أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون














المزيد.....

ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 16:12
المحور: الادب والفن
    


أولًا: الأرض والسيّد
في وادٍ أخضرَ بين جبلين، كانت تعيش قبيلتان لا تفترقان ولا تتصافيان: قبيلةُ الخنازير البرّية في أسفل الوادي حيث الطينُ والماء والجذور، وقبيلةُ الكباش على التلال العُشبية حيث الشمسُ والصخر والهواء النقيّ.
لم يكن بينهما عداءٌ في البدء، بل مسافةٌ وريبةٌ متبادلة، كان الخنزير البري ينظر إلى الكبش فيرى كائنًا يمشي على قمّةٍ لا يبلغها، ويقول في نفسه: «ما نفعُ ارتفاعٍ لا يُحرَث تحته تراب؟» وكان الكبش ينظر إلى الخنزير فيرى كائنًا يغوص في الوحل ويقول: «ما نفعُ قوّةٍ لا تعرف اتجاه الريح؟»
ثم جاءت سنةٌ قاحلة، جفّت البرك، وتشقّقت الأرض، وتلاصقت المراعي حتى صارت بقعةً واحدة يتنازعها الجميع، وفي تلك السنة، لم يبقَ في الوادي إلا بئرٌ واحدة، وحقلٌ واحد، وطريقٌ واحد، ولمّا ضاقت الأرض بأهلها، لم يبقَ للحيوانات خيارٌ إلا أن تختار سيّدًا واحدًا يدير ما بقي.
ثانيًا: خطبة الناب
وقف الخنزير البري على حافة الطين، وكان ضخمًا، عريضَ الكتفين، يلمع نابه الأبيض كقوسٍ صغير من العاج، قال بصوتٍ خفيضٍ لا يتعب:
«أنا الذي أخرج من الأرض ما تخفيه، أنا الذي أعرف أين الماء قبل أن يعرف الماء نفسه، أنا الذي أنجب كثيرًا، فلا تجوع قبيلتي، وأنا الذي يهاجم ولا يتراجع، فلا يطمع فينا طامع.
السلطة ليست زينةً تُعلَّق على الجباه، بل مخالبُ تُغرَس في الأرض لتبقى. أعطوني السلطة، وسأعطيكم الشبع»
فصفّق له أهل الوحل، وهم الأكثر عددًا.، وقالوا: «هذا رجلُ العمل، لا رجلُ الكلام»
ثالثًا: خطبة القرن
ثم صعد الكبش إلى الصخرة العالية، ونفض لحيته كأنه ينفض الغبار عن تاريخٍ طويل، كان قرناه ملتَفّين كتاجٍ قديم، وعيناه هادئتان كعينَي حَكَمٍ لا كعينَي خصم، قال:
«أنا لا أخرج ما في الأرض، لأني لا أحتاج أن أدفن رأسي فيها لأعرف قيمتي، أنا أقف على القمّة وأرى ما لا ترى، وأحرس القطيع من فوق، وأنا لا آكل إلا ما ينبت، فلا أفسد ما آكل.
السلطة ليست عضلاتٍ تُستعرض، بل نظرٌ بعيدٌ وعدلٌ لا يميل، أعطوني السلطة، وسأعطيكم الاتجاه»
فصفّق له أهل التلال، وهم الأقل عددًا، وقالوا: «هذا رجلُ النظر، لا رجلُ الطين»
رابعًا: المجلس
اجتمعت الحيوانات عند شجرة البلوط العتيقة، وحضرت السلحفاة، أقدمُ من في الوادي وأحكمُه، لتقول كلمة الفصل،سمعت الخطبتين، ونظرت إلى الأرض الجافة، ثم قالت جملةً واحدة بقيت في ذاكرة الوادي إلى الأبد:
«الأرضُ الجائعة لا تنتظر من يرى بعيدًا؛ إنها تنتظر من يحفر قريبًا، ولكن العرشَ الذي يُبنى على الجوع لا يقوم طويلًا »
ثم أعلنت الحكم: السلطة للخنزير البري، أما الكبش، فيكون له مجلسُ الشورى ومقامٌ محفوظ، لا يعلو على الحاكم ولا يخضع له.
خامسًا: الرأس الذي لم ينحنِ
قَبِل الخنزير الحكم بابتسامةٍ عريضة، وبدأ يحفر طريقه في الأرض ويوزّع ما يخرج منها على قبيلته أولًا.
أما الكبش، فلم يقل كلمةً واحدة، وقف على الصخرة، ونظر إلى الحاكم الجديد يغوص في الوحل، ثم قال لمن حوله:
«إن قبلتُ هذا الحكم، فقد قبلتُ أن يكون الماء أغلى من الاتجاه، والقرنُ الذي ينحني مرّةً، لا يعود إلى ارتفاعه أبدًا»
ورفض، لم يشهر قرنًا، ولم يُسفك دمٌ، لكنه رفض أن يمدّ يده بالبيعة، ومنذ تلك اللحظة، انقسم الوادي إلى قسمين لا يلتقيان: قسمٌ ينظر إلى الأسفل ويرى الشبع، وقسمٌ ينظر إلى الأعلى ويرى الحقّ.

سادسًا: سوء التفاهم الأبدي
جرت السنوات، ولم تكن الخصومة نارًا، بل جمرةً تحت الرماد، صار الخنزير يحفر حدود الكبش ليلًا فيقول: «أنا أُصلح الأرض»، وصار الكبش يقف على الحدود نهارًا فيقول: «أنا أحرسها» لم يتقاتلا كثيرًا، لكنهما لم يتفهّما قط.
فإذا نزل الخنزير إلى الوادي، رفع الكبش رأسه؛ وإذا صعد الكبش إلى التلّة، خفض الخنزير نابه. وكبر أبناؤهما وهم يسمعون القصة نفسها: «هم الذين لم يخضعوا»، «هم الذين لم يعترفوا».
وسألت السلحفاة العتيقة، في آخر عمرها، أحدَ صغار الكباش: «وما ذنبُكم اليوم؟ ما زال في الأرض متّسع»
فأجاب الصغير بصدقٍ لم يعرفه أحدٌ قبله:
«لسنا نتنازع على الأرض، يا جدّة، نحن نتنازع على ذلك اليوم الذي لم ينحنِ فيه أحدنا، كلُّ واحدٍ منّا يريد أن يثبت أن رفضَه كان صوابًا، وكلاهما يعرف أن إثبات ذلك يستغرق دهرًا»
فأغمضت السلحفاة عينيها وقالت: «إذًا لن تنتهي، الخصومة التي تبدأ بحكمٍ تُشفى بالحكم، أما التي تبدأ بكرامةٍ مجروحة، فلا تُشفى إلا إذا جُرحت الكرامة مرّةً أخرى... وهذا ما لا يفعله أحد»
الخاتمة
ومنذ ذلك اليوم، صار بين الناب والقرن سوءُ تفاهمٍ أبديّ: لا حربٌ تُعلَن، ولا سِلمٌ يُوقَّع، يسكنان واديًا واحدًا، ويشربان من بئرٍ واحدة، ويمرّان بجانب بعضهما كلَّ صباح، دون أن يتبادلا إلا النظرةَ التي تعرف كلَّ شيء ولا تقول شيئًا.
ولم يكن الدرسُ أن أحدهما كان محقًّا، بل أن السلطةَ تُقسَم، أما الكرامةُ فلا تُقسَم؛ ومن نازع على الثانية، نازع إلى الأبد.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور ...
- القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو ...
- حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...
- المرأة المعاصرة وتحديات الهوية الثقافية د.ابراهيم محمد جبريل ...
- التحدّيات الثقافية والتاريخية في الحبّ والزواج بين المرأة ال ...
- التفاعل بين الأدب العربي والأدب العربي الإفريقي والأدب الفرن ...
- التداخل بين اللغة العربية والثقافة مبحثٌ في الأنساق النظرية ...


المزيد.....




- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...
- -فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي ...
- بائعة حلويات.. نانسي عجرم بالدانتيل الجريء وأحمر الشفاه الأح ...
- بالفيديو.. فنان استعراضي يحول توقيع ميسي إلى وشم مدى الحياة ...
- شقيقة ماثيو بيري تكشف الجانب المؤلم وراء زفاف تشاندلر ومونيك ...
- بين الرواية الأمنية واتهامات العائلة.. غموض يكتنف وفاة شاب ب ...
- بوتين يشيد بفيلم -ولادة الإمبراطورية- عن سيرة الإمبراطور بطر ...
- بوتين: المسرح الروسي يحظى بمكانة خاصة وثقة الجمهور


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون