ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث
(Ibrahim Mahmat)
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 18:52
المحور:
الادب والفن
«لا فرقَ بين غرابٍ وحمام... إلا في تلك الخانة الصغيرة التي تُملأ في الاستمارة»
أولًا: الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
في وادي السنديان، بين جبلين لا يعبرهما إلا الطير، قامت مملكةٌ من الطيور والحيوانات، كان على عرشها نسرٌ كبير، اسمه «النسر الأول»، عينه لا تغمض، وجناحه لا ينزل إلا على من يخالف، وكان تحته طاووسٌ اسمه «الطاووس» فحسب، لأنه لم يكن له اسمٌ غير ذلك؛ فحين ينشر ذيله تنسى الحاضرين كلَّ ما كانوا يقولون.
وكان في الوادي ثلاثة أجنحة، أي ثلاثة اتجاهات، حزبُ «الريش اللامع» وفيه أصحاب الحظّ والوجاهة، يقوده الطاووس؛ وجماعةُ «الصوت الآخر» وفيه من يرفع صوته ولا يُسمَع، يقودها الهدهدُ ذو التاج؛ ثم قبيلةُ الغربان، أصحابُ الريش الأسود، وكانوا قديمًا حَمَلةَ الأخبار وحُرّاسَ الذاكرة، هم الذين عرفوا طريق الماء في سنة الجفاف الكبرى، وهم الذين حذّروا الوادي من السيل قبل أن يأتي، فنجا الوادي، ولم يذكر أحدٌ أنهم نجّوه.
في سنة الاقتراع، وقفت الغربان مع «الصوت الآخر» لم يكن ذلك خصومةً ولا مطمعًا؛ كان لأنّ الهدهد وعدهم بشيءٍ واحد: أن يُذكر اسمهم في السجلّ، لا أن يُكرَموا،رفعوا أجنحتهم مرّةً واحدة في حياتهم، وقالوا: «هذه مرّتنا »
فاز «الريش اللامع» بجناحٍ واحد. ونزل النسر من عرشه وقال: «انتهى الاقتراع، وأنا نسرُّ الجميع » وضحك الطاووس ضحكةً رتّبت ريشه، ثم نظر إلى الصفّ الأسود في آخر القاعة، ولم يقل شيئًا،وكان في صمته شيءٌ أوضح من كل خطبة.
ثانيًا: المرسوم الذي لم يذكر الغربان
لم يصدر مرسومٌ واحد يقول: «لا غرابَ في وظائف الوادي » فلو فعلوا، لقامت الدنيا ولم تقعد، لكنهم فعلوا ما هو أذكى وأطول عمرًا: كتبوا الشروط.
قالوا: يُشترط في المتقدّم أن يكون «من ذوي الريش الفاتح»، لأن الريش الفاتح — كما قالوا — «أقرب إلى روح الوادي».
وقالوا: يُشترط «خبرة عشر سنوات في أروقة القصر»، والخبرة في أروقة القصر لا تُنال إلا بالعمل في أروقة القصر.
وقالوا: يُشترط «تزكيةُ طائرين معروفين»، ولم يكن في الوادي غرابٌ «معروف»؛ لأن المعروفين لا يكونون إلا ممن عُرفوا.
وقالوا: «الوظائف تُمنح بالكفاءة وحدها»، ثم جعلوا الكفاءةَ تُقاس بسلالة الريش، والريش يُقاس بالمعرفة، والمعرفة تُقاس بمن تعرف.
هكذا خرج الغربان من كل باب، لا بيدٍ تدفعهم، بل بشروطٍ لا تذكرهم، لم يُطردوا؛ بل لم يبقَ لهم موضعٌ يقفون فيه، ولم يكن في حكومة الوادي وزيرٌ غراب، ولا وكيلُ وزارة، ولا مديرُ مكتب، ولا حارسُ باب، حتى الحارس، وهو أعلى ما يُمنَح، كان من «الريش الفاتح».
