أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو تدوين يحفظ الروح ويبلغ العالمية الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....



القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو تدوين يحفظ الروح ويبلغ العالمية الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 16:12
المحور: الادب والفن
    


المقدمة
تحمل إفريقيا في ذاكرتها الجماعية واحدًا من أغنى مخزونات السرد الإنساني؛ مخزونًا لم يُكتب على الورق في أغلبه، بل حُفظ في الصدور، وفي حناجر الرواة، وفي إيقاع الطبول، وفي هتاف الجمهور الذي يجيب الراوي كلما نادى، قصص عن عنكبوت يخدع السماء، وأرنب يهزم الأسد، وسلحفاة تشتري الحكمة بجرح، وأسلافٍ يصعدون من الأرض ليعيدوا ترتيب العالم، هذا العالم مليء بالغرائب والعجائب، وهو من روائع الماضي .
غير أنّ هذه الثروة مهدَّدة: كلّ راوٍ يرحل يحمل معه مكتبة كاملة، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى من ينقل القصة الإفريقية الشفهية إلى اللغة المكتوبة، لا كناقلٍ آلي يفرّغ الصوت في حروف، بل ككاتب يعرف قواعد الكتابة السردية، ويعرف أيضًا أخلاقيات النقل، حتى يرتقي النص المدوّن إلى مستوى يُخاطب به العالم ويستفيد منه المجتمع الإنساني كله.
هذه الوثيقة تتحرك في ثلاثة مسارات متكاملة: ما هي القصة الشفهية الإفريقية وخصائصها، كيف تُنقل إلى المكتوب وفق قواعد أساسية، ولماذا وكيف تبلغ المستوى العالمي.

المبحث الأول: القصة الإفريقية الشفهية
أولًا: القصة الإفريقية الشفهية
القصة الشفهية الإفريقية نصٌّ سردي متوارث يُنقل بالكلام والأداء من جيل إلى جيل، ويكتمل وجوده لحظة أدائه أمام جمهور، فهي ليست نصًّا «ناقصًا» ينتظر من يكتبه، بل شكل فني مكتمل له مقاييسه الخاصة، وإفريقيا ليست كتلة واحدة: فيها مئات اللغات والتقاليد، من حكايات «أنانسي» عند الأكان في غانا، إلى «إجابا» السلحفاة المحتالة عند اليوروبا، إلى الأرنب المحتال في نطاق البانتو، إلى ملحمة «سونياتا» في بلاد الماندى، إلى حكايات الجاموس والظبيان عند شعوب الجنوب، إلى أساطير «كاجن» عند السان في الجنوب الغربي.
وحكاية الولد الذكي وضبعانة عند قبيلة مزغوم في الكاميرون، وقصة الثعلب عند قبيلة فلانة في الكاميرون
أين تُروى؟ ومتى؟
بعد الحصاد، وفي الليالي الطويلة، حول النار.
في طقوس العبور: الميلاد، الختان، الزواج، الجنازة.
في ساحات المدن، على ألسنة المدّاحين والرواة المحترفين (الجريو / في الكاميرون).
في العمل الجماعي: أثناء الدقّ والحصاد والرعي.
الوظائف: لماذا تُروى القصة؟
الوظيفة: المظهر في الحكاية
تعليمية: نقل المعرفة العملية: أين يوجد الماء، كيف تُصاد الأسماك، أي نبات يُشفى
الجزاء العادل: المحتال يُكشف، المتكبّر يُذلّ، الكريم يُكافأ
اجتماعية: ترسيخ قيم التكافل والقرابة واحترام الشيخ والجار
ذاكرية: حفظ الأنساب والهجرات في قوالب قصصية (الملاحم والمدائح)
طقسية: الاتصال بالأسلاف والأرواح، وتهيئة الفرد لدوره في الجماعة
ترفيهية:الضحك والدهشة والتسلية الجماعية المشتركة
هذه التعددية الوظيفية تفسّر لماذا كانت الحكاية أداة سلطة أيضًا: من يملك حق الرواية يملك حق تشكيل الذاكرة.
ثانيًا: الغرائب والعجائب — عالم القصة الإفريقية الفني
1. الرمز الحيواني
الحيوان في الحكاية الإفريقية ليس بديلًا تجميليًا عن الإنسان، بل شخصية كاملة ذات دوافع وأخطاء ومصير. العنكبوت يجسد الذكاء حين يتحول إلى خداع؛ والأرنب يمثل العقل الصغير الذي ينتصر على القوة الكبيرة؛ والضبع رمز الطمع والغباء؛ والسلحفاة رمز الصبر والحكمة البطيئة؛ والأسد سلطةً تُختبر لا تُعبَد.
2. المحتال (Trickster) بوصفه بطلًا
3. حدود مفتوحة بين البشر والحيوان والأرواح
تتزوج الفتاة ضفدعًا، ويصعد بطل من بئر إلى سماء أخرى، وتتكلم شجرة، ويأتي الميت ليُصلح ظلمًا، هذا «الواقعي السحري» الإفريقي سبق زمنيًا ما صار لاحقًا تيارًا عالميًا في الرواية الحديثة.
4. الصيغ والأمثال والأغاني
الحكاية لا تسير في خط مستقيم، بل تُبنى بالتكرار المتصاعد، وبالمثل الشعبي الذي يلخّص الحكمة، وبالأغنية التي يردّدها الجمهور، والمثل في هذا التراث ليس زينة لغوية، بل وحدة معرفية كاملة: «الحكمة كالبعوضة، تكفيها إبرة» على حد تعبير أحد الأمثال الإفريقية المتداولة.
5. الأداء: النص الذي لا يكتمل إلا بصاحبه
هنا الفارق الجوهري بين الشفهي والمكتوب، القصة الشفهية حدثٌ متعدد الطبقات: كلمة + نغمة + إيقاع + حركة جسد + صمت + تفاعل جمهور. الراوي يستدعي جمهوره فيستجيب: صيغة استهلال من الراوي وصيغة مقابلة من الحاضرين (كما في نداء اليوروبا «Àlọ́ o!» فيجيب الجمهور «Àlọ̀!»)، وصيغة ختام تُعلن انتهاء الحكاية وتُبرئ الراوي من مسؤولية ما فيها من كذب فني. من يكتب القصة دون وعي بهذا البعد الأدائي يكتب جثةً بلا روح.

ثالثًا: لماذا النقل إلى المكتوب ضرورة لا ترف؟
خطر الاندثار: الشفهي يعيش بشرط وجود من يؤدي. وانقطاع سلسلة الرواة يعني الفقدان النهائي. وقد قال المالي أحمد أمبادِي بّا عبارته الشهيرة: «في إفريقيا، حين يموت شيخٌ تحترق مكتبة».
الهجرة والتحول الحضري: أجيال نشأت في مدن بعيدة عن لغة الأجداد لم تعد تسمع الحكاية في موضعها الطبيعي.
الحفظ والتوثيق العلمي: النص المكتوب والمسجل يمكن دراسته ومقارنته وتاريخه، ويصبح وثيقة للأنثروبولوجيا واللغة والتاريخ.
التعليم: لا تدخل الحكاية المنهج المدرسي إلا في صورة نص قابل للقراءة والتحليل.
الوصول العالمي: ما لا يُترجم لا يعبر الحدود. والقصة المكتوبة هي بوابة العبور إلى الترجمة والمسرح والسينما والرسوم المتحركة.
بيد أن للنقل خطرًا مضادًّا: أن يُقتل الشفهي باسم إنقاذه، فالمكتوب قد يجمّد النص ويسلّعه ويجرّده من سياقه، وقد يفرض عليه بنية السرد الغربية. لذلك تأتي القواعد التالية كضوابط لا كقيود.
رابعًا: القواعد الأساسية لكتابة القصة الشفهية ونقلها إلى المكتوب
القاعدة الاولى : اجمع قبل أن تكتب — التمهيد الميداني
لا يكتب أحد حكاية شفهية من فراغ. المرحلة السابقة للكتابة هي:
التحديد الدقيق للرواية: من الراوي؟ ما موقعه؟ ما علاقته بالحكاية؟ ما نسخته الخاصة؟
التسجيل الصوتي والمرئي الكامل: الصوت هو الأصل؛ الصوت هو الذي يحفظ النغمة والوقف والضحك.
تدوين السياق: المناسبة، الجمهور، الوقت، المكان، اللغة، اللهجة، الإشارات الجسدية.
جمع نسخ متعددة: الحكاية الواحدة لها روايات متعددة؛ اختلافها ليس خطأً بل معلومة.
الاستئذان الصريح: موافقة الراوي والمجتمع على النشر، وتحديد ما لا يجوز نشره من أسرار طقسية.
القاعدة لثانية : الأمانة الأخلاقية قبل الأمانة الحرفية
النقل الأمين ليس نسخًا حرفيًّا أعمى، ولا إعادة كتابة حرة، إنه قرارات واعية معلنة. والمعيار: هل يستطيع القارئ أن يعرف ما فعله الكاتب؟ فإذا جمع الكاتب نسختين، أو اختصر، أو أعاد ترتيب مشهد، فليقل ذلك في مقدمة أو حاشية. الشفافية هي شرط الثقة العلمية والأدبية معًا.
القاعدة الثالثة: قرار الصوت السردي — أهم قرار فني
أمام الكاتب أربعة خيارات، وكلٌّ له أثر مختلف:
الراوي الشاهد: «قالت جدتي…» / إطار حكائي يحيط بالحكاية يحفظ المسافة والوثوقية والسياق الثقافي
الراوي الأول المندمج: الحكاية بصوت الراوي نفسه/حميمية أعلى، لكنها قد تُذيب خصوصية المصدر
الراوي العالم: سرد بضمير الغائب الكلاسيكي، سلاسة للقارئ الأجنبي، وخطر فقدان الأداء
الصوت الجماعي: «نحن» يعبّر عن الطابع الجماعي للتوارث
التوصية العملية: الإطار الحكائي (سردٌ يقدّم الراوي ثم يترك الحكاية تتكلم) هو الحل الأكثر أمانة وجمالًا، وقد نجح فيه الكاتب السنغالي بيراغو ديوب في «حكايات أمادو كومبا» حين جعل صوت الجريو حاضرًا في النص لا مذابًا فيه.
القاعدة الرابعة : احفظ البنية لا تُصلّبها
البنية الإفريقية التقليدية ليست «خطأً سرديًّا» يحتاج تقويمًا. خصائصها — التكرار المتصاعد، البناء الحلقي (العودة إلى نقطة البداية)، الحكاية داخل الحكاية، الإيقاع الثلاثي أو السباعي للتكرار — هي هويتها الفنية، من يمحوها ليصنع «قصة قصيرة حديثة» يمحو ما جاء ليحفظه. المطلوب: نقلها بوعي، لا تقليدها بشكل آلي، ولا حذفها بحجة الحداثة.
القاعدة الخامسة : الصيغ الاستهلالية والختامية أمانة لا زينة
ابدأ كما يبدأ الرواة: بصيغة تُنبّه الجمهور إلى أن زمن الحكاية مختلف عن زمن الحياة. وانتهِ بصيغة ختامية تُغلق النص، وإذا كانت الصيغة بلغة محلية، فأبقِها في متن النص مع ترجمتها في حاشية؛ فالاحتفاظ بها يقول للقارئ: هذا نصٌّ قادم من مكان آخر، وله قوانينه.
القاعدة السادسة: أعِد الأداء إلى الصفحة
الأداء يُنقل بوسائل طباعية محددة:
التقطيع السطري عند التحولات الدرامية أو الأنغام.
التكرار المرئي: تكرار السطر نفسه لإحداث أثر الإلحاح.
الخط المائل أو علامات خاصة للأغنية داخل الحكاية.
علامات الترقيم بوصفها تنفّسًا: النقطة ليست نهاية جملة فقط، بل سكتة الراوي.
الفقرة القصيرة: تحاكي سرعة الإلقاء الشفهي.
إشارة إلى تفاعل الجمهور بين قوسين معقوفين حين يكون التفاعل جزءًا من النص.
القاعدة السايعة: اللغة — بين المحلية والعالمية
احتفظ بالمفردات الثقافية غير القابلة للترجمة (أسماء الأطعمة، الأدوات، الرتب، النباتات) واشرحها في معجم مصغّر في نهاية الكتاب لا داخل السرد.
لا تُفرط في التبسيط: القارئ العالمي قادر على تعلّم خمس كلمات جديدة.
لا تُحمّل النص نبرة «ساحرة غامضة» مصطنعة، ولا تُلبسه لغة استشراقية تُقدّم إفريقيا كغريبٍ مدهش.
في الترجمة، أعِد إنتاج الوظيفة لا الكلمة: المثل الذي يفقد معناه حرفيًّا يُنقل بمثل مقابل يحقق الأثر نفسه، مع الإشارة إلى الأصل.
القاعدة الثامنة: لا تُفسّر كل رمز
من أشد الأخطاء شيوعًا أن يشرح الكاتب كل شيء: «والأسد يرمز إلى الاستعمار، والسلحفاة ترمز إلى الشعب…». هذا يقتل دهشة النص ويحوّله إلى درس مدرسي. اترك الرمز يعمل، واشرح فقط ما يلزم لفهم السياق الثقافي، لا ما يكفي لإغلاق التأويل.
القاعدة التاسعة: حافظ على الشخصية النمطية دون تسطيحها
الشخصيات في الحكاية الشفهية «أنماط» لا أفراد نفسيّون معقّدون. لكن التسطيح ليس عيبًا هنا بل تقنية: النمط هو ما يجعل الحكاية قابلة للتذكر وإعادة السرد. المطلوب ألا يضيف الكاتب عمقًا نفسيًّا حديثًا دخيلًا، ولا يحوّل النمط إلى كاريكاتير.
القاعدة العاشرة: الوصف الحسي بدل الشرح
«كانت الأرض حمراء كأنها جُرح لم يندمل، والهواء يحمل رائحة دخان ولبن حامض» — أبلغ من فقرة كاملة تشرح الحياة الريفية. القصة الشفهية تحكي بالحواس؛ فالمكتوب الجيد يفعل مثلها.

القاعدة الحادي عشر: المراجعة المجتمعية
قبل النشر، تُقرأ الحكاية على الراوي وعلى أفراد من المجتمع الأصلي. هل تبدو هذه هي حكايتهم؟ هل أُسيء فهم طقس؟ هل كُشف ما يجب ستره؟ هذه المراجعة ليست إجراءً شكليًّا، بل شرط مشروعية.
القاعدة الثاني عشر: حقوق الملكية الجماعية
الحكاية الشفهية ملك جماعي لا فردي. لذلك: نسبة الرواية إلى راويها ومجتمعها، وتقاسم المنافع المادية من النشر والترجمة والاقتباس، ومنع الاستخدام التجاري غير المصرّح. هذا هو الحد الفاصل بين التدوين والسرقة.
مسالك العبور إلى العالمية:
الجودة الفنية أولًا: لا عالمية بلا نص جيد. النص الرديء لا يُنقذه موضوعه.
الترجمة الاحترافية: ترجمة تُعيد إنتاج الإيقاع والصورة لا الكلمات، وبمقدمة ثقافية يكتبها مختص.
الإصدار المزدوج: طبعة بلغة الأصل + طبعة بلغة عالمية، مع تسجيل صوتي مرفق (QR) يحفظ أداء الراوي — فالنص المكتوب يفتح الباب، والصوت يعيد الروح.
المناهج التعليمية: إدخال الحكاية في كتب القراءة المدرسية يضمن استمرار التوارث جيلًا بعد جيل.
الاقتباس المتعدد الوسائط: مسرح، رسوم متحركة، بودكاست، ألعاب سردية. الحكاية الشفهية بطبيعتها قابلة للتحول إلى وسائط أخرى لأنها كانت متعددة الوسائط أصلًا.
الأرشيف الرقمي المفتوح: منصات توثيق متعددة اللغات، مع بيانات وصفية دقيقة وظروف استخدام واضحة تحمي حقوق المجتمعات.
الحضور في المحافل الدولية: الترشيح لبرامج صون التراث الثقافي غير المادي، والمعارض، والمهرجانات، والجوائز الأدبية.
الدراسات النقدية: لا يدخل نصٌّ في القانون العالمي إلا إذا كُتب عنه، النقد الأكاديمي جزء من صناعة العالمية.
ثامنًا: خطة عمل مقترحة في ست مراحل
الاختيار والتخطيط (شهر): تحديد المجتمع والرواة ونوع الحكايات وأهداف النشر.
الجمع الميداني (شهران إلى ستة): تسجيل صوتي/مرئي، تدوين سياق، جمع نسخ متعددة، موافقات مكتوبة.
النسخ والتحرير الأول (شهر): تفريغ حرفي كامل، ثم تحرير يحفظ السمات الأدائية.
المراجعة المجتمعية (شهر): عرض النص على الرواة والمجتمع، تعديل وفق ملاحظاتهم.
الإنتاج (شهران): تحرير لغوي، مقدمة، معجم، حواشٍ، تسجيل صوتي، تصميم.
النشر والتوزيع والترجمة (مستمر): طبعة محلية، ثم ترجمة، ثم اقتباسات متعددة الوسائط.
