أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةُ الأشجار الملتوية د.إبراهيم محمد جبريل الكاميرون















المزيد.....

حكايةُ الأشجار الملتوية د.إبراهيم محمد جبريل الكاميرون


ابراهيم محمد جبريل
الشاعر والكاتب والباحث

(Ibrahim Mahmat)


الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 21:35
المحور: الادب والفن
    


في قلب الأشجار، حيث تنحني الأشجار على غير هُدًى، كأنّ ريحًا واحدةً ملتوية مرّت بها منذ بدء الخلق ولم تستقم بعد — في قلب ذلك العَقر، تقوم شجرةٌ عجوز، ملتويةٌ كعلامةِ استفهامٍ لم يجد أحدٌ جوابَها، تحتها مساحةٌ من التراب لا ينبت فيها شيء، لأنّ الجذور شربت كلّ ماء الأرض حولها.
وفي ليلةٍ لا قمر فيها، اجتمع عند ساقها من لا يستطيع أن يجتمع في مكانٍ آخر: نسرٌ أصلع، وحبّاكٌ صغير، وقردٌ أفعوانيّ الذيل، وظبيةٌ عرجاء، وسلحفاةٌ نقش على ظهرها ما لا يُمحى، وحمارٌ نحيل حملَ أكثرَ مما ينبغي أن يحمل.
قالت الشجرة العجوز، وكانت تتكلّم بلغةٍ لا يفهمها إلّا من عاش في الجذر: «تكلّموا. فإنّ الغابة تنسى، وأنا لا أريد أن أنسى».
النسر: ما يُرى من عُلُو
قال النسر، وكان قد أكل حتى لم يعد يجوع، وكان ذلك عاره:
«أنا أراكم من فوق، وهذا شقائي أنّي أرى كلّ شيء ولا أستطيع أن أُنزل يدي إلى شيء.
رأيتُ الطريق إلى الغابة في أوّله: رجالٌ ، وسيّاراتٌ لا تعدو إلّا إلى الأمام. ورأيتُ رجالًا آخرين، في الجهة المقابلة، يعودون إلى الغابة كلّما خرجوا منها، كأنّها صدرٌ يضمّهم كلّما ضاق بهم العالم.
ورأيتُ في الوسط ما لا يُحصى: نساءٌ يحملن على رؤوسهنّ ما بقي من البيت، وأطفالٌ يسيرون بلا هدفٍ كأنّهم يبحثون عن ظِلٍّ كان لهم، رأيتُ قريةً كاملةً تقوم في العراء في ليلةٍ واحدة، لا بيوت لها، إنّما عيدانٌ وأكياسٌ وأسماءٌ تُنطق بصوتٍ خفيض.
سألتُ نفسي مرّة: مَن المنتصر؟ ثم نظرتُ إلى الأرض تحتهم، فلم أجد ما يُسمّى انتصارًا؛ وجدتُ دخانًا واحدًا يخرج من جهتيه، فلا يعرف الريحُ من أيّهما جاء.
الحبّاك: العشّ الذي أُعيد أربع مرّات
قال الحبّاك، وهو أصغر من في المجلس وأكثرهم كلامًا:
«أنا لا أرى بعيدًا، ولا أفهم ، أنا أعرف شيئًا واحدًا: العشّ.
بنيتُ عشّي في الأعلى، حيث لا تصل يد. بنيتُه من عيدانٍ اختارها واحدةً واحدة، وربطتُه بحسكةِ ليفٍ وحسكة، حتى صار كالقارورة المُعلَّقة، وفي الصباح، جاء صوتٌ من الأرض فسقط العشّ.
فبنيتُه ثانيةً، واخترتُ شجرةً أعمق في الغابة. وسقط. وبنيتُه ثالثةً قريبًا من الماء، فجفّ الماء، فطارت الأنثى ولم تعد. وبنيتُه رابعةً، وقلتُ: هذه المرّة لن أنتظر شيئًا.
والغريب أنّ الناس يفعلون مثل ما أفعل، إلّا أنّهم يسمّونه أسماءً كبيرة، يبنون بيتًا فيسقط، فيبنون آخر، ويسمّون ذلك صبرًا أو صمودًا أو تهجيرًا، وهو في الحقيقة عشٌّ أُعيد بناؤه.
والفرق بيني وبينهم شيءٌ واحد: أنا أبني العشّ لأضع فيه بيضةً واحدة، وهم يبنون البيوت لأجل أشياء كثيرة، فإذا سقطت سقط معها أكثرُ من بيضة»
القرد: الذي قلّد البشر
قال القرد، وهو يمسك ذيله بيديه كمن يمسك ذكرى:
«أنا أعرفكم جميعًا، وأعرف أنّكم تحتقرونني لأنّي أقلّد. ولكن اسمعوا: التقليد ليس حماقة، إنّما هو اعتراف. أنا أقلّد من أراه يفعل شيئًا ناجحًا.
قلّدتُ الرجال الذين يحملون العصا الطويلة. كنت أقف على غصنٍ وأرفع غصنًا وأصيح، فيضحك الصغار، ثم صاروا لا يضحكون؛ صاروا يخافون إذا صِحتُ، لأنّهم تعلّموا أنّ الصوت العالي في الغابة قد يعني شيئًا.
ثم تعلّمتُ شيئًا آخر: كيف أهرب. كيف أصمت. كيف أُخفي الصغار في الشقوق. وهذا ليس تقليدًا لشيءٍ حسن؛ إنّما هو تقليدٌ لشيءٍ نجح.
ولذلك أقول لكم: لا تلوموا من قلّد ؛ لوموا الزمن الذي جعل التقليد فضيلة، وجعل الصمت مهارةً، وجعل الأمّ تعلّم صغيرها كيف لا يُسمَع.»
الظبية: الفرارُ الطويل
قالت الظبية، وكانت تعرج:
كنتُ في مرعًى أعرفه، أعرف فيه كلّ شجرةٍ وكلّ حجرٍ وكلّ حفرةٍ يمكن أن أضع فيها قدمي في الظلام. ثم جاء صوت، فتركتُ المرعى. ولم أعُد.
مشيتُ حتى تعبت قدمي، ثم مشيتُ عليها وهي متعبة، ثم مشيتُ عليها وهي لا تحملني، فسقطتُ. ولولا أنّ يدًا لا أعرفها حملتني، لكنتُ اليوم علفًا للنسر.
والغريب أنّي لا أتذكّر الصوت الذي هرّبني. أتذكّر الطريق. أتذكّر أنّه كان طويلًا، وأتذكّر أنّي كنتُ أنظر خلفي كلّ عشر خطوات، وأتذكّر وجه من أعطاني ماءً ولم يسألني عن اسمي.