وفي كل استمارة، في أعلى الصفحة، خانةٌ صغيرة مكتوبٌ فوقها: النوع، يكتبها الغرابُ بيده: «غراب» ثم يقلب الصفحة، فيجد أنّ كل ما بعدها قد تغيّر: العلامات، والترتيب، والموعد، والابتسامة.
ثالثًا: الخطبة الكبرى
وفي كل موسم، كان الطاووس يقف على المنصة ويقول:
«نحن شعبٌ واحد! لا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين ريشٍ وريش، نحن كلّنا طيورُ هذا الوادي، والوادي لأبنائه جميعًا. من قال إن هناك تفرقة؟ أروني قانونًا واحدًا فيه كلمة (غراب)!»
فيهتزّ الوادي تصفيقًا، وتُلتقط الصور، وتُنشر في صحيفة «الببغاء» — وكانت الصحيفةُ ببغاءً حقيقيًّا يقف على غصنٍ ويردّد كل صباح ما سمعه في المساء.
وكان في خطبته شيءٌ عجيب: كلّما قال «نحن سواء»، مدّ ذيله قليلًا، فغطّى بذيله ثلاثين طائرًا من الحاضرين، فلم يرَ أحدٌ من كان تحته، وكان الغربان يجلسون في آخر القاعة، حيث لا يصل إليهم ذيلٌ ولا ضوء.
ثم جاءت خطبةٌ أخرى اسمها «الوحدة الوطنية»، وأخرى اسمها «مصالحة الوادي»، وأخرى اسمها «الوادي الجديد». وفي كل واحدة، كان الغربان حاضرين في الكلام، غائبين في الجداول.
رابعًا: كيف يُوظَّف طائرٌ في هذا الوادي
كان في الوادي ثلاث طرقٍ للوظيفة، ولم يكن أيٌّ منها في الشروط المعلنة:
الأولى: البيضة الذهبية، كان العقعق، وهو سمسارُ الوظائف، يقف عند باب الوزارة ويقول للمتقدّمين بصوتٍ خفيض: «الملفُّ وحده لا يمشي، الملف يحتاج بيضةً تدفعه » وكانت البيضة الذهبية تُمرَّر في صندوق «هديةٍ رمزية».
الثانية: الوساطة، كان يكفي أن تكون ابنَ عمّ مديرِ المكتب، أو صهرَ سكرتير الوزير، أو جارَ من يغلق الباب، وكان في الوادي مثلٌ يقول: «الكفاءةُ تطرق الباب، والمعرفةُ تدخل من النافذة»
الثالثة: الصمت، وكانت أرخص الطرق وأنجحها، من يسكت يُوظَّف؛ ومن يسأل يُقال له: «ارجع بعد قمر»
أما الغراب، فلم يكن يملك بيضةً ذهبية، ولا ابنَ عمٍّ في القصر، ولا صمتًا يُشتَرى، كان يملك شيئًا واحدًا: شهادةً تقول إنه يعرف الطريق إلى الماء، والوادي لم يكن يحتاج من يعرف الطريق؛ كان يحتاج من يعرف الطريق إلى الخزينة.
خامسًا: تشويهُ السمعة
ولمّا كثُر الغربان في الكلام، بدأ الكلام عنهم.
قال الببغاء على الغصن: «الغربان تسرق » ولم يقل أحدٌ إنهم كانوا يأكلون من المزابل خلف مطبخ القصر.
وقال: «الغربان صوتُها منكرٌ وفوضى.» ولم يقل أحدٌ إنهم كانوا يصرخون ليلًا لينبّهوا الوادي من السيل.
وقال: «من صوّت ضدّ الوادي فليس من الوادي » وهذه كانت أقسى الجُمَل، لأنها لم تتّهم فعلًا، بل نزعت هوية.
