحدود المادة
يعتمد المقال المنهج الوصفي التحليلي، مع الاستفادة من مقاربة الأداء الشفهي التي تدرس الحكاية في علاقتها بالراوي والمستمعين والصوت والمكان والسياق الاجتماعي.
رابعًا: مفهوم الكلمات الاستهلالية في الحكاية الشعبية
يمكن تعريف الكلمات الاستهلالية إجرائيًّا بأنها صيغة إيقاعية تُؤدَّى في بداية الحكاية، قبل الدخول في الأحداث والشخصيات، وقد تتخذ شكل تكرار لفظي أو عبارة قصيرة أو مقطع غنائي.
ويعتمد هذا التعريف على الوظيفة والموقع، لا على افتراض أن كل استهلال يؤدي الوظيفة نفسها في جميع الثقافات. فبعض الصيغ قد تكون وسيلة لجذب الانتباه، وبعضها قد يساعد في تنظيم المشاركة الجماعية، بينما قد ترتبط صيغ أخرى بتقاليد محلية أو مناسبات محددة.
وتؤكد دراسات الحكاية الشعبية الإفريقية أهمية النظر إلى الأداء بوصفه عملية إبداعية تتفاعل فيها المادة الحكائية مع قدرات الراوي واستجابات الجمهور. وقد أشارت دراسة عن الحكايات الشعبية في الكاميرون أن السرد الشفهي قد يجمع بين النثر والشعر والأغاني، وأن مشاركة الجمهور قد تتخذ صورًا من الاستجابة المتبادلة بين الراوي والمستمعين.
ومن ثم، فإن دراسة الكلمات ا لاستهلالية لدى مزغوم تستدعي الاهتمام بموقعها في الأداء الفعلي، لا الاكتفاء بكتابتها على الورق.
خامسًا: قراءة تحليلية في صيغة «تومتي تومتي toumty touty …»
أتومتي تومتي تومتي .. تومتي فيملي
تومتي تومتي تومتي تماغني toumty toumty timagounai
أتومتي تومتي أتزتي مارماياmarmaya toumty toumty toumty
احلول فيتي اسيطا اسيطا موتا ولكني .
تتكون الصيغة المنقولة من تكرار لفظي يتبعه مقطع « تومتي». ويمكن البدء بتحليلها من ثلاث زوايا متكاملة، مع التحفظ بشأن دلالاتها اللغوية الخاصة.
1 .التكرار بوصفه تنظيمًا صوتيًّا
يحتل التكرار موقعًا بارزًا في الصيغة؛ إذ تتكرر «تومتي» ثلاث مرات قبل الانتقال إلى المقطع الأخير. ويتيح هذا التكرار دراسة انتظام الأداء، ومدة النطق، ومواضع الوقف، والتنغيم، وما إذا كانت المرات الثلاث متطابقة صوتيًّا أم تتغير نبرتها تدريجيًّا.
وقد يساعد التكرار، من حيث المبدأ، على تثبيت الصيغة في الذاكرة وتيسير استعادتها أثناء الأداء. لكن لا يمكن الجزم بأن هذه هي وظيفته المقصودة لدى مزغوم إلا بعد ملاحظة استعماله لدى عدد من الرواة.
2 .الانتقال من الإنشاد إلى السرد
تكتسب الصيغة أهميتها من موقعها السابق مباشرة لبدء الحكاية، وفق الرواية المنقولة. فوجودها في هذه العتبة يتيح افتراض أنها تؤدي دورًا في الانتقال من الحديث العادي إلى الأداء الحكائي.
ويُقصد بالعتبة الحكائية هنا العنصر الذي يسبق النص السردي ويهيئ دخوله، سواء أكان عبارة افتتاحية أم إنشادًا أم حركة أدائية. وفي حالة مزغوم، يمكن اختبار ما إذا كانت الكلمات تحدد بداية الحكاية بصورة متعارف عليها، أو تنبه المستمعين إلى تغير نمط التواصل، أو تمنح الراوي لحظة لإعداد صوته وإيقاعه.
غير أن هذه الوظائف تظل احتمالات تحليلية، ولا يصح تقديمها باعتبارها حقائق ميدانية ثابتة قبل تسجيل الأداء ومقارنته.
3. القيمة الإيقاعية للصيغة
تتيح البنية المتكررة للصيغة دراسة العلاقة بين الإيقاع اللفظي وإيقاع الحكي. ويمكن للباحث أن يرصد سرعة الإنشاد، وطول المقاطع، وتوزيع النبرات، وطريقة الانتقال إلى أول جملة سردية.
ولا يقتصر هذا الجانب على وصف الأصوات، بل يساعد على فهم كيفية تنظيم الزمن الأدائي للحكاية: هل يبدأ السرد مباشرة بعد الاستهلال؟ وهل توجد وقفة بينهما؟ وهل يتغير صوت الراوي أو مستوى أدائه عند الانتقال؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى تسجيل صوتي واضح، لأن الكتابة وحدها لا تحفظ جميع خصائص الأداء.
سادسًا: الوظائف السردية المحتملة للأغنية الاستهلالية
يمكن اقتراح مجموعة من الوظائف التي ينبغي اختبارها ميدانيًّا في تقليد مزغوم.
1 .وظيفة التهيئة للسرد
قد تعمل الكلماتبوصفها مقدمة تسبق الأحداث، وتساعد على الانتقال من التواصل اليومي إلى وضعية الحكي. وتتمثل أهمية هذه الوظيفة في أنها تمنح بداية الحكاية علامة أدائية يمكن التعرف عليها.
.2 وظيفة استرعاء الانتباه
يمكن أن يكون الإنشاد وسيلة لجذب انتباه الحاضرين، ولا سيما إذا كانت الحكاية تُروى في مجلس يضم أشخاصًا متفاوتي الأعمار. لكن إثبات هذه الوظيفة يتطلب ملاحظة استجابات المستمعين عند بدء الأغنية.
.3 وظيفة تنظيم المشاركة الجماعية
قد تكون الكلماتموجهة إلى الراوي وحده، وقد تتضمن مشاركة من المستمعين. والفرق بين الاحتمالين مهم؛ لأن الإنشاد الفردي يختلف أدائيًّا عن الإنشاد الذي يقوم على تبادل الأدوار أو الترديد الجماعي.
ولهذا ينبغي عدم افتراض أن الجمهور يشارك في ترديد «تومتي تومتي تومتي اهنا…» ما لم تؤكد التسجيلات أو شهادات الرواة ذلك.
4 .وظيفة تثبيت الذاكرة الأدائية
قد يسهم تكرار الصيغة في حفظها واستمرارها بين الأجيال، خصوصًا إذا كان الرواة يتعلمونها بالسماع والمحاكاة. وتساعد مقارنة أداء الرواة الأكبر سنًّا والأصغر سنًّا على معرفة مدى استقرار الصيغة، وما إذا كانت تتغير بمرور الزمن.
5 .وظيفة التمييز بين أنماط الخطاب
قد تشير الكلماتإلى أن ما يليها ليس حديثًا عاديًّا، بل حكاية لها تقاليدها وقواعد أدائها. ويمكن اختبار ذلك بسؤال الرواة عن المواضع التي يستعملون فيها الصيغة، وما إذا كانت تظهر في جميع الحكايات أم في أنواع معينة منها.
سابعًا: الكلمات الاستهلالية والذاكرة الثقافية
لا تقتصر الذاكرة الثقافية على المعلومات المتعلقة بالماضي، بل تشمل كذلك الممارسات التي تتناقلها الجماعة وتعيد أداءها في حياتها اليومية. ومن هذه الممارسات الحكايات والأمثال والأغاني والصيغ المتكررة التي يتعلمها الصغار من الكبار بالمشاهدة والاستماع والمشاركة.
وفي هذا السياق، يمكن دراسة الكلمات الاستهلالية لدى مزغوم باعتبارها وحدة صغيرة قابلة للحفظ والاستعادة، وربما بوصفها علامة على استمرار تقليد حكائي محلي. غير أن ربطها بتاريخ محدد أو اعتقاد ديني أو طقس اجتماعي يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن استخلاصه من ألفاظها وحدها.
وتفيد الدراسات الخاصة بالأدب الشفهي في الكاميرون بأن الحكايات قد تحمل ذاكرة الجماعة وقيمها وتصوراتها، وأن توثيقها يستلزم الاهتمام بظروف الأداء وهوية الراوي واللغة الأصلية. ومن هنا، فإن تسجيل الكلمات الاستهلالية لا ينبغي أن ينفصل عن تسجيل الحكاية التي تليها، لأن العلاقة بينهما قد تكون جزءًا من معناها الثقافي.
ثامنًا: الراوي والمستمع في بناء الحدث الحكائي
تقوم الحكاية الشفهية على علاقة تواصلية بين الراوي والمستمعين، ولا تتحدد خصائصها بالكلمات وحدها. فالصوت والتنغيم والوقفات والإيماءات واستجابات الحاضرين قد تؤثر جميعها في طريقة تقديم الحكاية وتلقيها.
ومن هذا المنظور، تفتح الكلمات الاستهلالية بابًا لدراسة طبيعة العلاقة بين طرفي الأداء. فإذا كان الراوي يؤديها وحده، فإن البحث يركز على كيفية إعداد المستمعين للإنصات. وإذا كان الجمهور يرددها معه، فإن التحليل ينتقل إلى المشاركة والتناوب بين الأصوات. وإذا كانت الاستجابة تختلف بحسب العمر أو المناسبة، فإن ذلك قد يكشف عن قواعد اجتماعية تحكم ممارسة الحكي.