السلحفاة: ما هو مكتوب على الظهر
قالت السلحفاة، وكانت أبطأ من أن تُقاطع:
«أنا أحمل سجلّ الغابة. ليس لأنّي أريد، ولكن لأنّي لا أستطيع أن أرميه.
على ظهري خطوطٌ، كلّ خطٍّ لسنةٍ مرّت. وهذا الخطّ الطويل، من رأسه إلى ذيله، لم ينقشه الزمن؛ نقشه من مرّ فوقي. مرّت عليّ أقدام كثيرة، وأقدامٌ صغيرة، وأقدامٌ تحمل أقدامًا صغيرة.
وأنا لا أموت من هذا؛ أنا أثقل فقط. وهذه هي مشكلة الذاكرة: لا تقتل، ولكنها تُثقل.
وأقول لكم ما لم يقله أحد: إنّ الغابة لا تنسى، والناس يظنّون أنّها نسيت لأنّها لا تتكلّم. ثم يعودون بعد عشرين سنة فيجدون الأشجار ملتوية، فيقولون: ما أغربها! وما علِموا أنّها التوت من ثقل ما رأت.
فمن أراد أن يبني في هذه الأرض، فليعلم أنّه يبني فوق ظهرٍ مثقل. ومن زرع فيها بلا اعتذار، حصدَ ما لا يعرفه.»
قال الحمار، وهو ينظر إلى الأرض:
«أنا آخرُ من يتكلّم، لأنّي أحملُ من يتكلّم.
حملتُ في سنينٍ واحدةً: قِربةً، وكيسًا، وامرأةً مريضةً، وطفلًا نائمًا، وسريرًا صغيرًا، وحملتُ مرّةً ثقلًا لم أُخبر به، ثم سمعتُ من خلفي صرخةً، فعرفتُ ما حملت.
لا أحد يسأل الحمار عن رأيه في الطريق، يسألونه فقط: أتستطيع؟ وأنا أستطيع دائمًا، حتى يومٍ لا أستطيع فيه، وفي ذلك اليوم لا يُقال عنّي إلّا إنّي تعبت، وما أحدٌ يعرف من أيّ شيء.
خاتمة الشجرة العجوز
صمت المجلس، ثم قالت الشجرة، وأوراقها لا تتحرك، لأنّ الريح في تلك الليلة كانت قد تعبت هي أيضًا:
سمعتُكم، وأنا أقول لكم ما يقوله الجذر، لا ما يقوله الغصن:
إنّ هذه الأرض شهدت أشجارًا استقامت، ثم شهدت أشجارًا التوت، ولا أحد يعرف أيّها كان أطول، لأنّ من يقيس الطول لا يرى ما تحت الأرض.
وأنا سأبقى هنا، ملتويةً، لا لأنّي عاجزة عن الاستقامة، بل لأنّ الاستقامة هنا تُكسَر، ومن أراد أن يعرف ما جرى، فلينظر إلى انحنائي؛ فأنا لم أختر هذا الشكل، ولكنّي اخترتُ ألّا أسقط.



#ابراهيم_محمد_جبريل (هاشتاغ)       Ibrahim_Mahmat#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية واتميكيلي وعدوّه
- حكاية مملكة القارة العجوز الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكامير ...
- حكايات الغابة الإفريقية: العرش والثروة وبذور الحرية الدكتور ...
- حكاية الوادي الذي كان فيه ثلاثة أجنحة
- ناب وقَرْن — في وادٍ أخضرَ بين جبلين الدكتور ابراهيم محمد جب ...
- العتبة في الحكاية الشعبية لقبيلة مزغوم في الكاميرون الدكتور ...
- القصة الإفريقية الشفهية: من صوت الراوي إلى النص المكتوب نحو ...
- حكايةُ الملكِ الذي شاخ الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ وادي الانتظار «كلُّ شيءٍ في هذا الوادي يطول» الدكتور ...
- حكاياتُ وادي الرَّماد الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكايةُ السُّنونو الذي عادَ إلى البابِ المُغلَق الدكتور ابراه ...
- حكايةُ عُشٍّ بلا غُصن للدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- حكاية رمزية في خيرات الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكام ...
- حكايةٌ زئيرُ الغابة الدكتور ابراهيم محمد جبريل الكاميرون
- مجنون ليلى بين تعدد الروايات وتفاعل النصوص: قراءة في ضوء مدر ...
- تعليمية الأدب في ضوء العلوم العصبية المعرفية: تفاعل الدماغ م ...
- مدرسة النقد التفاعلي والعدالة الثقافية: من الهيمنة الثقافية ...
- صورة المجتمع الإفريقي في الأدب العربي الإفريقي والفرنكفوني د ...
- تفاعُل قبيلة مزْغوم في الكاميرون مع الثقافة العربية دراسة في ...
- تعليمية النص الأدبي المترابط ومنهج مدرسة النقد التفاعلي الدك ...


المزيد.....




- المخرج محمد حماد يتحدث عن كواليس «خروج آمن» بعد تتويجه بذهبي ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث مع سفير ا ...
- من سرقة الثمار إلى سرقة المشهد.. لماذا يقلد المستوطنون أجواء ...
- القضاء الإيراني يصدر حكماً بسجن المخرج جعفر بناهي ومصادرة مم ...
- الصوت العربي بعد المفاجأة.. أغلبية تبحث عن ترجمة سياسية
- بقايا الركام وأحجار عرسال.. فنانة لبنانية توثق ذاكرة الحرب ف ...
- أزمة تصريحات مبابي.. ريال مدريد يؤكد احترامه الكامل لتاريخ و ...
- بالفحم ومخلفات الحرب.. فنانة لبنانية تشكل ذاكرة الوجع في روس ...
- نسرين سكيك.. طفلة فلسطينية توثق معاناة أطفال غزة وتتأهل لنها ...
- رحيل الأديب والمفكر السعودي محمد العلي بعد مسيرة حافلة في ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم محمد جبريل - حكايةُ الأشجار الملتوية د.إبراهيم محمد جبريل الكاميرون