قائمة مراجعة سريعة قبل النشر
هل الراوي والمجتمع موافقان ومُنسَبَان صراحةً؟
هل الصيغ الاستهلالية والختامية محفوظة؟
هل التكرار والبنية الحلقية باقيان؟
هل أُضيف أي تفسير لم يطلبه النص؟
هل المفردات الثقافية مشروحة في معجم لا في المتن؟
هل السياق (المناسبة، الجمهور، اللهجة) موثّق في المقدمة؟
هل الترجمة أعادت الوظيفة والإيقاع لا الحرف فقط؟
هل حقوق المنفعة محددّة مسبقًا؟
خاتمة
القصة الإفريقية الشفهية ليست متحفًا يُزار، بل ذاكرة حيّة تستطيع أن تُخاطب طفلًا في نيروبي، وباحثًا في باريس، ومخرجًا في سيول، في الوقت نفسه. لكن هذه الذاكرة لا تعبر إلى المستقبل تلقائيًّا؛ تحتاج إلى يدٍ كاتبة، واعيةً بقواعد الفن، ملتزمةً بأخلاقيات النقل، صبورةً في الجمع، أمينةً في المراجعة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لهذا التراث ليس الكتابة عنه، بل الكتابة الرديئة عنه، أو الكتابة التي تُلبسه ثوب غيره. فمن يكتب القصة الشفهية إفريقيًّا ويُتقن قواعد السرد العالمي، لا يكون قد خان محليّته، بل منحها أعلى ما يمكن: أن تُسمَع.

المبحث الثاني: القصة الإفريقية الشفهية في ضوء «مدرسة النقد التفاعلي»
دراسة في مشروع الدكتور إبراهيم محمد جبريل: النظرية، والمنهج، والتطبيق على الحكاية الشفهية
عندما يعالج ناقدٌ القصة الإفريقية الشفهية بأدوات النقد الأدبي الكلاسيكي، يقع غالبًا في أحد مأزقين: إما أن يُعامِلها بوصفها «نصًّا ناقصًا» ينتظر من يُكمله بالكتابة، وإما أن يحاكمها بمعايير جمالية وُلدت في سياق آخر، فيقيس الحكاية بميزان القصة القصيرة الحديثة، ويجدها «مكرّرة» و«بسيطة» و«بلا عمق نفسي».
مشروع «مدرسة النقد التفاعلي» للدكتور إبراهيم محمد جبريل يقوم على تغيير هذا السؤال نفسه، فبدلًا من السؤال المقارن («أيّهما أفضل؟»)، يقترح السؤال التفاعلي: «ماذا يحدث عندما تتلاقى الثقافات والنصوص وتتفاعل؟ وماذا يُنتَج عن هذا التفاعل؟». وهذا التحويل — من المقارنة إلى التفاعل — هو ما يجعل المدرسة، في تقديري، من أكثر الأطر النقدية العربية ملاءمةً لدراسة الحكاية الشفهية الإفريقية؛ لأن الحكاية الشفهية أصلًا ظاهرة تفاعلية بالمعنى الحرفي: راوٍ وجمهور، ونصٌّ وسياق، ولغة وأداء، ومحلي وعالمي.
هذه الدراسة تعرض المدرسة أولًا كما صاغها صاحبها، ثم تختبر صلاحيتها للحكاية الشفهية، ثم تقرأ نماذج من حكاياته هو بوصفها «إبداعًا مشتركًا» يطبّق المدرسة عمليًّا، وتنتهي بنقد منصف لموقع المدرسة وحدودها.
أولًا: صاحب المدرسة وأعمالها المؤسِّسة
إبراهيم محمد جبريل: شاعر وكاتب وباحث، ينشر بالعربية والفرنسية والانجليزية ، ويعالج في أعماله الأدب العربي الإفريقي، والأدب الفرنكوفوني، والثقافة العربية في إفريقيا، والهوية والتثاقف، والأدب الشفهي والحكاية الرمزية، وتعليمية الأدب، وعلاقة الأدب بالتقنية. وهو — بحسب تعريفه في مقالاته — صاحب مشروع «مدرسة النقد التفاعلي» ومنظّرها الأساسي، لا دارسًا لها من الخارج.
الأعمال المؤسِّسة (بحسب توثيقه في مقال «التمييز بين النقد التفاعلي الرقمي ومدرسة النقد التفاعلي»)
«مدرسة النقد التفاعلي: رؤية نظرية ومنهجية» (الحوار المتمدن، العدد 8809، 26/8/2026) الوثيقة التأسيسية: الأسس، المفاهيم، المنهج، الموقع بين المدارس
«مدرسة النقد التفاعلي: خصائصها ومزاياها ومصطلحاتها» (العدد 8825) الخصائص والمزايا والمقياس والمجالات
«المنهج الحلزوني التكاملي في مدرسة النقد التفاعلي» (العدد 8825)
«التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرنكوفوني»
«الأديب الإفريقي بين الخصوصية الثقافية والتحليل الأسلوبي»، موقع الأديب الإفريقي في منظور المدرسة
«تطبيق المنهج الحلزوني على الأدب التشادي المكتوب باللغتين» نموذج تطبيقي مضبوط
دراسات تطبيقية (محمد عمر الفال، أحمد جابر، روضة الحاج، غالية عيسى، الطيب صالح)، اختبار الجهاز على مدوّنات محددة.
سلسلة الحكايات الرمزية («حكايات وادي الرماد» وغيرها) الإبداع المشترك: تطبيق المدرسة كتابةً لا نقدًا
هذه القائمة الأخيرة هي مفتاح فهم المشروع: صاحبه لا يكتفي بأن ينظّر للنقد، بل يُنتج النص الذي ينبغي أن ينتج عن النقد. وهذا بالضبط ما تسميه المدرسة «الإبداع المشترك» غايةً نهائية.
ثانيًا: ما «مدرسة النقد التفاعلي»؟ الإطار النظري
1. التعريف
«إطار نقدي ومنهجي يسعى إلى تجاوز النموذج التقليدي للمقارنة بين الثقافات، والانتقال إلى نموذج حواري تشاركي يقوم على التفاعل النقدي البناء، والفهم المتبادل، والإبداع المشترك، والحد من علاقات القوة غير المتوازنة».
2. شعار المدرسة والمعادلة المركزية
«من المقارنة إلى التفاعل بين الثقافات، ومن التفاعل إلى الفهم، ومن الفهم إلى الإبداع المشترك».
ويُختصر المسار في سلسلة: المقارنة ← التفاعل ← التثاقف النقدي ← الإبداع المشترك.
أما معادلة المدرسة الكاملة فهي: الذات + النص + الآخر + السياق + الحوار = معرفة نقدية متجدّدة.
3. المبادئ الخمسة
النقد حوار وليس حكمًا.
التفاعل يتجاوز المقارنة.
الناقد مشارك ووسيط ثقافي (لا قاضٍ خارج النص).
الاستبطان النقدي سابق لنقد الآخر (لا تنقد ثقافةً قبل أن تفحص تحيّزاتك).
الإبداع المشترك هو الغاية النهائية (النقد الذي لا يُنتج شيئًا جديدًا لم يُكمل وظيفته).
4. الفلسفة: أربعة مرتكزات
الحوار — الندية الثقافية — النقد الذاتي والنقد المتبادل — الإبداع الناتج عن التفاعل.
5. شبكة المفاهيم: من المصطلح «العَدَمي» إلى «البديل التفاعلي»
هذه الشبكة من أذكى ما في المشروع، لأنها لا تكتفي بنقد المصطلح بل تقترح بديلًا إجرائيًّا:
المصطلح التقليدي (المطلوب تجاوزه) البديل في النقد التفاعلي
المقارنة القيمية (أفضل/أسوأ) التوصيف السياقي
الهيمنة الثقافية: التثاقف النقدي
المركزية الثقافية: اللامركزية الثقافية
الصور النمطية: القراءة السياقية التي تراعي التنوع الداخلي
التأثير والتأثر (أحادي الاتجاه) التفاعل الثقافي والتثاقف الخلاق
الناقد الحَكَم: النقد التشاركي / الوسيط الثقافي
الترجمة اللغوية: الترجمة الثقافية
ومن مفاهيمها البنائية أيضًا: الاستبطان النقدي (فحص الناقد لتحيزاته قبل الحكم)، والتثاقف الخلاق (استيعاب عنصر وافد وإعادة توظيفه إبداعيًّا داخل الثقافة المحلية)، والفضاء الثالث (مفهوم مستعار من هومي بابا: لقاء الثقافات يُنتج هجينًا لا يُختزل في أيٍّ من الأصلين)، والتفاعل الوجداني عن بُعد (انتقال شعوري بين مبدع ومتلقٍّ لا تجمعهما وحدة المكان أو الزمان — وهو ما يفسّر كيف تصل حكاية إفريقية إلى قارئ في المشرق).
6. المنهج الحلزوني التكاملي: العمود الفقري الإجرائي
المدرسة لا تقترح منهجًا خطيًّا (نص ← تحليل ← نتيجة ← حكم نهائي)، بل منهجًا حلزونيًّا: النص ← السياق ← الثقافة ← الآخر ← العودة إلى النص ← إعادة بناء الفهم، بدورات متصاعدة. «الحلزوني» يعني العودة إلى الموضوع نفسه من مستوى أعمق، و«التكاملي» يعني جمع التحليل النصي بالقراءة الثقافية بالمقارنة بالبُعد الجمالي والتاريخي.
خطواته الثماني:
اختيار النص/الظاهرة وتحديد المدوّنة، مع أسئلة ابتدائية: ما الثقافة التي أنتجته؟ ما الآداب التي يتفاعل معها؟ ما صورة الآخر داخله؟
القراءة الداخلية الأولية (اللغة، الصور، البناء السردي، الشخصيات، الإيقاع، التناص، القيم) — كنقطة انطلاق لا كنهاية.
تحديد البؤر التفاعلية: مواقع التفاعل (حضور ثقافة أخرى، رموز وافدة، محاورة نصوص سابقة، التفاعل مع التاريخ/الذاكرة، تداخل الشفهي والمكتوب، تفاعل المحلي والعالمي). والانتقال من «ماذا يقول النص؟» إلى «مع مَن يتحاور النص؟».
قراءة السياق الثقافي والاجتماعي (ظروف الإنتاج، البيئة، التحولات، قضايا الهوية واللغة، ظروف الترجمة).
دراسة التفاعل بين الآداب والثقافات — لا لإثبات «من أخذ من مَن»، بل لبيان كيف يُعاد صياغة العنصر الوافد في البيئة الجديدة.
العودة إلى النص قراءةً ثانية (جوهر الحركة الحلزونية).
بناء التركيب التكاملي.
التقويم والمراجعة: لا نتيجة مغلقة، بل حصيلة قابلة للتطوير.
7. مقياس النجاح: خمسة مؤشرات
الاستبطان (هل حدّد الباحث تحيّزاته؟) — الحوارية (هل استخدم لغة تشاركية أم لغة حكم؟) — السياقية (هل درس الظاهرة في سياقها الأصلي والتفاعلي؟) — الترجمة الثقافية (هل نقل المعنى دون تشويه السياق؟) — الإبداع المشترك (هل نتج عن التفاعل إنتاج جديد؟).
8. تمييز ضروري: «النقد التفاعلي الرقمي» ليس هذه المدرسة
خصّص جبريل مقالًا كاملًا للفصل بين مفهومين يتشابه اسمهما:
المعيار النقد التفاعلي الرقمي— مدرسة النقد التفاعلي (جبريل)
مضمون «التفاعل» تفاعل القارئ مع النص التشعبي والوسائط، تفاعل الآداب والثقافات واللغات
الموضوع النص الرقمي المترابط، النص الأدبي داخل شبكة ثقافية
المنهج المركزي: سردي— وسائطي— سيميائي رقمي— المنهج الحلزوني التكاملي
الرواد: سعيد يقطين، إبراهيم أحمد ملحم، فاطمة البريكي— إبراهيم محمد جبريل
وهذا التمييز مهم جدًّا لدارس الحكاية الشفهية: أيّهما يخدمه؟ الجواب: الثاني. فالأول يخدم النص الرقمي، والثاني يخدم النص الذي يعبر بين ثقافات — والحكاية الشفهية الإفريقية هي نصٌّ عابر للثقافات بامتياز.
ثالثًا: لماذا القصة الشفهية الإفريقية هي الموضوع الأمثل لهذه المدرسة؟
المفارقة الجميلة هنا أن المدرسة النقدية التي وُضعت لدراسة تفاعل الآداب تجد في الحكاية الشفهية ما يشبه التحقّق التجريبي لمفاهيمها. فالحكاية الشفهية ليست نصًّا تفاعليًّا مجازًا؛ إنها حدث تفاعلي بالمعنى المادي: الراوي يعدّل حكايته حسب رد فعل الجمهور، والجمهور يجيب ويصدّق ويعترض ويضحك، والمناسبة تحدّد الحكاية، واللغة تحمل ذاكرة الجماعة.
جدول المطابقة: كل مفهوم في المدرسة يقابله عنصر حيّ في الحكاية
مفهوم المدرسة: نظيره في الحكاية الشفهية
التفاعل الثقافي: التقاء الموروث المحلي بالوافد (الإسلامي، العربي، الاستعماري، العولمي) في متن الحكاية
القراءة السياقية: الحكاية لا تُفهم خارج مناسبتها: حصاد، ختان، جنازة، مجلس سمَر
التثاقف الخلاق: استيعاب بنية سردية وافدة (كبناء الحكاية الثلاثية أو الحكاية الإطارية) وإعادة توظيفها محليًّا
الفضاء الثالث: النص المدوّن نفسه: لا شفهي خالص ولا كتابي خالص، بل كائن هجين
الترجمة الثقافية: نقل المثل والرمز والاسم واللقب بين لغتين دون إفراغه من وظيفته
التفاعل الوجداني عن بُعد: القارئ الذي لم يحضر المجلس ويشعر أنه جالس فيه
الاستبطان النقدي: سؤال الباحث: بأي عين أنظر إلى حكاية غيري؟
النقد التشاركي: مراجعة النص مع الراوي والمجتمع قبل نشره
العدالة الثقافية: حقوق الملكية الجماعية وتقاسم المنافع
الإبداع المشترك: تحويل الحكاية إلى نصٍّ جديد: مسرحية، رواية، فيلم، حكاية مؤلَّفة على النسق
الفرق بين القراءة التقليدية والقراءة التفاعلية للحكاية
السؤال: القراءة التقليدية/القراءة التفاعلية
البداية: ما نوع الحكاية؟ ما بنيتها؟ ما الثقافة التي أنتجتها؟ ومع مَن تتحاور؟
الشخصيات: — تصنيفها (حيوان/إنسان/ساحر) — ماذا تمثّل في نظام القيم المحلي؟ وكيف تُقرأ عبر ثقافة أخرى؟
الرمز: فكّه وتفسيره/دراسة تحوّله حين ينتقل من سياق إلى سياق
الاختلاف بين النسخ: خطأ في الرواية أو اضطراب في النقل/معلومة عن التفاعل وتغيّر الجمهور والوظيفة
الحكم: «قصة جميلة— بسيطة— بدائية»— «ما الذي أنتجه تفاعل هذه الحكاية مع سياقها ومع الآداب الأخرى؟»
النتيجة: حكم نهائي مغلق حصيلة قابلة للمراجعة والتطوير
هذا التحويل يحرّر دارس الحكاية الشفهية من عقدة النقص أمام الأدب المكتوب، ويمنحه مسوّغًا منهجيًّا لدراستها لا كوثيقة أنثروبولوجية فقط، بل كظاهرة أدبية كاملة.
رابعًا: تطبيق المنهج الحلزوني على حكاية شفهية — نموذج إجرائي
نأخذ مثالًا نمطيًّا موثّقًا في تقليد الأكان (غانا): حكاية أنانسي العنكبوت الذي يشتري الحكايات من إله السماء «نيامي» بثلاثة مخلوقات خطرة. ونطبّق الخطوات الثماني كما تقترحها المدرسة.
الخطوة الأولى — تحديد النص والمدوّنة:
اختيار نسخة موثّقة براويها ومكانها وتاريخ تسجيلها، مع تسجيل نسخة ثانية من منطقة أخرى للمقارنة. الأسئلة الابتدائية: ما الثقافة المنتجة؟ ما الآداب التي تتفاعل معها الحكاية (التقليد الشفهي المحلي، الموروث الإسلامي في غرب إفريقيا، التقليد الأوروبي عبر المدرسة والكتاب)؟ ما صورة «الآخر» داخلها (التاجر، المستعمر، الإله البعيد)؟
الخطوة لثانية — القراءة الداخلية:
بناء الحكاية (مهمّة ثلاثية: أفعوان/فهود/نحل)، الرمز الحيواني، الحوار، الصيغة الاستهلالية والختامية، الإيقاع، الأغاني، القيم (الذكاء يغلب القوة). هنا يلاحظ الدارس أن «البطل» محتال، وأن الحكاية لا تُمجّد القوة بل الذكاء، وأنها تبرّر للضعيف حقّه في الحيلة.
الخطوة الثالثة — البؤر التفاعلية (أهم خطوة):
بؤرة تداخل الشفهي والمكتوب: النص الذي بين يدي الباحث مكتوب، لكن أداءه الأصلي صوتي — فأين ذهب الصوت؟
بؤرة المحلي والعالمي: عنصر «الحيوان المحتال» موجود في الحكاية الأوروبية (الثعلب) والحكاية العربية (ابن آوى في كليلة ودمنة) والإفريقية (أنانسي/الأرنب). السؤال التفاعلي ليس «من سبق مَن؟» بل: لماذا أنتجت كل ثقافة محتالها الخاص، وبأي وظيفة اجتماعية؟
بؤرة الذاكرة والدين: كيف أعاد التثاقف الإسلامي تشكيل صورة الإله «نيامي» في الروايات اللاحقة؟
بؤرة المحلي والاستعماري: كيف قُرئت الحكاية في المدرسة الاستعمارية بوصفها «فولكلورًا طفوليًّا»؟
الخطوة الرابعة — السياق الثقافي والاجتماعي:
الحكاية تُروى في أمسيات الحصاد، ووظيفتها تعليمية واجتماعية، ومن يحكيها يملك سلطة رمزية. وتُروى اليوم في مدارس ومدن بعيدة عن سياقها الأول.
