أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاية واتميكيلي وعدوّه















المزيد.....

حكاية واتميكيلي وعدوّه


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


أولًا: الفارسُ الذي لا يَلحقه لاحق
يُروى في حكايات من الحكايات ، أنّ واتميكيلي كان فارسًا لا يَلحقه لاحق، ولا يُدركه طالب، ولا يسبقه في ميدانٍ أحد، كان إذا امتطى فرسه وشدّ الرَّحل، خُيّل للريح أنّها تسير خلفه لا أمامه.
يذكر شيوخ القبيلة أنّ فرسه لم يكن يُروَّض كسائر الخيل، بل كان يُصاحَب؛ ناقةٌ من نوق الصحراء يُسمّونها "الصبر"، تحمل الماء والزاد، وفرسٌ أدهم يسمّونه "ليل"، لا يقف إلّا حين يقف سيّده، ولا يعدو إلّا حين يُشير له بالعين.
وكان في قبيلةٍ مجاورةٍ رجلٌ من أشدّ الرجال مراسًا، لا يقلّ عن واتميكيلي شجاعةً ولا فروسية، غير أنّ الدهر جمع بينهما في خصومةٍ لم تبدأ بسيف، بل بدأت ببئر.
اختلف الرجلان على بئرٍ واحدة تروي ماشيتهما، فكثُر اللجاج، وعلت الأصوات، قال أحدهما: "البئر لبني أبي، ومن أراد الماء فليطلب الإذن". وقال الآخر: "الماء ليس ملكًا لأحد، والماء يذهب حيث يشاء" فلمّا لم يبقَ في الكلام متّسع، اختلط في الدم، وسالت بينهما قطرةٌ كافيةٌ لتُولد منها خصومةٌ تُعمّر ثلاثين سنة.
ومنذ ذلك اليوم صار كلٌّ منهما لا ينام حتى يعرف أين بات الآخر؛ صارت الخصومة بينهما كالظلّ: لا يسبق صاحبه ولا يتخلّف عنه، وكان الناس في القبيلة إذا ذكروا واتميكيلي ذكروا خصمه في نفس النَّفَس، كأنّهما اسمان لرجلٍ واحدٍ افترقا على غير ميعاد.
ثانيًا: المطاردة في الرمال
ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ وهو في أثره، لا يفتر عن مطاردته ولا يعرف في طلبه فتورًا. يبدأ السير عند أول خيطٍ من الفجر، ويستريح حين تختفي الشمس خلف الكثبان، ثم يوقظ فرسه قبل أن يوقظه الضوء.
سار خلفه في الرمال حتى صار الغبارُ رداءً عليهما؛ غبارٌ يلتصق بالوجه والثياب، فيُخيّل للناظر أنّ رجلين من طينٍ يعدوان في أرضٍ من طين، جفّت القِربة، وذبل العزم، وبقي شيءٌ واحدٌ رطب: العين، تتبع الأثر.
وكان العدوّ كلّما نظر إلى الأفق وجد الرمال لا تنتهي؛ فظنّ أنّه قد بلغ آخر الأرض، وأنّ خلف هذا الكثيب الذي أمامه لا شيء إلّا العدم، فوقف، وأدرك أنّ المطارد لا يتوقّف ما دامت الأرض تحمله، فما كان منه إلّا أن سلَّ سيفه وضرب به الهواء.
وكانت ليلتهما الثالثة أشدّ من لياليها: نام واتميكيلي وظهرُ فرسه إلى الأرض، وسمع في نومه صوت خصمه يقول له: "لن تدركني" فاستيقظ، ونظر إلى الأثر أمامه، وقال لفرسه: "لو كان في الأرض منفذٌ غير هذا المنفذ، لسبقناه إليه" وكانت الريح تحمل غبار الخصم إليه، فيعرف من رائحة الغبار أنّه لم يبتعد أكثر من ميل، غير أنّه لم يدرِ أنّ ذلك الميل كان آخر ميلٍ في الصحراء، وأنّ ما بعده ليس أرضًا بل بحرًا.
فانشقّ أمامهما بحرٌ هادر، يتلاطم أمواجه كأنّها جبالٌ من ملحٍ ورمال، وقد كان قبل لحظةٍ صحراءَ صامتةً لا حراك فيها، وسمع واتميكيلي صوت الماء كصوت مئة ألف حصانٍ في وادٍ ضيّق.
ثالثًا: العبور الأول
وما هي إلّا لحظةٌ حتى ضرب العدوُّ فرسَه، فاجتاز البحرَ على ظهره، يعلو الموجة وتعلو، ثم يهبط بها ويهبط، حتى نجا إلى الضفّة الأخرى، ثم استدار ونظر إلى خصمه من هناك، لا يشمت ولا يبتسم، كأنّه ينتظر.
وأراد واتميكيلي أن يجتاز، فأدخل فرسه الماء أوّلَ الأمر، فما كاد يضع قدمَه في الماء حتى كاد البحرُ يبتلعه ويلقيه في أعماقه، رفع ذراعيه، وتشبّث بالشاطئ حتى نشبت أظافره في الطين، وانتزع نفسه من فم الماء انتزاعًا، وخرج يلهث كأنّ صدره قربةٌ مثقوبة.
