ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 20:14
المحور:
الادب والفن
يكتسب المنهج أهمية خاصة عند تطبيقه على الأدب العربي الإفريقي التشادي والمكتوب بالفرنسية ؛ لأن هذا المجال الأدبي يقوم في كثير من نماذجه على تداخل اللغات والثقافات والذاكرة والهويات.
فيمكن للباحث أن يبدأ من النص العربي الإفريقي، ثم:
يستبطن موقفه النقدي → يدرس السياق الإفريقي → يحلل حضور الثقافة المحلية → يقارن بعلاقة النص بالثقافة العربية → يدرس صورة الآخر → يدخل في حوار مع النص الفرنسي الإفريقي → يترجم الدلالات الثقافية → يعيد تركيب المعنى → ينتج قراءة مشتركة.
ثم يعود إلى النص الأول في ضوء ما اكتسبه من النص الآخر.
وبذلك لا تصبح المقارنة بين الأدبين مجرد:
عربي / فرنسي
أو:
إفريقي / عربي
بل تتحول إلى:
تفاعل عربي ـ إفريقي ـ فرنسي متعدد المستويات.
وهذا هو المجال الذي يمكن أن يظهر فيه المنهج الحلزوني التكاملي بوصفه أداة إجرائية مركزية في مدرسة النقد التفاعلي.
تطبيق المنهج الحلزوني التكاملي لمدرسة النقد التفاعلي
يُعدّ الشاعر التشادي محمد عمر الفال من الأصوات التي أسهمت في التعبير عن القضايا الإفريقية، ولا سيما قضايا الوحدة والتضامن والوعي الجماعي. ويأتي ديوانه «أصداء النفس» بوصفه مصدرًا أساسيًا في دراسة تجربته الشعرية، ومن الشواهد المتصلة بالقضية الإفريقية ، والذي يتخذ صيغة قريبة من النشيد الجماعي:
نَحْنُ الشَّبَابُ قُوَّةٌ فَتَّاكَةٌ ضِدَّ الْعِدَى
إِذَا اتَّحَدْنَا كُلُّنَا صَارَتْ قُوَانَا كَالْقَذَى
.........................................
هَيَّا لِنَحْمِي الْقَارَّةَ ال سَّمْرَاءَ رَمْزًا لِلْفِدَى 1
ويكشف هذا النص عن انتقال الشعر من التعبير عن الذات الفردية إلى بناء ذات جماعية إفريقية، بحيث تصبح القصيدة خطابًا للتحريض الإيجابي على الوحدة، وحماية القارة، وتحمل المسؤولية الجماعية.
ولذلك فإن تطبيق المنهج الحلزوني التكاملي عليها لا يكتفي بتحديد مظاهر الوحدة في النص، وإنما يتتبع الحركة الدلالية للنص عبر سبع مراحل متداخلة، يعود بعضها إلى بعض، بما يجعل القراءة في صورة حلزون تأويلي متنامٍ
أولًا: الاستبطان النقدي – نقطة الانطلاق
ينطلق المنهج الحلزوني من الاستبطان النقدي، أي من مساءلة النص من داخله قبل إسقاط أي حكم نقدي خارجي عليه ، واللافت في النص أن الشاعر لا يبدأ بضمير المفرد، وإنما يفتتح بقوله
«نحن الشباب»
فالضمير «نحن» يضع الجماعة في مركز الخطاب منذ اللحظة الأولى، بينما يحدد لفظ «الشباب» الفاعل الاجتماعي الذي يعوّل عليه الشاعر في إحداث التغيير
وهنا يتولد السؤال النقدي الأول:
من نحن؟ وما القوة التي يمتلكها هذا الـ«نحن»؟
الإجابة لا تأتي منفصلة عن بقية النص، وإنما تتشكل تدريجيًا من خلال العلاقة بين «الشباب» و«الاتحاد» و«القوة» و«حماية القارة»
ومن ثم فإن الاستبطان يكشف أن القصيدة لا تتحدث عن القوة باعتبارها صفة فردية، وإنما باعتبارها قوة ناشئة عن الاجتماع
وهذه النقطة هي بداية الحركة الحلزونية؛ إذ إن معنى «نحن» لا يظل ثابتًا، وإنما سيعاد تفسيره في المراحل التالية
ثانيًا: التحليل السياقي المزدوج
ينتقل المنهج من داخل النص إلى سياقه، ولكن ليس في اتجاه واحد، بل من خلال سياقين متفاعلين.