وسنّةً بعد سنّة، صار الغراب في حكايات الصغار طائرًا أسودَ يأتي بالخبر السيّئ، فنُسي أنه كان يأتي بالخبر قبل أن يقع. وحتى الحمام، وهو ألين الطيور قلبًا، صار يعبر إلى الرصيف الآخر إذا مرّ غراب. وبلغ الأمر أن صغار الغربان أنفسهم بدؤوا يتلفّتون خلفهم خجلًا حين يُنطق اسمهم.
هكذا يُهزم قومٌ مرّتين: مرّةً حين يُمنعوا، ومرّةً حين يُقنَعوا بأن منعَهم كان عدلًا.
سادسًا: من وادٍ إلى واد
ثم جاءت السنة التي جفّت فيها البركة الأخيرة في وادي السنديان. فحمل الغربان ما حملوا، ومشوا.
نزلوا وادي الملح، فأقاموا فيه ثلاثة أشهر، حتى قال أهل الملح: «هؤلاء الذين صوّتوا ضدّ الوادي.» فارتحلوا.
ونزلوا وادي الرماد، فبنوا أعشاشًا من القصب، وزرعوا بقعةً صغيرة، حتى جاء من قال: «حدودُ الوادي لا تتّسع للقادمين.» فطُويت البقعة.
ونزلوا وادي الحجارة، فأقاموا في شقوق الصخر، وأصبحوا قبيلةً تمشي لا تقف. صار الأب يولد في وادٍ، وابنه في وادٍ آخر، وحفيده لا يعرف من أين جاء جدّه.
كانت الدولةُ غنيّة/ كان في الوادي حبوبٌ تُكَدَّس، وسُوقٌ يضجّ، وقصورٌ تُضاء بالليل كأنها نهار. وكانت الغربان تفتّش المزابل خلف المطبخ، فتجد ما رموه، وتقول: «الحمد لله، الليلة سنشبع.» وكان أحدهم يرفع رأسه إلى القصر ويقول لولده: «انظر، نحن في دولةٍ واحدة، وهم يقولون إننا سواء.» فيسأل الولد: «وإذا كنّا سواء، فلماذا نحن هنا؟» فيسكت الأب، لأنه لا يملك جوابًا، ولأن السكوت أرخص من الغضب.
سابعًا: اللجان
ولم يكن أحدٌ يبالي — إلا بمقدار ما يبرّر عدم الاكتراث.
فشكّلوا «اللجنة الوطنية للنهوض بالغربان». اجتمعت اللجنة، وفتحت ملفًّا، وسمعت شهادات، وكتبت توصيات. ثم شكّلوا «لجنة متابعة التوصيات». ثم «لجنة تقييم المتابعة». ثم «مؤتمر الغربان الأول»، وفيه صعد أحدهم إلى المنصة وقال: «نحن معكم، ونشعر بمعاناتكم، والقضية في أولوياتنا.» ثم أُخذت صورة، ووُزّعت على الجدران، ولم يُنفَّذ شيء.
وأصبح في الوادي من يشتغل بالغربان: كاتبٌ يكتب عنهم، وباحثٌ يعدّهم، وناطقٌ يدافع عنهم في الكلام، ولا واحدٌ منهم غراب. وكانت الغربان تُدعى إلى المؤتمرات لتُرى في الصفّ الأول، ثم تُصرف قبل الغداء.
وهكذا ذهب عمرُ قبيلةٍ كاملة في أوراقٍ بيضاء، وتحقيقاتٍ لا تنتهي، وجلساتٍ تُفتَح لتُغلَق. وكان أذكى ما فعله الوادي بهم أنه لم يقُل «لا»؛ قال: «سندرس.»
ثامنًا: كَحْلان على باب الوزارة
وُلد كَحْلان في وادي الحجارة. لم يرَ السنديان، لكنه سمع عنه من جدّه في الليالي الباردة. وحين كبر، جمع أوراقه في ملفٍّ كتفه، ومشى ثلاث ليالٍ حتى وصل إلى باب الوزارة.