الخطوة الخامسة — دراسة التفاعل:
مقارنة نسخة أنانسي بنسخة الأرنب في نطاق البانتو، وبنسخة «السلحفاة» في نيجيريا، وبرواية «كليلة ودمنة» العربية. لا للحكم على الأصالة، بل لبيان كيف تُعاد صياغة النمط في كل بيئة: يبقى الذكاء سلاح الضعيف، وتتغيّر الأسماء والحيوانات والجزاءات بحسب البيئة والسلطة.
الخطوة السادسة — العودة إلى النص:
بعد كل هذا، تُقرأ الحكاية مرة ثانية، فيتغيّر فهم مشهد الخِداع: لم يكن «غشًّا» بل تمرينًا رمزيًّا على البقاء، وتعليمًا للصغار أن القانون وحده لا يحمي الضعيف.
الخطوة السابعة — التركيب التكاملي:
تُجمع النتائج: بنية + سياق + تفاعل + مقارنة = رؤية واحدة تقول إن الحكاية الإفريقية نظام فلسفي مصغّر عن القوة والعدالة والذكاء، لا مجرّد تسلية.
الخطوة الثامنة — التقويم والمراجعة:
عرض القراءة على رواة ومثقفين من المجتمع الأصلي: هل هذه قراءتنا أم قراءة الحكاية؟ ثم تعديل.
بروتوكول الاستبطان النقدي لدارس الحكاية الشفهية
هذا تطبيقٌ عملي لمبدأ «الاستبطان سابق لنقد الآخر»، وهو من أنفع ما تُقدّمه المدرسة للباحث العربي الذي يدرس حكاية إفريقية:
هل أنظر إلى الحكاية بوصفها «تراثًا شعبيًّا» بمعنى الدونية أم بوصفها نصًّا؟
هل أبحث فيها عن «ما يشبه أدبنا» فأجعل أدبنا مقياسًا؟
هل أنقل الحكاية من لغتها الأصلية أم من ترجمة وسيطة؟
هل أُخضع النص لبنية القصة الحديثة (بداية/عقدة/حلّ) وأعدّ ما خرج عنها «عيبًا»؟
هل أتحدّث باسم المجتمع الذي أدرس حكايته، أم أفسح له الكلام؟
من يملك هذه الحكاية: أنا الباحث، أم الراوي، أم المجتمع؟
هذه الأسئلة الستة وحدها تُغيّر نوع البحث تغييرًا جذريًّا.
خامسًا: الممارسة — حكايات جبريل بوصفها «إبداعًا مشتركًا»
أهم ما يميّز هذا المشروع أنه لا يتوقّف عند التنظير. فقد نشر صاحبه سلسلة حكايات رمزية بالعربية، منها:
«حكاياتُ وادي الرَّماد» — مجموعة من أربع عشرة حكاية، تُروى في مجلس ليلي واحد.
«حكايةُ الملكِ الذي شاخ» — من عالم «وادي السَّرْو».
«حكايةُ وادي الانتظار» («كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول»).
«حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق».
«حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن».
«حكاية رمزية في خيرات الغابة» و**«حكايةُ زئيرُ الغابة» .
«قصة الطوطم الزنجي والدمية الحمراء» (حوار على حدود الهوية والثقافة والذاكرة).
1. البنية: مجلس لا كتاب
«حكايات وادي الرماد» تُفتتح بفهرسٍ ثم بمقدمة تُشبه «بروتوكول المجلس»: أهل الوادي يُدعَون إلى البئر الجافّة ليلة الخميس، ويجلس الأسد في الصدر، والفيل كالجبل الذي جاء ليسمع، والثعلب في وسط الحلقة، ويأتي الهدهد آخر الكلّ فيضع الدفتر على رُكبته ويقول:
«أنا أكتب، ولا أكتبُ ما يُقالُ لكي يُصفَّقَ لقائله، بل لكي يُقرَأَ بعدنا، فمن أرادَ أن يُجمّلَ فليصمُت».
ثم تعلن البومة — الراوية — قاعدة الحكاية:
«سنحكي أربعَ عشرةَ حكاية، كلُّ حكايةٍ علّةٌ من عللِ هذا الوادي... ولا نطلبُ في هذه الليلةِ حلًّا... نطلبُ أن نعرفَ اسمَ الداء، فإنّ من عرفَ اسمَ دائه نصفُ شفاء».
هذا ليس مجرد إطار فني جميل؛ إنه تجسيد أدبي لأطروحة المدرسة كلها: الحكاية معرفة لا تسلية، والمجلس مؤسسة لا جلسة سمر، والكاتب (الهدهد) شاهد أمين لا مُجمِّل. وصيغة «كلُّ حكايةٍ علّةٌ من علل هذا الوادي» تُحوّل الحكايات إلى ما يشبه التشخيص الجماعي — أي إلى نقدٍ اجتماعي في ثوب سردي.
2. الحيوان الرمز بين المحلي والعالمي: التثاقف الخلاق
في «حكاية الملك الذي شاخ»: أسدٌ اسمه «الليث الأكبر» يحكم «وادي السَّرْو»، تسقط أنيابه، ويجيب كل شكوى بجملة واحدة: «الميزانيةُ لا تكفي» — إلا حين يطلب ثعلب الديوان مبلغًا لطوق يوبيل، فيقول: «جِدْه من أيِّ باب». وثمّة حمار وحشي اسمه «أبو خِطام»، وهدهد اسمه «قُرقُب»، ونملة اسمها «سُرى»، وغراب اسمه «نعيق» يقول: «نحن لا نحكم، نحن فقط... نُبارك».
اقرأ هذا بعين النقد التفاعلي: الرمز الحيواني إفريقي (المجلس، البومة الحكيمة، الأسد الملك، الثعلب المتسلّق)، والمفردات مؤسَّسة عربية (الديوان، الميزانية، اليوبيل، الطوق، الختم)، والمقصد معاصر سياسي. لا هو نقلٌ للحكاية الإفريقية إلى العربية، ولا هو تقليدٌ للحكاية العربية؛ بل فضاء ثالث بالمعنى الذي يستعيره جبريل من هومي بابا: نصٌّ لا يُختزل في أيٍّ من الأصلين. وهذا هو «التثاقف الخلاق» مُنجزًا لا مُنظَّرًا.
