أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الكناني - تحرر رئيس الحكومة من الهيمنة الإطارية..الخطوة الأولى لاستعادة الدولة العراقية















المزيد.....

تحرر رئيس الحكومة من الهيمنة الإطارية..الخطوة الأولى لاستعادة الدولة العراقية


سعد الكناني
كاتب سياسي

(Saad Al-kinani)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 17:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يزال العقل السياسي الحاكم في العراق عاجزاً عن استيعاب حجم التحولات الإقليمية والدولية، وعن إدراك متطلبات المرحلة المقبلة وما تفرضه من مراجعة جذرية لطبيعة النظام السياسي وآليات إدارة الدولة. فبدلاً من تشكيل حكومة وطنية تمتلك الكفاءة والشجاعة والاستقلالية لإنقاذ البلاد من أزماتها السياسية والاقتصادية المتراكمة، أُعيد إنتاج حكومة محكومة بالتوازنات الحزبية ذاتها، وخاضعة لسقوف القوى السياسية التي تتحمل جانباً أساسياً من مسؤولية التراجع الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ سنوات.
ولعل أخطر ما يواجه حكومة علي الزيدي ليس حجم التحديات الموروثة فحسب، وإنما استمرار خضوع القرار التنفيذي لنفوذ الزعامة الإطارية وأحزابها، وما يرتبط ببعض تلك القوى من علاقات سياسية وعقائدية وثيقة مع إيران. فوجود وزراء محسوبين على قوى ذات ارتباطات خارجية يثير تساؤلات جدية بشأن قدرة رئيس الحكومة على ممارسة صلاحياته الدستورية باستقلالية، واتخاذ قرارات سيادية تتعارض مع مصالح الجهات التي أسهمت في وصوله إلى السلطة.
إن النفوذ الإيراني في العراق لم يعد مجرد قضية خلافية بين القوى السياسية، بل أصبح، في تقديرنا، مشكلة بنيوية تتداخل فيها المصالح الحزبية والاقتصادية والأمنية مع مؤسسات الدولة. فقد تمكنت طهران، عبر شبكة من التحالفات السياسية والقوى المسلحة والمصالح الاقتصادية، من ترسيخ نفوذ واسع انعكس سلباً على استقلال القرار الوطني، وأضعف قدرة الحكومات المتعاقبة على بناء مؤسسات مستقلة تخضع للدستور والقانون.
ولم يكن هذا النفوذ وليد مرحلة عابرة، بل نتيجة تراكمات سياسية امتدت لسنوات، استُخدمت خلالها الانقسامات الطائفية والمحاصصة الحزبية لإضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتقديم الولاءات السياسية والعقائدية العابرة للحدود على مقتضيات المواطنة والمصلحة العراقية العليا.
ومن الضروري هنا التمييز بين أبناء المكوّن الشيعي العراقي، بوصفهم جزءاً أصيلاً من الشعب والدولة، وبين القوى السياسية التي تتخذ من الانتماء المذهبي غطاءً لمشروعاتها الحزبية وارتباطاتها الخارجية. فالمشكلة ليست في الهوية المذهبية للمواطن، وإنما في توظيفها سياسياً لتبرير التبعية وإدامة النفوذ الخارجي.
لقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف مفهوم الدولة الوطنية، وخلق مراكز نفوذ موازية لمؤسساتها الدستورية، حتى أصبح القرار العراقي، في ملفات أساسية، عرضة لتأثير إرادات خارجية ومصالح حزبية ضيقة. وهو ما يمكن وصفه بنمط من الهيمنة غير المباشرة التي تُمارَس عبر أدوات محلية وواجهات سياسية عراقية، دون الحاجة إلى وجود احتلال عسكري تقليدي.

والنتيجة أن العراق، رغم إمكاناته البشرية وثرواته الاقتصادية وموقعه الجغرافي، لم يتمكن من توظيف عناصر قوته لبناء دولة مستقرة ومزدهرة، بل تحول في جوانب من علاقاته الإقليمية إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل السياسية والأمنية، على حساب مصالح شعبه ومستقبل أجياله.
وفي ظل هذه المعادلة، يصبح الحديث عن إصلاحات جزئية أو معالجات إدارية محدودة غير كافٍ لإحداث تحول حقيقي. فالأزمة العراقية ليست مجرد أزمة أداء حكومي، وإنما أزمة نظام سياسي قائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ والمصالح، وتداخل السلطة الرسمية مع مراكز القوة الحزبية والمسلحة.
ومن هنا تبرز مسؤولية رئيس الحكومة علي الزيدي، الذي يفترض أن يدرك أن منصب رئيس مجلس الوزراء ليس وظيفة تنفيذية لإدارة تفاهمات الزعامة الإطارية، ولا أداة لتطبيق قرارات الأحزاب التي شاركت في تشكيل حكومته، وإنما موقع دستوري يتطلب ممارسة السلطة التنفيذية وفق القانون، وتحمل المسؤولية المباشرة عن حماية السيادة وإدارة مؤسسات الدولة وصيانة المال العام.
إن امتلاك الصلاحيات الدستورية لا يكفي ما لم تقترن بإرادة سياسية مستقلة قادرة على استخدامها. فلا قيمة للحديث عن مكافحة الفساد إذا بقيت مراكز النفوذ الحزبي تتحكم بالمؤسسات والموارد العامة، ولا معنى لشعار حصر السلاح بيد الدولة إذا استمرت القوى المسلحة خارج التسلسل القيادي الرسمي في التأثير على القرار الأمني والسياسي، ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي ما دامت التعيينات والمناصب والعقود الحكومية خاضعة للمحاصصة والولاءات الحزبية.
وعليه، فإن تحرر الزيدي من الهيمنة الإطارية لا ينبغي أن يكون مجرد موقف سياسي أو خلاف عابر مع بعض قياداتها، وإنما تحولاً فعلياً في طريقة إدارة الدولة، يبدأ بإخضاع جميع المؤسسات للسلطة الدستورية، واعتماد الكفاءة والنزاهة في اختيار المسؤولين، ومواجهة الفساد دون استثناءات حزبية، ومنع التدخل الخارجي في القرارات السيادية.
كما أن استقلال رئيس الحكومة لا يعني الدخول في صراع سياسي غير محسوب مع القوى البرلمانية، وإنما يعني إدارة العلاقة معها على أساس الدستور والفصل بين السلطات، ورفض تحويل التوافقات السياسية إلى قيود تعطل صلاحيات الحكومة أو تمنعها من أداء واجباتها الوطنية.
لقد تراجعت ثقة قطاعات واسعة من العراقيين بالقوى السياسية الحاكمة نتيجة تراكم الإخفاقات والفساد واستمرار المحاصصة، ولم تعد الوعود الحكومية كافية لاستعادة هذه الثقة. فالمواطن العراقي يريد نتائج ملموسة في حياته اليومية، ويريد دولة تحمي أمنه وحقوقه، وتوفر الخدمات وفرص العمل، وتحافظ على ثرواته، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والخارجية.
ولذلك فإن أمام الزيدي فرصة سياسية لاختبار قدرته على الانتقال من موقع رئيس حكومة تشكلت بتوافقات القوى المتنفذة إلى موقع رئيس سلطة تنفيذية يمارس صلاحياته باستقلالية، ويستمد مشروعية أدائه من الدستور وثقة المواطنين، لا من رضا الزعامات الحزبية.
إن معركة العراق الحقيقية اليوم ليست معركة تغيير أشخاص أو إعادة توزيع المناصب، ولا مجرد منافسة انتخابية بين أحزاب تتقاسم السلطة، وإنما معركة استعادة الدولة وهويتها الوطنية وسيادتها وقرارها المستقل.

فإما أن يتجه العراق نحو بناء دولة مؤسسات مدنية تحتكر السلطة الشرعية والسلاح والقرار السيادي، وتقوم على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون، وإما أن يستمر أسيراً لمنظومة سياسية تعيد إنتاج أزماتها وتمنح النفوذ الخارجي القدرة على التأثير في مستقبله. ومن هنا فإن تحرر رئيس الحكومة علي الزيدي من الهيمنة الإطارية يمثل خطوة أولى ضرورية باتجاه استعادة استقلال القرار العراقي، لكنه لن يكون كافياً ما لم يتحول إلى إجراءات سيادية وإصلاحات مؤسساتية حقيقية.
إن المطلوب من الزيدي ليس إعلان الاستقلال عن الزعامة الإطارية بالكلمات، وإنما إثباته بالأفعال والقرارات، والالتزام بما يمليه عليه الدستور ومسؤولية المنصب، بعيداً عن ضغوط القوى الحزبية وارتباطاتها الخارجية. فكسب ثقة الشعب العراقي عبر حماية مصالحه واستعادة حقوقه أكثر أهمية وأبقى أثراً من كسب رضا الزعامات السياسية التي تتغير تحالفاتها وفق مصالحها.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها رئيس الحكومة أن العراق لن يستعيد سيادته ما دام القرار التنفيذي محكوماً بإرادات حزبية مرتبطة بالخارج، وأن استقلال رئيس الوزراء ليس غاية شخصية أو مكسباً سياسياً، بل مدخل ضروري لاستعادة الدولة العراقية من قبضة المحاصصة والتبعية والفساد.
إننا ندرك أن تحرر رئيس الحكومة علي الزيدي من الهيمنة الإطارية ليس مهمة سهلة في ظل طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوافقات الحزبية، وما تفرضه القوى المتنفذة من قيود على استقلال القرار التنفيذي. لكن صعوبة المهمة لا تعفي رئيس الحكومة من مسؤوليته الدستورية والوطنية، ولا تمنحه مبرراً دائماً للقبول بالإملاءات التي تتعارض مع المصلحة العامة. فالتاريخ السياسي لا يحاسب رؤساء الحكومات على حجم الضغوط التي تعرضوا لها فحسب، وإنما على مواقفهم وقراراتهم في مواجهتها. وإذا كان الزيدي يريد أن يترك أثراً إيجابياً في تاريخ العراق، فإن عليه أن يدرك أن الاستقلال في اتخاذ القرار ليس منحة تقدمها الزعامة الإطارية، بل مسؤولية دستورية يتعين عليه السعي إلى ممارستها، حتى وإن تطلب ذلك إعادة النظر في طبيعة علاقته بالقوى التي جاءت به إلى السلطة. فإما أن يكون رئيساً لحكومة دولة مستقلة، وإما أن يبقى رئيساً لحكومة تديرها القوى التي جاءت به إلى السلطة. وبين الخيارين يتحدد مستقبله السياسي، وتتحدد معه فرص العراق في الخروج من أزمته التاريخية.



#سعد_الكناني (هاشتاغ)       Saad_Al-kinani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزعامة الإطارية وحكومتها.. مناصب ووزارات بالمحاصصة في دولة ...
- أزمة العراق المالية: خيارات الزيدي كثيرة.. لماذا اختار تحميل ...
- أحزاب العراق.. من مؤسسات سياسية إلى دكاكين للسلطة والمال
- السلاح المنفلت والولاء الخارجي الطريق السريع لبلقنة العراق
- الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران.. مصالح إسلام آباد أول ...
- تصريحات المسؤولين.. الأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال
- حصر السلاح بيد الدولة.. في خبر كان
- مكافحة الفساد تتطلب أولاً القضاء على المكاتب الاقتصادية للأح ...
- حصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج إلى قانون.. بل إلى قرار وطني ...
- ميناء الفاو الكبير... المشروع الذي أضعفته السياسات الحكومية
- المعادلة الواحدة: إسقاط النظام الإيراني... طريق السلام والاس ...
- الاتفاقيات التي ابرمها الزيدي مع الجانب الأمريكي خطوة ناجحة. ...
- الضرائب في العراق... عندما يدفع المواطن فاتورة الفساد
- التخلي عن الإطار خطوة تجاه استقلالية القرار العراقي
- (صولة الفجر) ... هل تبدأ محاسبة رعاة الفساد أم تكتفي بأدواته ...
- الفساد في العراق: لماذا تبقى الحيتان الكبار فوق المساءلة؟
- قراءة في الاتفاق الإيراني الأمريكي
- العراق الرئة الاقتصادية لإيران في مواجهة العقوبات الأمريكيةُ
- لا إصلاح ولا استقرار… والعراق تحت النفوذ الإيراني
- البرلمان العراقي.. لماذا يُعطَّل التصويت الإلكتروني؟


المزيد.....




- بعد انتقادات أوباما لتجديد البيت الأبيض.. شاهد كيف رد ترامب ...
- نائب ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد ويصفه بـ-المختل عقليًا-
- أمير قطر يلتقي رئيس إيران في موسكو.. ماذا بحث الجانبان؟
- حكم بغلق موقع -مدى مصر- وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله
- رضائي بعد اجتماع -تحالف مكة-: واشنطن لم تجلب الأمن لدول المن ...
- وزير أمريكي يهاجم العرب بعد تصريحات ترامب المسيئة لليبيا وال ...
- مصدر أردني: القتلى المدنيون في درعا كانوا في خيمة مجاورة لمو ...
- بوتين يعلن اختتام أعمال القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة ل ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 6 مسيرات كانت متجهة نحو موسكو
- بن غفير يحذر من إغلاق القناة 14 ويدعو للتصويت لحزبه


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الكناني - تحرر رئيس الحكومة من الهيمنة الإطارية..الخطوة الأولى لاستعادة الدولة العراقية