سعد الكناني
كاتب سياسي
(Saad Al-kinani)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يمر العراق بأزمة مالية حادة في عهد حكومة علي الزيدي، نتيجة تراكم الاختلالات الاقتصادية والمالية التي ورثتها الحكومة عن سابقتها، حكومة محمد شياع السوداني، وفي مقدمتها المديونية التي أعلن الزيدي أنها بلغت (208) تريليونات دينار عراقي. غير أن خطورة الأزمة لا تكمن في حجم الديون وحده، بل في طبيعة السياسات المتبعة لمعالجتها، ومدى قدرتها على توزيع الأعباء بصورة عادلة بين الدولة والمواطن.
فبدلاً من البدء بإصلاح مالي وإداري شامل يستهدف الفساد والهدر والامتيازات غير المبررة، اتجهت الحكومة، بموافقة الزعامة الإطارية، إلى تغيير سعر الصرف ورفع سعر الدولار من 1,320 ديناراً إلى 1,500 دينار، وفق السعر الذي أُعلن عنه. وقد أثار هذا الإجراء اعتراضات نيابية، فيما أعلن رئيس الحكومة تحمّله المسؤولية عنه.
لكن تحمّل المسؤولية السياسية لا يعفي الحكومة من واجب تقديم إجابات واضحة عن دوافع القرار، والبدائل التي درستها قبل اتخاذه، والنتائج التي ستترتب عليه بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني ومعيشة المواطنين.
إن تغيير سعر الصرف ليس مجرد إجراء محاسبي يتعلق بالأرقام، بل قرار تتجاوز آثاره الحسابات الحكومية لتصل إلى الأسواق والأسر العراقية، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة والموظفين والمتقاعدين الذين لا يملكون مصادر دخل إضافية تعوض تراجع قدرتهم الشرائية.
فالمواطن الذي يتقاضى راتباً شهرياً قدره مليون دينار كان راتبه يعادل نحو 757 دولاراً وفق سعر الصرف السابق البالغ 1,320 ديناراً للدولار، بينما أصبح يعادل نحو 666 دولاراً وفق السعر الجديد البالغ 1,500 دينار، ونحو 609 دولارات وفق سعر السوق.
وهذا التراجع في القيمة الدولارية للدخل لا يمثل وحده المقياس الكامل للقوة الشرائية داخل العراق، لكنه يوضح جانباً من تآكل قيمة الراتب، خصوصاً عندما يقترن بارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والخدمات. فالمواطن لا يشتري احتياجاته بالدولار، وإنما بالدينار الذي يتقاضاه، ولذلك فإن الأثر الفعلي يتوقف أيضاً على مقدار انتقال ارتفاع سعر الصرف إلى الأسعار المحلية.
وعندما ترتفع تكاليف الاستيراد وتنعكس على أسعار السلع، بينما تبقى الرواتب ثابتة، تصبح الفئات محدودة الدخل والمتوسطة هي الأكثر تعرضاً للضرر. وهكذا تتحول المعالجة المالية، إذا لم ترافقها إجراءات حماية اجتماعية وإصلاحات حقيقية، إلى عبء إضافي على مواطن أنهكته سنوات الفشل الإداري والفساد وسوء إدارة الموارد.
وفي المقابل، تبرز تساؤلات مشروعة عن مصير الأموال العامة، وعن الجهات التي استفادت من منظومة الفساد والامتيازات، وعن أسباب عدم البدء باسترداد الأموال المنهوبة من قبل رعاة الفساد وليس الأدوات وضبط الإنفاق قبل اللجوء إلى إجراء يمس قيمة العملة ودخول المواطنين.
لقد كنا نأمل أن تتجه حكومة الزيدي إلى خيارات إصلاحية متعددة، بدلاً من اعتماد تغيير سعر الصرف باعتباره أحد الحلول المتاحة لمواجهة الأزمة. فالعراق، بما يمتلكه من موارد نفطية وإيرادات عامة، لا يحتاج إلى تحميل المواطن وحده كلفة الاختلالات المالية، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تضع حداً للهدر وتستعيد سلطة الدولة على المال العام.
ومن أبرز البدائل التي يمكن للحكومة دراستها وتنفيذ ما تسمح به القوانين منها:
1. مكافحة الفساد بصورة جدية وشاملة والبدء بتدقيق مصادر ثروات المسؤولين وزعماء الأحزاب والتحالفات المتنفذة، ومقارنتها بدخولهم المشروعة قبل تولي المناصب العامة وبعدها، والتحقيق في حالات تضخم الثروات غير المبررة. وقد طُرحت تقديرات تتجاوز 500 مليار دولار للأموال التي يمكن استردادها، وهي تقديرات ينبغي إخضاعها لتدقيق مالي وقضائي مستقل، مع استرداد كل مبلغ تثبت الأدلة أنه ناتج عن فساد أو استيلاء غير مشروع على المال العام.
2. إخضاع جميع المنافذ لرقابة مالية وأمنية حكومية فعالة، وإنهاء أي سيطرة حزبية أو فصائلية تعرقل تحصيل الإيرادات أو تسمح بالتهرب الجمركي والضريبي.
3. تشديد الرقابة على وزارة النفط ومؤسساتها من خلال تطوير آليات التدقيق في العقود والتصدير والإيرادات والنفقات، وتعزيز الشفافية في إدارة القطاع الذي يمثل العمود الفقري لمالية الدولة العراقية.
4. تفعيل التدقيق القبلي للعقود الحكومية تنفيذاً لتوجيه رئيس الحكومة علي الزيدي بشأن تدقيق العقود قبل توقيعها، بما يمنع تضخيم التكاليف والتعاقدات غير الضرورية ويحد من فرص الفساد قبل وقوعه، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة المخالفات بعد ضياع الأموال.
5. إلغاء الرواتب المزدوجة التي يحصل عليها بعض الأشخاص، بما في ذلك المخصصات التي تُمنح تحت عناوين مختلفة، وإلغاء ما لا يستند إلى أساس قانوني واضح، مع حماية الحقوق التقاعدية المكتسبة قانوناً.
6. إلغاء مجالس المحافظات التي لا داعي لها وتعديل الدستور.
7. مراجعة رواتب رفحاء ومخصصاتها من خلال إعادة تقييم منظومة الاستحقاقات المالية وفق معايير العدالة الاجتماعية والاستحقاق القانوني، والتحقق من كلفتها الفعلية على الموازنة. وقد ورد تقدير بأن هذه المخصصات تكلف الخزينة 38 مليار دينار شهرياً حسب التصريح الرسمي لمدير عام هيئة التقاعد الوطنية السابق ماهر حسين رشيد في أيلول 2024، وهو رقم يستوجب نشر بيانات رسمية تفصيلية بشأنه. كما ينبغي بحث أي تعديل تشريعي محتمل بما يضمن العدالة وعدم المساس بالحقوق إلا وفق القانون.
8. دراسة خفض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والوزراء والدرجات الخاصة والمديرين العامين بنسبة لا تقل عن 30%، حيثما تسمح القوانين بذلك، على أن يبدأ الإصلاح من أعلى هرم السلطة، لا من رواتب الموظفين الذين يعتمدون على دخلهم الشهري لتأمين متطلبات أسرهم.
9. عدم استحداث وزارات أو مناصب إضافية والامتناع عن توسيع الجهاز الحكومي واستحداث وزارات جديدة أو مناصب لنواب رئيس الوزراء ما لم تثبت ضرورة ملحّة لذلك، تجنباً لزيادة النفقات الإدارية في ظل الأزمة المالية.
10. بيع المركبات الحكومية الفائضة ومراجعة أساطيل السيارات المخصصة للنواب والمسؤولين، وبيع المركبات الزائدة عن الحاجة، وحصر الاستخدام الرسمي بما يتناسب مع طبيعة المنصب ومتطلباته الأمنية الفعلية، مع اعتماد ضوابط واضحة وموحدة.
11. إعادة تقييم أعداد الحمايات المخصصة لزعماء الأحزاب والتحالفات والمسؤولين والنواب، وتحديدها وفق تقييم أمني مهني، بدلاً من استخدام الموارد البشرية والمالية للدولة في امتيازات تتجاوز الاحتياجات الفعلية.
12. مراجعة الاستحقاقات التقاعدية والتحقق من شروط الخدمة والاستحقاق، وإنهاء أي امتيازات استثنائية لا تستند إلى القانون، وضمان خضوع المسؤولين للمبادئ القانونية ذاتها التي يخضع لها سائر المواطنين.
13. تقليص أعداد المستشارين من خلال تطبيق قانون تنظيم عمل المستشارين رقم (3) لسنة 2022، وفق الأحكام الواردة فيه، بما يشمل الضوابط المتعلقة بأعداد المستشارين والمؤهلات العلمية والخبرة الوظيفية المطلوبة. وينبغي تدقيق أعداد المستشارين الفعليين في الرئاسات والوزارات ومراجعة الحاجة إلى كل منصب، بدلاً من تحويل الاستشارات إلى باب إضافي للإنفاق الحكومي.
14. إنهاء المحاصصة السياسية والإدارية واعتماد الكفاءة والنزاهة والخبرة المهنية في التعيينات وإدارة مؤسسات الدولة، بدلاً من توزيع المناصب وفق الانتماءات الحزبية والطائفية. فالمحاصصة لا تضعف كفاءة الإدارة فحسب، بل تجعل مؤسسات الدولة عرضة لتضارب المصالح وتقاسم النفوذ.
15. بناء منظومة أمنية وطنية موحدة، يكون فيها القرار العسكري والأمني بيد المؤسسات الدستورية الرسمية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة والولاءات الخارجية. وينبغي أن يجري ذلك وفق الدستور والقوانين، وبما يضمن وحدة القيادة والسيطرة على الموارد الأمنية والعسكرية.
16. إيداع الإيرادات العامة للمراقد في خزينة الدولة وفق القانون واخضاعها للرقابة والتدقيق والشفافية، بما يشمل الإيرادات ذات الصلة بإدارة المراقد والمؤسسات الدينية، مع مراعاة الوضع القانوني لكل مؤسسة وطبيعة أموالها. ويمكن تشكيل لجان تدقيق مستقلة تضم الجهات الرقابية والمالية المختصة، بما يضمن سلامة الإجراءات وعدم التصرف بالأموال خارج الأطر القانونية.
17. وضع سياسة تجارية مدروسة تقلل الاستيراد غير المنتج، وتشجع الصناعة والزراعة المحليتين، مع مراعاة التزامات العراق التجارية وعدم اتخاذ إجراءات عشوائية ترفع الأسعار أو تضر بالمستهلكين.
18. ترشيد الإنفاق العام ومراجعة أبواب الصرف الحكومي، وإيقاف النفقات غير الضرورية والمشروعات المتعثرة التي لا تحقق عائداً اقتصادياً واضحاً، وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية والمشروعات المنتجة، مع نشر بيانات دورية عن أوجه الإنفاق والنتائج المتحققة.
19. مراجعة استقدام العمالة الأجنبية، ولا سيما في المهن التي تتوافر لها كفاءات عراقية، وتطبيق قوانين العمل والإقامة والتحويلات المالية. وينبغي أن يستند ذلك إلى تقييم حقيقي لاحتياجات سوق العمل، مع الحفاظ على العمالة الأجنبية المتخصصة التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني.
إن هذه الخيارات، إلى جانب إصلاح النظام الضريبي والجمركي وتطوير الإدارة المالية للدولة، تمثل مسارات يمكن دراستها ضمن خطة متكاملة لمعالجة الأزمة. وليس من الضروري أن يحقق أي إجراء منفرد وفورات مالية ضخمة، لكن اجتماع الإصلاحات وتطبيقها بجدية قد يقلل الهدر ويعزز الإيرادات ويحسن كفاءة الإنفاق.
والأهم من ذلك أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب إرادة سياسية مستقلة عن مصالح الأحزاب والقوى التي تستفيد من الوضع القائم، ورقابة برلمانية فعالة، وتدقيقاً مالياً وقضائياً مستقلاً، ونشراً منتظماً للبيانات التي تتيح للمواطن معرفة حجم الأموال المستردة والوفورات المتحققة.
#سعد_الكناني (هاشتاغ)
Saad_Al-kinani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