ونظر إلى العدوّ ناجيًا في الجهة المقابلة... فاشتدّ به الغيظ، وتحرّكت فيه حميّةٌ قديمة، وظلّ يُطارد عدوّه ولا يتخلّى عنه، قال في نفسه: "كيف عبر هو ولم أعبر أنا؟ أنا واتميكيلي، الذي لا يَلحقه لاحق!"
فكّر أن يعبر بالفرس، فكّر أن يعبر عومًا، فكّر أن ينتظر انحسار المدّ؛ والبحر لا ينتظر أحدًا.
رابعًا: العبور الثاني والتحدّي
فلمّا رآه العدوُّ على الشاطئ الآخر واجمًا لا يبرح، سلَّ سيفه ثانيةً، فانشقّ بحرٌ آخر بينهما، وتحدّاه أن يعبر. وكانت في التحدّي سخريةٌ سمينة: "اعبر يا فارس ، فإنّ لك في العبور اسمًا!"
فألقى واتميكيلي نفسه في الماء ثانيةً، وكاد أن يُطرد فيه ويُغرق؛ بعض الغرق ليس فيه من الشجاعة إلّا أوّله، تمدّد الماء على كتفيه، ورأى في غمرته أشياء كثيرة، رأى شيوخ قبيلته، ورأى البئر التي بدأت منها الخصومة، ورأى أنّ ما بينه وبين الضفّة ليس مسافةً بل حدًّا.
خامسًا: لحظة الاستنجاد
فلمّا علم واتميكيلي أنّ البحرَ وحده يقف بينه وبين ما يريد، وأنّه لولا قدرةٌ فوق قدرته لما نجا من الغرق... رفع صوته وطلب النجدة من عدوّه.
وهذه أصعب كلمةٍ نطق بها في حياته: "أجِرْني!"
صاح بها من قلب الماء، بصوتٍ لم يُسمع منه في ميدانٍ قط، لم يقل: "ارحم ضعفي"، ولم يقل: "أنا أقوى منك"، بل قال ما يعرفه الغريق: "أجِرْني".
فتوقّف العدوّ، لا عن خوفٍ ولا عن ضعف، بل لأنّ الفروسيةَ لا تسمح له بأن يترك خصمًا يستنجد به، وقفت به فرسه على حدّ الماء، ثم نزل، ثم مدّ له يدَه، وانتشله من الماء، وأنجاه من الغرق.
سادسًا: على الشاطئ
جلس الرجلان على الرمل، متجاورين، ما بينهما ذراعٌ واحدة، وقد كان بينهما قبل لحظةٍ بحرٌ كامل، لم يتكلّم أحدهما حينًا، ثم أخرج العدوّ قِربته وسقى واتميكيلي قبل أن يشرب، ثم شرب، ولمّا فرغا من الماء، نظر كلٌّ منهما إلى الأثر الذي تركه الآخر في الرمل: خُفّ فرسٍ، وقدمٌ حافية، وأثرُ رجلٍ جثا على ركبتيه عند حدّ الماء.
قال العدوّ: "أتعبتَني ثلاثًا". قال واتميكيلي: "وأنت أنقذتَني مرّةً، وما أنساها" فصمتا، ثم قال العدوّ: "إنّما أنقذتُ رجلًا استجار، لا خصمًا يُطاردني؛ ولو استجار بي ثانيةً لأنقذته" فلم يجد واتميكيلي ما يجيبه به إلّا أن ينظر إلى الماء الذي كاد يأخذه.
وهكذا صار العدوُّ الذي كان يطارد واتميكيلي... هو الذي أنقذ حياته؛ لأنّ الشهامةَ أقوى من العداوة، ولأنّ الرجالَ — ولو افترقوا في العداء — يبقون على كلمةٍ واحدة في الشدّة.
ولمّا استردّ واتميكيلي نفَسه، نظر إلى البحر، ثم إلى خصمه، وقال: "إنّي لم أُهزم اليوم، إنّما عرفتُ أين تنتهي قوّتي" فقام الرجل، وامتطى فرسه، وانصرف، ولم يُروَ أنّ الخصومة ماتت في ذلك اليوم، ولكنّها لم تعد كما كانت؛ صار فيها حدٌّ يعرفه الرجلان، وماءٌ يشهد عليهما.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكامير ...
- حكايات الغابة الإفريقية: العرش والثروة وبذور الحرية الدكتور ...
- حكاية الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
- ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جب ...
- العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور ...
- القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو ...
- حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...
- التمييز بين «النقد التفاعلي الرقمي» و«مدرسة النقد التفاعلي» ...


المزيد.....




- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكاية واتميكيلي وعدوّه