ولهذا لا يكفي تسجيل الكلمات، بل ينبغي تسجيل الحدث الحكائي كاملًا، مع تدوين المكان والوقت وعدد المشاركين وطبيعة المناسبة، والحصول على موافقة الراوي والمشاركين على التسجيل واستخدامه في البحث.
تاسعًا: نحو منهج ميداني لتوثيق الأغنية
يتطلب الانتقال من القراءة الأولية إلى دراسة أكاديمية موثقة تنفيذ خطوات ميدانية واضحة:
1. تسجيل الصيغة كما يؤديها عدد من رواة مزغوم، مع الاحتفاظ بالتسجيلات الأصلية.
2. تدوين الصيغة باللغة المحلية وفق نظام كتابي متفق عليه، إن أمكن، ثم تقديم نقل صوتي دقيق عند الحاجة.
3. تسجيل الحكاية كاملة، مع الاحتفاظ بالكلماتفي موضعها الأصلي.
4. إجراء مقابلات مع الرواة لمعرفة متى تُستخدم الصيغة، وكيف تعلموها، وما تفسيرهم المحلي لها.
5. مقارنة الأداء بين الرواة من حيث النطق والإيقاع والوقفة والانتقال إلى السرد.
6. التحقق مما إذا كانت الصيغة تستعمل في جميع الحكايات أو في فئة محددة منها.
7. حفظ النسخ الصوتية والنصوص المفرغة في أرشيف محلي أو مؤسسي، وفق شروط موافقة أصحاب الرواية وحقوقهم الثقافية.
ويمكن أن يتضمن سجل كل رواية اسم الراوي أو رمزًا يحفظ خصوصيته، والعمر التقريبي بموافقته، واللغة المستعملة، ومكان التسجيل وتاريخه، ونوع الحكاية، والنص الأصلي، والترجمة، والملاحظات المتعلقة بالأداء.
وتكمن قيمة هذا المنهج في أنه يحفظ المادة من التحويل المتعجل إلى نص مكتوب قد يفقد خصائصها الصوتية والاجتماعية.
عاشرًا: موقع الموضوع في دراسات الأدب الشفهي الإفريقي
يندرج موضوع الكلمات الاستهلالية ضمن الاهتمام المتزايد بدراسة الأدب الشفهي باعتباره ممارسة أدبية وثقافية متكاملة. وقد جمع إيمانويل ماتاتيو في كتابه عن الأساطير والحكايات الشعبية الكاميرونية نماذج من تقاليد حكائية متنوعة، مع اهتمام بسياقات الأداء، كما تناولت دراسة منشورة في مجلة Frontiers in Psychology الحكايات الشعبية في الكاميرون بوصفها أدوات للتربية غير النظامية، وأشارت إلى حضور الأغاني والتفاعل مع الجمهور في تقاليد الحكي الإفريقية.
ولا تعني هذه الدراسات أنها وثقت الصيغة المزغومية «تومتي تومتي ...تومتي …» تحديدًا؛ وإنما تقدم إطارًا مقارنًا يمكن الاستفادة منه في تصميم الدراسة وتحليل نتائجها.
ومن ثم، تتمثل الإضافة المحتملة لهذا المقال في توجيه البحث إلى وحدة أدائية محددة في تراث مزغوم، بدل الاكتفاء بالحديث العام عن الحكاية الشعبية، وإذا دُعمت الملاحظات الأولية بتسجيلات ومقابلات ونصوص محلية، أمكن تطوير الموضوع إلى دراسة ميدانية أصيلة في الأدب الشفهي والذاكرة الثقافية.
حكاية الفارسَ واتميكيلي وعدوه:
يُروى في حكايات الشعبية لقبيلة مزغوم تلك واتميكيلي، الفارسَ الذي لا يَلحقُه لاحقاً، كان في أثر عدوٍّ له، لا يفتر عن مطاردته ولا يعرف في طلبه فتورًا، سار خلفه في الرمال حتى صار رداءً عليهما، وظنّ التعبُّ أنه قد بلغ آخر الأرض، فما كان منه إلّا أن سلَّ سيفه وضرب به الهواء، فانشقّ أمامهما بحرٌ هادر، تتلاطم أمواجُه وجهّها جبالٌ من ملحٍ ورمال.
وهي إلّا لحظةٌ حتى اجتاز التحديّ البحر على فرِسِه، فنجا إلى الضفّة الأخرى.
ثم أراد واتميكيلي أن يجتاز، فما كاد يضع قدمه حتى كاد البحر يبتلعه ويلقيه في داخله، فانتزع نفسه وتشبّث بالشاطئ، ويستحق المعاناة جسديًا في الحرية... فاشتدّ به الغيظ، وظلّ يُطارد عدوّه ولا يخلّع عنه.
فسلّ المعاناة سيفه، فانشقّ بحرٌ آخر غير ذلك، وتحدّاه أن يسرق، وكاد أن يُطرد منه ويغرق.
فلمّا علمت وتميكيلي أنّ البَت الاتصال بينه وبين ما يريد، وأنّه لولا قدرةٌ فوق التوقف لما نجا من الغرق... رفع صوته وطلب النجدة من عدوّه.
فتتوقّف المعاناة، لا عن الضعف، بل تعتبر الفروسية لا تسمح له بخصم يستنجد به. فمدّ له يداه، وانتشله من الماء، وأنجاه من الغرق.
ومن ثم واجه المعاناة الذي كان يطارد واتميكيلي... هو الذي أنقذ حياته؛ اعتبر الشهامة جريء من العداوة، ولأنّ الرجال — ولو افترقوا في العداء — يبقون على كلمة واحدة في الشدّة
الخاتمة
خلص المقال إلى أن الكلمات الاستهلالية «تومتي تومتي تومتي …» تمثل مدخلًا بحثيًّا مهمًّا لدراسة الحكاية الشعبية لدى قبيلة مزغوم في الكاميرون. وتنبع أهميتها من موقعها السابق للسرد، ومن إمكان تحليلها من حيث التكرار الصوتي، والانتقال إلى الحكاية، وتنظيم الأداء، والعلاقة بين الراوي والمستمعين، وصلتها المحتملة بحفظ الذاكرة الثقافية.
وقد أظهر التحليل أن فهم الكلمات لا ينبغي أن يقتصر على ألفاظها المكتوبة، بل يستلزم دراسة سياق أدائها وإيقاعها وطريقة تلقيها، كما بيّن أن بعض الوظائف المقترحة، مثل استرعاء الانتباه وتنظيم المشاركة الجماعية، لا تزال فرضيات تحتاج إلى التحقق الميداني، ولا يجوز نسبتها إلى التقليد المزغومي على سبيل القطع قبل جمع الأدلة.
وعليه، فإن دراسة هذه الصيغة يمكن أن تسهم في توسيع مجال البحث في التراث الشفهي لشمال الكاميرون، وتدعم الجهود الرامية إلى حفظ اللغات والمرويات المحلية، وإبراز القيمة الأدبية والمعرفية للممارسات الشفهية التي تنتقل من جيل إلى آخر.
النتائج
1. تمثل الصيغة المنقولة شاهدًا أوليًّا على وجود استهلال إنشادي يسبق السرد في الممارسة الحكائية المزغومية، وفق الرواية المقدمة.
2. يتيح التكرار اللفظي دراسة الإيقاع والتنغيم وبنية الأداء.
3. تفتح العلاقة الزمنية بين الكلماتوبداية السرد مجالًا لتحليل وظيفة الاستهلال في تنظيم الحدث الحكائي.
4. يمكن أن تكون الصيغة مدخلًا لدراسة الذاكرة الأدائية وانتقال الموروث بين الأجيال.
5. يظل تفسير الألفاظ وتحديد الوظائف الاجتماعية والثقافية الخاصة بها مرهونًا بالتسجيل المباشر وشهادات الرواة.
التوصيات
1. إعداد مشروع ميداني لتسجيل الحكايات الشعبية المزغومية، مع توثيق الأغاني الاستهلالية المصاحبة لها.
2. إنشاء أرشيف صوتي ونصي للمرويات المحلية بالتعاون مع الرواة والباحثين والمؤسسات الثقافية في الكاميرون.
3. تشجيع الباحثين على دراسة العلاقة بين الإنشاد والسرد في التقاليد الشفهية لشمال الكاميرون.
4. إدراج الحكايات الموثقة في أنشطة تعليمية وثقافية تراعي اللغة المحلية وحقوق أصحاب التراث.
5. تطوير دراسة مقارنة بين صيغ الاستهلال لدى مزغوم وبعض الجماعات المجاورة، بشرط الاعتماد على مواد ميدانية مستقلة وعدم افتراض التشابه مسبقًا.
أولًا: المراجع الأجنبية
• Bascom, William R. (1954). “Four --function--s of Folklore.” The Journal of American Folklore, 67(266), 333–349.
• Matateyou, Emmanuel. (1997). An Anthology of Myths, Legends, and Folktales from Cameroon: Storytelling in Africa. Lewiston, NY: The Edwin Mellen Press.
• Mekunda, Doreen, & Nkfunji, Mereal Njamnsi. “Oral Literature and Globalization: The Case of Mbum Land.” European Scientific Journal.
• “Folktales as Indigenous Pedagogic Tools for Educating School Children: A Mixed Methods Study among the Nso of Cameroon.” (2023). Frontiers in Psychology. DOI: 10.3389/fpsyg.2023.1049691.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