جلس في قاعة الانتظار من الفجر إلى الغروب. كان في القاعة مئةُ طائر، وكان لكلّ طائرٍ ملفّ. ولمّا جاء دوره، نظر الموظّف إلى الخانة الصغيرة، ثم رفع عينيه وقال: «ارجع بعد قمر.»
قال كَحْلان: «أنا أعرف الطريق إلى الماء. جدّي أنقذ هذا الوادي.»
فابتسم الموظّف ابتسامةً مُدرَّبة وقال: «نحن كلّنا سواء، ولا تفرقة عندنا. لكن الشروطَ شروط.»
خرج كَحْلان إلى الرصيف، فوجده العقعق واقفًا، فقال له بصوتٍ حنون: «ملفّك جميل. ينقصه بيضة.»
قال كَحْلان: «وأين أجد بيضةً ذهبية وأنا لا أملك إلا هذا الملفّ؟»
فنظر العقعق إليه نظرة عطفٍ حقيقي، وهي أقسى من كل احتقار، وقال: «إذن ابحث عن ابن عمٍّ في القصر.»
قال: «لا أعرف أحدًا في القصر.»
قال العقعق: «هذه مشكلتك أنت، لا مشكلة الوادي.»
تاسعًا: البومة العجوز
في طريق العودة، مرّ كَحْلان بجذع شجرةٍ ميّت، فوجد عليه بومةً عجوزًا، عاشت زمنًا أطول من كل الحكومات. سألها:
«قل لي، لماذا يكرهوننا؟»
فقالت البومة، وعيناها لا تتحرّكان:
«لا يكرهونكم يا ولدي. الكراهية تحتاج انتباهًا، وأنتم لا تستحقّون انتباههم. هم لا يكرهونكم؛ هم ببساطةٍ لا يرونكم، ويرتاحون إلى أنّ القانون لا يذكركم، فيقولون: أرأيتم؟ لا ظلم. الظلم الذي يُقال بصوتٍ عالٍ ينتهي بعد جيل. أما الظلم الذي يُنفَّذ باستمارة، فيعيش أبدًا، لأن أحدًا لا يستطيع أن يُشير إليه »
قال كَحْلان: «فماذا نفعل؟»
قالت: «لا أعرف. لكنّي أعرف ما لا ينفع: أن تنتظروا مؤتمرًا، أو تصدّقوا خطبةً، أو تنتظروا أن يشفق عليكم من أفقركم. والشفقة أرخصُ من العدل، وأطولُ عمرًا منه في هذا الوادي »
ثم أغمضت عينًا واحدة وقالت: «الشيءُ الوحيد الذي بقي لكم أن تفعلوه هو أن تعرفوا الشروط قبل أن تُكتب، لأنهم لا يهزمونكم في الصناديق، بل في الصياغة »
عاشرًا: الخاتمة
عاد كَحْلان إلى وادي الحجارة، وجلس مع صغار الغربان، وعلّمهم شيئًا واحدًا في تلك الليلة: أن يقرؤوا الشروط. أن يعرفوا الفرق بين «لا يُسمح» و«يُشترط». أن يفرّقوا بين من يقول «أنتم معنا» ومن يكتب اسمهم في الجدول. وأن لا يبيعوا صوتهم مرّةً أخرى بثمنٍ يُدفع بعد الفوز.
وبقي الوادي كما هو: النسر على عرشه، والطاووس ينشر ذيله، والببغاء يردّد، واللجان تجتمع، والعقعق على الرصيف، والغربان تمشي من وادٍ إلى واد.
وما حلّت المشكلة، ولا انتهت الحكاية. لكنّ في آخر الوادي صار صوتٌ صغيرٌ يقرأ ورقةً بصوتٍ عالٍ في الليل، ويقول لجيرانه: «انظروا… هنا موضعُ الباب. والخانة الصغيرةُ في أعلى الصفحة هي التي تُغلق الباب »
#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)
Ibrahim_Mahmat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