1.السياق الأول: السياق الإفريقي
يستحضر النص واقع القارة الإفريقية بوصفه واقعًا يحتاج إلى التضامن والوحدة. ولذلك فإن الدعوة إلى الاتحاد لا تبدو مجرد قيمة أخلاقية مجردة، وإنما ترتبط بضرورة مواجهة «العدا»
ويظهر ذلك في: «قوة فتاكة ضد العدى»
فالعدو هنا لا يلزم أن يحصر في شخص أو جماعة محددة، وإنما يمكن قراءته بوصفه رمزًا للتحديات التي تواجه الجماعة الإفريقية.
2. السياق الثاني: السياق الثقافي والهوياتي
لا يكتفي النص بالإشارة إلى إفريقيا باعتبارها مجالًا جغرافيًا، وإنما يحولها إلى كيان رمزي من خلال التعبير:
«القارة السمراء»
وبذلك تنتقل إفريقيا من الجغرافيا إلى الهوية الثقافية المشتركة.
وهنا تعود القراءة مرة أخرى إلى كلمة «نحن» في المرحلة الأولى، ولكنها الآن تصبح أوسع دلالة: فـ«نحن» لم تعد مجرد «الشباب»، بل يمكن أن تتسع لتصبح «نحن الإفريقيين. »
وهذه العودة إلى المعنى الأول مع توسيعه هي إحدى خصائص الحركة الحلزونية.
ثالثًا: الحوار التفاعلي
بعد تحديد الذات وسياقها، ينتقل النص إلى بناء علاقة مباشرة مع المتلقي.
وتبرز هذه الوظيفة بصورة خاصة في قوله: «هيا»
فـ«هيا» ليست مجرد كلمة إنشائية، وإنما فعل خطابي يحول القصيدة من وصف الواقع إلى دعوة إلى المشاركة فيه.
فالشاعر لا يقول: إن الشباب يحافظون على إفريقيا، وإنما يدعوهم إلى أن يقوموا بهذا الفعل: «هيا لنحمي»
ومن الناحية النحوية والدلالية، يتجاور فعل الأمر التحفيزي «هيا» مع ضمير الجماعة في «لنحمي»، فينشأ تفاعل بين:
النداء ← المشاركة ← الفعل الجماعي
وبذلك يتحول المتلقي من مستمع إلى طرف محتمل في الخطاب.
وهنا تعود القصيدة مرة أخرى إلى «نحن» التي ظهرت في البداية، ولكنها أصبحت الآن «نحن» تشاركية؛ أي إن القارئ يمكن أن ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
رابعًا: الترجمة الثقافية
في هذه المرحلة لا يقصد بالترجمة نقل الكلمات من لغة إلى لغة فحسب، وإنما إعادة تفسير الرمز داخل منظومة ثقافية أخرى أو أوسع.
ويتمثل الرمز المركزي هنا في: «القارة السمراء»
فالصفة «السمراء» لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها وصفًا لونيًا فقط، وإنما يمكن أن تحمل دلالات تاريخية وثقافية مرتبطة بالانتماء الإفريقي واستعادة الاعتزاز بالهوية.
وبذلك يصبح التعبير: إفريقيا = أرض + ذاكرة + هوية + مسؤولية
وهنا يحدث تحول مهم في الحركة الحلزونية؛ إذ تنتقل القصيدة من: الشباب → الاتحاد → القوة
إلى: الهوية → الانتماء → المسؤولية
فتصبح حماية القارة نتيجة طبيعية للانتماء إليها.
خامسًا: التفاعل المنتج
في هذه المرحلة لا يكتفي الناقد باكتشاف المعنى الموجود في النص، وإنما يبحث في ما الذي ينتجه التفاعل بين النص والمتلقي والسياق الثقافي.
والنص هنا ينتج خطابًا يمكن أن يؤدي وظيفة جماعية؛ لأنه يقوم على:
1. ضمير الجماعة.
2. الإيقاع الحماسي.
3. النداء.
4. فعل المشاركة.
5. صورة القارة بوصفها رمزًا جامعًا.
ولهذا يمكن أن تتحول القصيدة إلى ما يشبه النشيد الجماعي.
فالنص لا يبقى حبيس الصفحة، وإنما يصبح قابلًا للتداول الجماعي، والترديد، والاستحضار في مناسبات تتصل بالوحدة الإفريقية والوعي الشبابي.
وهنا تتسع دائرة التفاعل:
النص → القارئ → الجماعة → الفعل الثقافي
وهذه النقلة هي التي تجعل القراءة تفاعلية لا وصفية.
سادسًا: إعادة بناء المعنى بصورة حلزونية
تتميز هذه المرحلة بأنها لا تبدأ من الصفر، وإنما تعود إلى النتائج السابقة لإعادة تركيبها.
فإذا جمعنا المعاني التي ظهرت في المراحل السابقة نجد:
«نحن»
↓
هوية جماعية
«الشباب»
↓
فاعل اجتماعي
«اتحدنا»
↓
شرط القوة
«قوانا»
↓
نتيجة الاتحاد
«هيا»
↓
دعوة إلى المشاركة
«لنحمي»
↓
مسؤولية جماعية
«القارة السمراء»
↓
هوية إفريقية جامعة
وهكذا يتضح أن المعنى النهائي لا يوجد في كلمة واحدة، وإنما يتولد من العلاقات المتبادلة بين الوحدات اللغوية والرمزية والسياقية.
ويمكن تمثيل الحركة الحلزونية للنص على النحو الآتي:
الذات الجماعية
↓
الوعي بالضعف والتحدي
↓
الاتحاد
↓
القوة
↓
المشاركة
↓
حماية الهوية
↓
المسؤولية الإفريقية
↺
عودة إلى «نحن» بمعنى أوسع وأكثر وعيًا
وهذه العودة ليست تكرارًا للمعنى الأول، وإنما هي عودة تصاعدية؛ فـ«نحن» في بداية النص ضمير جماعة، أما في نهاية القراءة فتغدو مفهومًا ثقافيًا وأخلاقيًا وسياسيًا.
سابعًا: صناعة المعنى المشترك
تمثل هذه المرحلة ذروة المنهج الحلزوني التكاملي؛ إذ تتحول المعاني الجزئية إلى رؤية مشتركة تتجاوز حدود النص المباشرة.
فالقصيدة تبدأ من الشباب، لكنها تنتهي إلى إفريقيا؛ وتبدأ من القوة، لكنها تصل إلى المسؤولية؛ وتبدأ من الذات الجماعية، لكنها تنتهي إلى الهوية المشتركة.
ومن ثم يمكن صياغة المعنى المنتج في المعادلة الآتية:
الوحدة + الوعي + المشاركة + الانتماء = مسؤولية جماعية عن مستقبل إفريقيا
وهذا المعنى لا ينسب إلى الشاعر وحده ولا إلى القارئ وحده، وإنما يتولد من التفاعل بين النص وسياقه والمتلقي والثقافة.
وبذلك تتحول القصيدة من خطاب حماسي إلى تصور ثقافي يقوم على أن مستقبل القارة لا يتحقق بالقوة الفردية، وإنما بالوعي الجماعي والعمل المشترك.
ثامنًا: الحركة الحلزونية الكلية في النص
تكشف القراءة السابقة أن المراحل السبع ليست سبع خطوات مستقلة، وإنما حلقات متداخلة.
فالاستبطان يكشف «نحن»، والسياق يوسع دلالتها، والحوار يجعلها خطابًا موجّهًا إلى الآخر، والترجمة الثقافية تحول إفريقيا إلى رمز، والتفاعل المنتج يحول الرمز إلى فعل، ثم تعيد عملية التركيب بناء معنى «نحن» في مستوى أعلى.
ولهذا يمكن رسم البنية الحلزونية للنص هكذا:
نحن الشباب
↓
اكتشاف الذات الجماعية
↓
الواقع الإفريقي والتحديات
↓
إذا اتحدنا
↓
تحول الجماعة إلى قوة
↓
هيا لنحمي
↓
انتقال المتلقي إلى المشاركة
↓
القارة السمراء
↓
تحويل الجغرافيا إلى هوية
↓
التفاعل المنتج
↓
المسؤولية الجماعية
↓
إعادة تعريف «نحن» بوصفها ذاتًا إفريقية مشتركة
وعليه، فإن نهاية القراءة تعيدنا إلى بداية النص، ولكن على مستوى دلالي أعلى. وهذه هي الحركة الحلزونية التي تميز المنهج عن القراءة الخطية.
تاسعًا: التحليل اللغوي والبلاغي داخل الحركة الحلزونية
لا تقتصر القراءة التفاعلية على المضامين الفكرية، وإنما تستفيد من البنية اللغوية والبلاغية في إنتاج المعنى.
.1 ضمير الجماعة
يُعد «نحن» أهم العناصر اللغوية في النص؛ لأنه يؤسس الذات الجماعية.
وتتكرر صيغة الجماعة في:
نحن – اتحدنا – كلنا – قوانا – لنحمي
ويؤدي هذا التكرار وظيفة بنائية؛ إذ يجعل الجماعة مركزًا نحويًا ودلاليًا للقصيدة.
.2 الشرط
في قوله: «إذا اتحدنا كلنا صارت قوانا...»
تظهر علاقة سببية بين الاتحاد والقوة.
فالشرط يجعل القوة ليست قدرًا ثابتًا، وإنما نتيجة لفعل جماعي يمكن تحقيقه.
3 .الأمر والتحفيز
في: «هيا لنحمي»
ينتقل النص من التقرير إلى التحفيز، ومن وصف القوة إلى توجيهها نحو غاية محددة.
.4 المعجم الحركي
تتجمع في النص مجموعة من الألفاظ ذات الطابع الحركي:
اتحدنا – صارت – هيا – لنحمي
وهي أفعال تدل على الحركة والفعل، ولذلك تنسجم مع طبيعة الخطاب الجماعي التحفيزي.
.5 الرمز
يمثل تعبير: «القارة السمراء»
مركزًا رمزيًا؛ لأنه يحول المكان إلى هوية، ويجعل القارة موضوعًا للحماية والانتماء.
عاشرًا: القيمة التفاعلية للنص
تكمن أهمية النص، من منظور مدرسة النقد التفاعلي، في أنه يفتح مجموعة من دوائر التفاعل:
الشاعر ↔ الشباب
لأن الشاعر يخاطب فئة الشباب بوصفها قوة اجتماعية.
ثم:
الشباب ↔ إفريقيا
لأن قوة الشباب ترتبط بحماية القارة.
ثم:
النص ↔ المتلقي
لأن «هيا» تستدعي مشاركة المتلقي.
ثم:
المتلقي ↔ الجماعة
لأن القارئ لا يبقى فردًا منفصلًا، بل يمكن أن يصبح جزءًا من «نحن».وأخيرًا:
الجماعة ↔ المستقبل الإفريقي
فتتحول القصيدة إلى تصور لمستقبل يقوم على الوحدة والمسؤولية.
وهكذا يصبح التفاعل متعدد المستويات، وليس مجرد علاقة بين النص والقارئ.
حادي عشر: التفاعل بين الشكل والمضمون
من أهم ما يكشفه المنهج الحلزوني التكاملي أن الشكل الشعري ليس منفصلًا عن المضمون.
فالإيقاع الحماسي، وتكرار ضمائر الجماعة، وصيغة النداء، والتراكيب الشرطية، والمعجم المرتبط بالقوة والحماية؛ كلها عناصر شكلية تسهم في بناء مضمون الوحدة.
وبذلك لا يكون الشكل مجرد وعاء للمضمون، وإنما يصبح جزءًا من عملية إنتاج المعنى.
فالخطاب يقول بالوحدة من جهة، ويبنيها لغويًا من جهة أخرى؛ لأن كثافة ضمائر الجماعة تجعل الوحدة حاضرة في البنية النحوية نفسها.
ثاني عشر: النتيجة النقدية وفق المنهج الحلزوني التكاملي
تكشف قصيدة «نشيد إفريقيا» أن الشاعر محمد عمر الفال يبني مفهوم القوة من داخل مفهوم الجماعة. فالقوة لا تظهر باعتبارها صفة مستقلة، وإنما بوصفها نتيجة للاتحاد.
كما أن النص ينتقل من الذات الشبابية إلى الذات الإفريقية، ومن الدعوة إلى الوحدة إلى الدعوة إلى الحماية، ومن الانتماء إلى المسؤولية.
وبذلك يمكن اختزال الحركة الدلالية الكبرى للنص في المسار الآتي:
الشباب
→ الاتحاد
→ القوة
→ المشاركة
→ الحماية
→ الهوية
→ المسؤولية
غير أن المنهج الحلزوني لا يتوقف عند هذه النتيجة، بل يعود إلى نقطة البداية ليعيد تعريفها:
«نحن» في البداية = جماعة من الشباب
بينما:
«نحن» بعد اكتمال الحركة الحلزونية = ذات إفريقية جماعية واعية بمسؤوليتها.
ومن هنا تتولد القيمة المضافة للقراءة التفاعلية؛ إذ لا تكتفي بتفسير النص، وإنما تكشف كيف ينمو المعنى داخل شبكة من العلاقات المتبادلة بين اللغة والشاعر والمتلقي والسياق والهوية والفعل الجماعي.
يمكن القول إن «نشيد إفريقيا» يمثل نموذجًا مناسبًا لتطبيق المنهج الحلزوني التكاملي لمدرسة النقد التفاعلي؛ لأنه يقوم على بنية شعرية تسمح بانتقال المعنى من المستوى الفردي إلى الجماعي، ومن الجماعي إلى الثقافي، ومن الثقافي إلى المسؤولية العملية.
وتتمثل القيمة المركزية التي ينتجها التفاعل في:
الوعي بالذات + الوحدة + المشاركة + الانتماء = بناء المسؤولية الجماعية.
وبهذا لا تصبح إفريقيا في النص مجرد موضوع شعري، بل تتحول إلى فضاء لصناعة معنى مشترك بين الشاعر والمتلقي والجماعة والثقافة.
إن الحركة الحلزونية في هذا النص لا تنتهي عند آخر بيت، وإنما تستمر في المتلقي؛ لأن القصيدة تنقله من موقع السامع إلى موقع المخاطَب، ومن المخاطَب إلى موقع الشريك، ومن الشريك إلى موقع المسؤول عن الجماعة.
وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص مدرسة النقد التفاعلي: أن النص الأدبي لا يُفهم بوصفه بنية مغلقة، ولا بوصفه مجرد انعكاس للسياق، وإنما بوصفه عملية تفاعلية مفتوحة يعاد فيها إنتاج المعنى كلما دخل النص في حوار جديد مع قارئ أو ثقافة أو سياق جديد.
تطبيق المنهج الحلزوني التكاملي على نص نُوكي دجيدانوم «Nyamirambo !»
يمثل شعر نُوكي دجيدانوم (Nocky Djedanoum) نموذجًا مناسبًا لاختبار المنهج الحلزوني التكاملي في مدرسة النقد التفاعلي؛ لأن تجربته في Nyamirambo ! لا تنفصل عن الذاكرة الجماعية والكتابة عن المأساة الرواندية، كما أن الديوان نفسه جاء في سياق مشروع «Rwanda : écrire par devoir de mémoire»، الذي شارك فيه عدد من الكتاب الأفارقة بهدف الكتابة عن الإبادة الجماعية في رواندا وفتح المجال أمام الأدب بوصفه فعلًا للذاكرة والشهادة.
وتقوم القراءة الحالية على المبدأ الحلزوني الذي يفترض أن الناقد لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى بطريقة خطية مغلقة، بل يعود بعد كل مرحلة إلى النص من مستوى أعمق، بحيث:
النص → الذات → السياق → الحوار → التفاعل → التركيب → الإبداع → العودة إلى النص.
أولًا: تحديد الشاهد
التطبيق الشاهد الآتي:
«Tu te tais
comme les mots se sont tus
À quoi peuvent servir mes mots ?»
وترجمته:
«أنت تصمت
كما صمتت الكلمات،
فما جدوى كلماتي؟»2
ثانيًا: الدورة الأولى — الاستبطان النقدي
يبدأ المنهج الحلزوني من الناقد نفسه، قبل أن يبدأ في تفسير النص.
والسؤال هنا ليس فقط:
ماذا يقول الشاعر؟
بل:
كيف أقرأ أنا هذا النص؟ وما الافتراضات التي يمكن أن أحملها وأنا أقرأه؟
إن الشاهد يقوم على مفردات ذات حمولة وجدانية قوية:
se tais — les mots — mes mots
أي:
الصمت — الكلمات — كلماتي.
وقد يميل الناقد منذ القراءة الأولى إلى تفسير الصمت بوصفه عجزًا عن الكلام، غير أن المنهج الحلزوني يمنعه من التوقف عند هذا الانطباع الأول.
فـ«الصمت» هنا يمكن أن يكون:
1. صمت الفرد؛
2. صمت الجماعة؛
3. صمت الشاهد؛
4. صمت الذاكرة؛
5. أو عجز اللغة أمام تجربة تتجاوز قدرة التعبير.
وهنا يظهر أول مبدأ للمنهج:
لا تُثبت القراءة الأولى معناها النهائي، وإنما تُعامل بوصفها فرضية قابلة للمراجعة.
ثالثًا: الدورة الأولى — التحليل السياقي
عند الانتقال إلى السياق، يتغير فهم الشاهد.
فـNyamirambo ! ليس ديوانًا منفصلًا عن حدث تاريخي عابر، وإنما جاء ضمن مشروع أدبي ارتبط بالكتابة عن الإبادة الجماعية في رواندا. وتؤكد المصادر أن دجيدانوم شارك في تجربة الكتابة التي حملت عنوان «Rwanda : écrire par devoir de mémoire»، وأن Nyamirambo ! كان إحدى ثمرات هذه التجربة.
كما يوضح وصف العمل أن «Nyamirambo» هو اسم أحد أحياء كيغالي، وأن الديوان يتعامل مع آثار المأساة الرواندية وذاكرة الضحايا. وتصف Africultures العمل بأنه مرتبط بذاكرة تلك المأساة وبمحاولة التعبير عما شاهده الكاتب وشعر به.
وعلى هذا الأساس، يتجاوز الصمت في الشاهد المعنى النفسي المباشر، ليصبح مرتبطًا بسياق تاريخي وثقافي:
الحدث → الصدمة → الصمت → محاولة الكتابة.
ومن هنا تبدأ الحلقة الثانية من الفهم.
رابعًا: العودة إلى النص بعد اكتشاف السياق
هنا تظهر الخاصية الحلزونية للمنهج.
فبعد معرفة السياق، نعود إلى الكلمات نفسها:
«Tu te tais»
«les mots se sont tus»
«mes mots»
في القراءة الأولى كان الصمت يبدو حالة فردية.
أما بعد قراءة السياق، فإننا نكتشف أن هناك انتقالًا تدريجيًا:
أنت → الكلمات → أنا.
أي:
الآخر الصامت → اللغة الصامتة → الذات المتكلمة.
وهذا التحول مهم؛ لأن الشاعر لا يقول ببساطة:
«أنا عاجز عن الكلام».
بل يجعل الصمت ينتقل من المخاطَب إلى الكلمات نفسها، ثم يعود السؤال إلى الذات:
«À quoi peuvent servir mes mots ?»
أي أن المشكلة لم تعد في رغبة المتكلم في الكلام، وإنما في قدرة اللغة نفسها على أداء وظيفة الشهادة أمام تجربة قصوى.
وهنا تنتقل القراءة من المستوى النفسي إلى المستوى الثقافي والإنساني.
خامسًا: اكتشاف منطقة التفاعل
تمثل هذه المرحلة قلب المنهج الحلزوني التكاملي.
فالمنطقة التفاعلية في الشاهد تتشكل من أربعة عناصر:
الإنسان + الحدث + اللغة + الذاكرة.
فالحدث ينتج الصمت، والصمت يضغط على اللغة، واللغة تحاول مقاومة الصمت، ثم تتحول الكلمات إلى وسيلة لحفظ الذاكرة.
ومن ثم يمكن صياغة الحركة الداخلية للشاهد هكذا:
المأساة → الصمت → أزمة اللغة → السؤال → الكتابة.
إن سؤال:
«À quoi peuvent servir mes mots ?»
لا يمثل مجرد سؤال بلاغي، بل يمكن قراءته باعتباره سؤالًا عن وظيفة الشعر نفسه.
فإذا كانت الكلمات عاجزة عن إعادة الماضي، فهل يمكنها على الأقل أن تمنع النسيان؟
هنا ينتقل النص من التعبير عن الألم إلى التفكير في وظيفة الكتابة.
سادسًا: النقد التشاركي
وفق المنهج الحلزوني، لا يقف الناقد خارج التجربة ليصدر حكمًا عليها، وإنما يدخل في حوار معرفي معها.
وهنا ينبغي ألا نقول:
«الشاعر فشل في التعبير لأن الكلمات عاجزة.»
بل نسأل:
لماذا يجعل الشاعر نفسه يشك في قدرة الكلمات؟
الجواب الذي تقترحه القراءة التفاعلية هو أن الشك في اللغة قد يكون نفسه استراتيجية شعرية.
فالشاعر عندما يقول إن الكلمات صامتة، يستخدم الكلمات لكي يعبّر عن عجز الكلمات.
وهنا تنشأ مفارقة شعرية:
اللغة تصف عجز اللغة.
وهذه المفارقة تمنح النص قوته الجمالية؛ لأن الصمت لا يصبح غيابًا للكلام، وإنما يتحول إلى موضوع للكلام.
سابعًا: التحليل اللغوي والأسلوبي
تتأسس البنية اللغوية للشاهد على تكرار المجال المعجمي المرتبط بالكلام والصمت:
tais / mots / tus / mots
وهو تكرار يولد شبكة دلالية مركزية.
كما يظهر التضاد بين:
الصمت / الكلام
لكن الشاعر لا يقدم التضاد بصورة مباشرة فقط، وإنما يجعله يتحرك داخل البنية:
tu te tais
ثم:
les mots se sont tus
ثم:
mes mots
وهذا التدرج يخلق انتقالًا من الصمت الخارجي إلى الصمت اللغوي ثم إلى الذات.
أما السؤال:
«À quoi peuvent servir mes mots ?»
فيؤدي وظيفة تتجاوز الاستفهام البلاغي؛ فهو يفتح النص على سؤال فلسفي حول قدرة اللغة على تمثيل المأساة.
وهكذا تصبح البنية اللغوية نفسها جزءًا من التجربة الثقافية.
ثامنًا: الترجمة الثقافية
لا تكفي ترجمة:
Tu te tais = أنت تصمت
للوصول إلى كامل الطاقة الثقافية للشاهد.
فالترجمة الحرفية تنقل المعنى المعجمي، لكنها لا تنقل بالضرورة الوظيفة التي يؤديها الصمت داخل سياق الذاكرة والمأساة.
لذلك يمكن فهم الترجمة الثقافية للشاهد على مستويين:
المستوى الأول: الترجمة اللغوية
«أنت تصمت كما صمتت الكلمات، فما جدوى كلماتي؟»
المستوى الثاني: الترجمة الثقافية
يمكن تفسير المعنى الكامن بأنه:
حين تعجز التجربة عن أن تُروى، وتبدو الكلمات عاجزة عن استعادة ما حدث، يتحول السؤال عن الكلام نفسه إلى فعل من أفعال مقاومة النسيان.
وبذلك لا تكون الترجمة الثقافية إضافة خارجية إلى النص، وإنما وسيلة لاكتشاف طبقة دلالية كامنة فيه.
تاسعًا: التثاقف الخلاق
بعد انتقال النص من الفرنسية إلى العربية، ومن السياق الرواندي إلى أفق القراءة العربية الإفريقية، يحدث نوع من التفاعل الثقافي.
فاللغة الفرنسية هنا لا تلغي المرجعية الإفريقية، كما أن الترجمة العربية لا ينبغي أن تمحو خصوصية التجربة الرواندية.
إنما يحدث انتقال:
تجربة إفريقية → لغة فرنسية → قراءة عربية → معنى إنساني مشترك.
وهنا يتجسد التثاقف الخلاق.
فالناقد العربي لا يستولي على تجربة الآخر، وإنما يستقبلها ويعيد صياغة فهمه لها مع الحفاظ على خصوصيتها.
عاشرًا: التركيب التفاعلي
بعد المرور بالمراحل السابقة يمكن إعادة بناء معنى الشاهد.
في القراءة الأولى:
النص يتحدث عن الصمت.
بعد السياق:
النص يتحدث عن الصمت أمام المأساة.
بعد التحليل اللغوي:
الصمت ينتقل من الإنسان إلى الكلمات.
بعد التحليل الثقافي:
أزمة الكلمات ترتبط بمشكلة الشهادة والذاكرة.
بعد الترجمة الثقافية:
الكلمة لا تستعيد الماضي، لكنها تستطيع مقاومة اختفائه من الذاكرة.
ومن هنا يصل المنهج إلى تركيب أعمق:
إن صمت الكلمات في «Nyamirambo !» لا يعني نهاية اللغة، بل يمثل لحظة تتحول فيها اللغة من وسيلة لوصف الحدث إلى وسيلة لمقاومة النسيان.
الحادي عشر: الإبداع المشترك
في هذه المرحلة لا ينتهي التحليل بمجرد تفسير الشاهد، وإنما ينتج مفهومًا جديدًا يمكن أن يضاف إلى النظرية:
«اللغة بوصفها مقاومة للصمت»
فالنص يقودنا إلى نتيجة مفادها أن الكتابة في سياق المأساة لا تعمل بالضرورة على إعادة تمثيل الحدث بكل تفاصيله، وإنما قد تعمل من خلال:
الإشارة → الصمت → السؤال → الذاكرة.
وبذلك يصبح الشعر فعلًا من أفعال حفظ الذاكرة.
وتؤكد الدراسات المرتبطة بـNyamirambo ! أن العمل يدخل ضمن أدب الذاكرة الذي أنتجته تجربة Fest Africa، وأن الكتابة جاءت بوصفها استجابة للمأساة الرواندية.
الثاني عشر: العودة الحلزونية إلى النص
هنا يتحقق جوهر المنهج.
بعد كل هذه المراحل نعود مرة أخرى إلى الشاهد:
«Tu te tais
comme les mots se sont tus
À quoi peuvent servir mes mots ?»
لكننا لا نقرأه الآن كما قرأناه في البداية.
في القراءة الأولى:
الصمت = عجز.
في القراءة الثانية:
الصمت = أثر المأساة.
في القراءة الثالثة:
صمت الكلمات = أزمة التمثيل.
وفي القراءة الرابعة:
السؤال عن الكلمات = بداية التفكير في وظيفة الكتابة.
وفي القراءة النهائية:
الكلمات التي تعلن عجزها عن الكلام تتحول نفسها إلى شهادة على ما يصعب قوله.
وهذه هي الحركة الحلزونية:
قراءة أولى
↓
سياق
↓
إعادة قراءة
↓
حوار
↓
تركيب
↓
إعادة قراءة أعمق
↓
معنى جديد
الثالث عشر: النتيجة التطبيقية
يكشف تطبيق المنهج الحلزوني التكاملي على هذا الشاهد أن النص لا يمكن اختزاله في ثنائية:
الكلام / الصمت.
بل يقوم على شبكة أكثر تعقيدًا:
المأساة
↓
الذاكرة
↓
الصمت
↓
أزمة اللغة
↓
السؤال
↓
الشهادة
↓
مقاومة النسيان.
وهكذا تتحول القصيدة من نص وجداني إلى فعل ثقافي للذاكرة.
وتنسجم هذه النتيجة مع موقع Nyamirambo ! ضمن مشروع «Rwanda : écrire par devoir de mémoire»، كما تؤكد المصادر الأدبية والأكاديمية أن العمل ارتبط مباشرة بتجربة الكتابة حول المأساة الرواندية.
الرابع عشر: الخلاصة النظرية التي يقدمها التطبيق
يمكن صياغة نتيجة هذا التطبيق في قاعدة مركزية للمنهج الحلزوني التكاملي:
كلما عاد الناقد إلى النص بعد اكتساب معرفة جديدة بالسياق والثقافة والآخر، تغير مستوى الدلالة التي يستخرجها منه.
وبناءً على ذلك، فإن قراءة «Nyamirambo !» لا تنتهي عند القول إن الشاعر يعبر عن الحزن أو الصمت، وإنما تكشف، عبر الحركة الحلزونية، أن أزمة اللغة نفسها تصبح موضوعًا شعريًا، وأن الاعتراف بعجز الكلمات يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال الشهادة ومقاومة النسيان
ومن هنا تتضح الوظيفة الحقيقية للمنهج:
لا يضيف المنهج معنى من خارج النص، وإنما يعيد تنظيم العلاقات الموجودة في النص والسياق لكي يكشف طبقات دلالية أعمق.
خاتمة
يمثل المنهج الحلزوني التكاملي محاولة لتأسيس آلية إجرائية تتلاءم مع التصور التفاعلي للنقد، لأنه لا يتعامل مع القراءة بوصفها عملية خطية تنتهي بمجرد الوصول إلى نتيجة، وإنما يجعلها حركة مستمرة من الفهم والمراجعة والحوار وإعادة البناء.
وتتمثل خصوصيته في الجمع بين الحركة الحلزونية والتكامل النقدي؛ فكل مرحلة تستفيد من المرحلة السابقة، وكل نتيجة تفتح المجال لإعادة النظر في النتائج السابقة، وكل عودة إلى النص تتم من مستوى معرفي جديد.
ومن ثم يمكن القول إن المبدأ الجوهري للمنهج هو:
«نقرأ النص لكي نفهم الآخر، ونحاور الآخر لكي نعيد فهم النص، ونعود إلى ذواتنا لكي نعيد بناء قراءتنا »
وبذلك تتحول العملية النقدية من فعل أحادي الاتجاه إلى دورة معرفية تفاعلية مفتوحة، يكون هدفها النهائي ليس إصدار الحكم على الآخر، وإنما بناء معرفة مشتركة تتسع للذات والآخر والنص والسياق والثقافة.
المراجع والمصادر
أولًا: المصادر الأولي
الفال، محمد عمر ، أصداء النفس، برورصة الكتب للنشر والتوزبع 2014 ص 72 73 ،
Djedanoum, Nocky. Nyamirambo !. Bamako/Lille: Le Figuier / Fest Africa Editions, 2000, 51 p.
ثانيًا: المصادر والدراسات المساندة
Mongo-Mboussa, Boniface. « Rwanda 2000 : Djedanoum et Ilboudo », Africultures, 2000. Nyamirambo ! ضمن الكتابة الأدبية المرتبطة بالمأساة الرواندية.
Mamadi, Robert. La production littéraire tchadienne écrite d expression française : essai d analyse sociologique. Mémoire de Master, Université de Ngaoundéré, 2010. وتتناول الدراسة موقع دجيدانوم في الأدب التشادي المكتوب بالفرنسية، مع إحالات إلى أعمال أخرى حول الديوان.
Fonkua, Romuald. « À propos de l initiative du Fest Africa : "Témoignage du dedans", "témoignage du dehors" », Lendemains, no. 112, 2003, pp. 62–72.
وهو من الدراسات المشار إليها في الأدبيات الأكاديمية حول مشروع الكتابة المرتبط بذاكرة رواندا.
Djedanoum, Nocky. Nyamirambo !. Notice bibliographique, Bibliothèque nationale de France, 2000.
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