3. من الشفهي إلى المكتوب: الهدهد كاستعارة للتوثيق
أذكى ما في هذه البنية شخصية الهدهد الكاتب. فالحكاية الشفهية في تقليدها الأصلي لا تحتاج كاتبًا؛ وجوده داخل النص إشارة إلى لحظة الانتقال التاريخية: لحظة أن صار للحكاية دفتر. والجملة الحاكمة («لكي يُقرأ بعدنا») تلخّص وظيفة التدوين كلها، لكن النص لا يحتفل بالكتابة انتصارًا؛ بل يُبقي المجلس صوتًا: البومة تروي، والحيوانات تعلّق، والهدهد يسجّل. أي أن الكاتب يرفض أن يُذيب الأداء في السرد، ويُبقي علاماته: «قالت البومة»، «فسكتَ الوادي»، «ضحكَ زاغٌ آخر».
وهذا حلٌّ عملي لمشكلة طرحناها في وثيقة سابقة: كيف نُنقل الأداء إلى الصفحة دون أن نقتل الروح؟ الجواب في هذا النموذج: بإبقاء مجلس الحكاية داخل النص، لا بإلغائه.
4. الرمز بلا وصاية
في «حكاية رمزية في خيرات الغابة»، تتنازع الحيوانات على «خيرات الغابة» (الجزر، البراعم، المكسرات)، فيقول الثعلب: «الأمر ليس عدلًا، من الأقوى يحصل على الأكثر». فتجيب البومة بنظرية في التوازن البيئي: الأرنب يحرّك التربة، السنجاب ينسى المكسرات فتنبت أشجارًا، الخنزير ينبش الأرض فيهوّيها. ثم تتوالى ثلاث حكايات داخل الحكاية (النحلة، الشجرة العجوز، الجفاف الزاحف) لتنتهي إلى: «الغابة ليست مكانًا، الغابة فكرة».
لاحظ: النص لا يقول «هذا رمز للاستعمار» ولا «هذا رمز للفساد»، بل يترك الرمز يعمل على مستويين: طفلٌ يقرأ حكاية حيوانات، وراشدٌ يقرأ اقتصادًا وسياسة وبيئة. وهذا هو عين ما حذّرنا منه سابقًا: التفسير المفرط يقتل النص. والمدرسة تسمح بهذا «الانفتاح» لأنه لا حكم نهائي فيها، بل «حصيلة قابلة للمراجعة».
مراجع ومصادر
أولًا: أعمال إبراهيم محمد جبريل (المصدر النظري المركزي)
إبراهيم محمد جبريل،. «مدرسة النقد التفاعلي: رؤية نظرية ومنهجية». الحوار المتمدن، العدد 8809، 26/8/2026. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=932352
إبراهيم محمد جبريل،. «مدرسة النقد التفاعلي: خصائصها ومزاياها ومصطلحاتها». الحوار المتمدن، العدد 8825. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=934462
إبراهيم محمد جبريل،. «المنهج الحلزوني التكاملي في مدرسة النقد التفاعلي». الحوار المتمدن، العدد 8825. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=934463
إبراهيم محمد جبريل، «التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي»». https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=938296
جبريل، إبراهيم محمد. «التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرنكوفوني في ضوء مدرسة النقد التفاعلي». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=937774
إبراهيم محمد جبريل، «الأديب الإفريقي بين الخصوصية الثقافية والتحليل الأسلوبي في منظور النقد التفاعلي». الحوار المتمدن، العدد 8828. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=934950
إبراهيم محمد جبريل، «تطبيق المنهج الحلزوني على الأدب التشادي المكتوب باللغتين العربية والفرنسية». الحوار المتمدن، العدد 8827. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=934828
إبراهيم محمد جبريل، «تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=938300
جبريل، إبراهيم محمد. «مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=938852
ثانيًا: أعماله الإبداعية (نماذج «الإبداع المشترك»)
جبريل، إبراهيم محمد. «حكاياتُ وادي الرَّماد». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=940047
إبراهيم محمد. جبريل، «حكايةُ الملكِ الذي شاخ». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=940157
إبراهيم محمد. جبريل، «حكايةُ وادي الانتظار». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=940143
إبراهيم محمد جبريل، «حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=940011
إبراهيم محمد جبريل، «حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=939627
إبراهيم محمد جبريل، «حكاية رمزية في خيرات الغابة». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=939502
إبراهيم محمد جبريل، «قصة الطوطم الزنجي والدمية الحمراء». https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=937259



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...
- التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال ...
- التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن ...
- التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية ...
- الثقافة العربية في إفريقيا: التفاعل الثقافي وبناء الهوية في ...
- الأدب العربي المكتوب بالفرنسية من منظور النقد التفاعلي الدكت ...


المزيد.....




- شهد معارك فتحها عام 1453.. باب في إسطنبول يروي أسرار حصار ال ...
- المخضرم فولكانوفسكي يحتفظ بلقب بطل العالم للفنون القتالية (ف ...
- بعد 200 عام.. متحف اسكتلندي يحجب مومياء مصرية عن الجمهور 
- -خروج أمن- افضل فيلم روائي، و-الطبيب الأمريكي- بجائزة سينما ...
- فيلم -ماستر بلان-.. حين تصبح سرقة الموناليزا أسهل من بناء عا ...
- موسكو تستضيف ملتقى سينمائيا دوليا بمشاركة شباب من 8 دول
- فيلم -أرض الخرسانة- الوثائقي الأردني يفوز بجائزة مهرجان لندن ...
- الوطن الذي نحمله معنا.. الهجرة والمنفى في أفلام الأنيميشن
- بشار المصري يبحث مع اتحاد الكتاب والأدباء تعزيز الهوية الثقا ...
- السنن الكونية في النظام القرآني


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو تدوين يحفظ الروح ويبلغ العالمية الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون