أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....

حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 20:06
المحور: الادب والفن
    


قالتِ البومةُ، وهي تُنظِّفُ ريشَها فوقَ عمودِ البوابةِ القديمة:
اجلسوا يا صغارَ الوادي، فإنّ الحكايةَ لا تُحفَظُ بالكلام، بل بالجُرحِ الذي يبقى بعدَ الكلام سأرويها لكم كما رأتها عيناي، وكما سمعتها أذناي، وكما كتبتُها في دفترٍ من لِحاءِ الشجر.
أوّلًا: الملكُ الذي كان يصطادُ بمخالبِه
في قديمِ الزمان — وكان الزمانُ أرحبَ من اليوم — كان في وادي السَّرْو ملكٌ من الأسود، يُقال له الليثُ الأكبر، كان إذا مشى في الوادي مشتْ معه الظلال، وإذا زأرَ عرفَتِ الجبالُ أنّ الصباحَ قد جاء.
كان يصطادُ بنفسِه، لم يكن يبعثُ أحدًا ليصطادَ عنه، وكان يقول: الذي لا يعرفُ كيف يقتلُ الجوعَ بيدِه، لا يعرفُ كيف يحكمُ جوعَ الآخرين.
وفي عهدِه بُنِيَ الجسرُ على النهر، وحُفِرَتِ البئرُ في الرمل، وتعلَّمَ صغارُ الحمامِ القراءةَ على ورقِ التوت.
ثم دارتِ الأيامُ دورةً كاملة، كما تدورُ دائمًا.
ثانيًا: الأنيابُ التي تساقطت
شاخَ الليث، تساقطت أنيابُه واحدًا واحدًا، كأنّها أوراقُ خريفٍ في فمٍ، ابيضَّتْ لحيته، وثَقُلَ جفنُه، وصار يمشي من العرشِ إلى النافذةِ في عشرِ دقائق، ويتنفّسُ كأنّ صدرَه جرّةٌ مثقوبة.
لكنّه لم يتنازلْ عن العرش، قال: العرشُ ليس سريرًا يُترَكُ حين يشتدُّ التعب؛ العرشُ أمانة ، قالها بصوتٍ واهنٍ، وكرّرها في كلِّ خطبةٍ، حتى صارت جملةً تُسدُّ بها الأبواب.
جاءته الزرافةُ فقالت: يا مولاي، البئرُ جفَّتْ في القسمِ الشرقيّ، والصغارُ يمشون ساعتين إلى الماء
قال: الميزانيةُ لا تكفي
جاءته النملةُ سُرى فقالت: يا مولاي، مخزنُ الحَبِّ فارغ، وقد بدأنا نُقرضُ بعضُنا حَبّةً بحبّة
قال: الميزانيةُ لا تكفي ،
جاءته الحمامةُ فقالت: يا مولاي، سقفُ المدرسةِ سقط على ثلاثةِ أفراخ، ولم يبقَ في العيادةِ ضمادةٌ واحدة.
قال: الميزانيةُ لا تكفي.
ثم جاء الثعلبُ — ثعلبُ الديوان — فقال: يا مولاي، طوقُ الذهبِ الذي طلبتَه لاحتفالِ اليوبيلِ جاهز، لكنّه يحتاجُ مبلغًا إضافيًّا.
فقال الملك: جِدْه من أيِّ باب.
ثالثًا: الجملةُ التي صارت بابًا
تعلَّمَ الوادي الجملةَ. صارتْ كلمةَ السرِّ بين الكبار، وفَكِهةَ الليلِ بين الصغار.
كان الحمارُ الوحشيُّ — أبو خِطام — يجرُّ عربتَه فيقولُ لنفسِه: الميزانيةُ لا تكفي. ثم يضحكُ ضحكةً قصيرةً كأنّها سُعال، ويقول: لكنّها تكفي لطوق، ولا تكفي لضمادة.
وكان الهدهدُ قُرْقُب يطيرُ فوقَ القصرِ ويعدّ. عدَّ ثلاثين نافذةً من ذهب، وسبعَ بواباتٍ من رخام، وأربعين حارسًا نائمًا، وحوضًا للسمكِ الملوَّنِ يُغيَّرُ ماؤه كلَّ صباحٍ بماءِ النهرِ الذي إليه يمشي الصغارُ ساعتين.
ثم عدَّ شيئًا آخر: عددَ الأطبّاءِ في الوادي. كانوا اثنين، واحدٌ مريض، والآخرُ مسافرٌ في مهمّةٍ رسمية، منذ سبعِ سنوات.
رابعًا: القافلةُ التي جاءت من وراءِ البحر
في ليلةِ خريفٍ سوداءَ، رستْ في ميناءِ الوادي سفنٌ لم يرها أحدٌ من قبل، سوداءُ كالليل، عاليةُ الصواري، وعليها أعلامٌ لا يعرفُها الطير.
نزل منها غربانٌ لابسون ورقًا.
قالوا إنّهم تجّار، وإنّهم جاءوا بخيرٍ كثير، وإنّهم يحبّون هذا الوادي حبًّا لا ينتهي.
استقبلهم الثعلبُ عند البوابة، وهمسَ في أذنِ الضبعِ أبي ضحكة: افتحْ، وابتسمْ، ولا تسألْ عن العدد.
دخلتِ الغربانُ إلى جبلِ النور، حيثُ كان الذهبُ نائمًا في الصخر، وحيثُ كانتِ الأحجارُ الكريمةُ تلمعُ في العتمةِ كأنّها نجومٌ سقطتْ ولم يجدْ أحدٌ لها سماءً.
وحُمِلَ الذهب. حُمِلَ في أكياس، ثم في صناديق، ثم في سفن، ولم يُكتَبْ في دفتر، ولم يُعَدَّ عدًّا، ولم يسألْ سائلٌ: كم خرج؟ وكم بقي؟
سألتِ النملةُ سُرى، وهي تحملُ حبّةً على ظهرِها: أليس لنا في هذا الجبلِ نصيب؟
فقال الثعلب: الجبلُ ملكٌ للدولة.
قالت: والدولةُ مَن؟
فنظرَ إليها نظرًا طويلًا، ثم قال: الدولةُ مَن يعرفُ أنْ لا يسأل.
خامسًا: ثمنُ العرش
ثم ظهرتِ القاعدةُ، ولم يكتبها أحد، ولم يقرأها أحد، لكنّ الجميعَ حفظها.
قال الغرابُ نعيق، في مجلسٍ مغلقٍ لا يدخله إلا ذوو الريشِ الأسود: نحن لا نحكم، نحن فقط... نُبارك.
وصار الختمُ ختمَ الغراب، مَن أراد أن يجلسَ على العرش، فليأتِ إلى الغرابِ أوّلًا. ومَن لم يأتِ، فسيجدُ في الصباحِ أنّ تاريخَه قد تغيَّر، وأنّ اسمَه قد نُسِي، وأنّ الغابةَ لم تعرفْه قطّ.
جاءتِ الفرسُ الشقراء، وكانت سريعةً صادقة، فقالت: أنا أخدمُ الوادي، فهل أخدمُه من العرش؟
فضحكَ الثعلبُ وقال: أنتِ غيرُ مهيّأة، وأصلُكِ غريبٌ عن العُرف، ثم همس: ولم يمرَّ اسمُكِ على الغراب.
وجاءَ الفيلُ أبو خرطوم، وكان قويًّا صبورًا، فقيل له: أنيابُك ثقيلةٌ على الباب، فمشى، ولم يعد.
وجاءَ ابنُ آوى الصغير، فقيل له: أنت بعدُ صغير. فانتظرَ،وحين كَبِر، قيل له: أنت بعدُ صغير.
أمّا الذين مرَّتْ أسماؤُهم على الغراب، فقد جلسوا، واحدٌ جلسَ فصارَ في جيبِه مفتاحُ الجبل، وآخرُ جلسَ فصارَ في جيبِه مفتاحُ الميناء، وثالثٌ جلسَ فصارَ في جيبِه مفتاحُ الصمت.
وأوّلُ ما فعلَه هؤلاء: أنّهم وقّعوا.
وقّعوا ورقةً صغيرة، في غرفةٍ صغيرة، بخطٍّ صغير، فيها أنّ الجبلَ للتجّارِ تسعةً وتسعينَ عامًا، وأنّ الوادي شريكٌ في الأرباح، — والأرباحُ لا تُرى إلا في أوّلِ سنة، ثم تُنسى.
سادسًا: الليلُ الطويل
وبقيَ الليثُ على العرش، لا هو يخدمُ ولا هو يُجدِّد.
يُقالُ له: جدِّدْ يا مولاي، انزلْ لمن يقدر. فيقول: التجديدُ فتنة، والفتنةُ تأكلُ صغارَنا.
ويُقالُ له: أعطِنا ميزانيةً للجسر، فيقول: الميزانيةُ لا تكفي.
ويُقالُ له: أين ذهبَ ذهبُ الجبل؟ فيقول: اسألوا مَن كان قبلي. ومَن كان قبلَه يقول: اسألوا مَن بعدي. فتدورُ الكلمةُ في الوادي دورةً كاملة، وترجعُ حيث بدأت، كالكلبِ الذي يطاردُ ذيلَه.
وفي الليل، تجتمعُ الحيواناتُ في ساحةِ السَّرْو، تحتَ الشجرةِ الميّتة: الزرافةُ، والنملةُ، والحمامةُ، والحمارُ الوحشيُّ، والقنفذُ، والسلحفاةُ أم دَرَقة.
يقولُ أحدُهم: لو خرجَ الذهبُ من الجبلِ وعادَ إلى الوادي، لأصلحْنا كلَّ شيءٍ في عام.
فيقولُ آخر: الذهبُ لا يعودُ حيث لا يُعَدّ.
ثم يسكتون، وفي السكوتِ يُسمَعُ صوتُ سفينةٍ تُقلعُ في الظلام.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...
- التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال ...
- التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن ...
- التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية ...
- الثقافة العربية في إفريقيا: التفاعل الثقافي وبناء الهوية في ...
- الأدب العربي المكتوب بالفرنسية من منظور النقد التفاعلي الدكت ...
- المرأة الإفريقية والتحولات الثقافية قراءة تحليلية في ضوء منه ...


المزيد.....




- عاصم الشاعر.. فنان فلسطيني يستنطق حجارة البيوت القديمة في نا ...
- هكذا يحيي عاصم الشاعر بيوت فلسطين القديمة
- دعوى بـ41 مليون دولار ضد -أنثروبيك- بسبب أغاني إلفيس بريسلي ...
- مسرح مالي في موسكو.. قرنان من تاريخ الدراما الروسية
- -فرحة العمر-.. سميرة سعيد تزفّ ابنها الوحيد شادي على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لفناني مصر: كلام غير مستغرب!
- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون