أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الكناني - تصريحات المسؤولين.. الأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال















المزيد.....

تصريحات المسؤولين.. الأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال


سعد الكناني
كاتب سياسي

(Saad Al-kinani)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تصريحات المسؤولين العراقيين منذ سنوات، ولا سيما قيادات الزعامة الإطارية، بشأن مكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي وتحقيق سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، لو جُمعت وطُبعت على ورق لأصبحت «رولًا كبيرًا يلف الكرة الأرضية عشر مرات». لكن المشكلة أن هذه التصريحات بقيت في معظمها أقوالًا بلا أفعال، وشعارات للاستهلاك الإعلامي، لا سياسات حقيقية تلامس الواقع وتغيّر حياة العراقيين.
فالعبرة ليست بما يقوله المسؤول، وإنما بما يفعله. ومكافحة الفساد، على سبيل المثال، لا تكون بالقبض على بعض الأدوات وترك من يقف خلفها، ولا بملاحقة صغار الفاسدين بينما يبقى «رعاة الفساد» وشبكاتهم السياسية والاقتصادية بمنأى عن المحاسبة.
والأكثر إيلامًا أن بعض المسؤولين الذين يرفعون أصواتهم في الحديث عن مكافحة الفساد هم، وفق الانتقادات المتداولة داخل العراق، جزء من المنظومة التي تحميه وتوفر له الغطاء السياسي وتضمن استمراره. ولذلك فإن مكافحة الفساد من دون محاسبة من يحميه ليست سوى معالجة لأعراض المرض، وليس للقضاء على أسبابه.
إن العراق لا يعاني من أزمة اقتصادية منفصلة عن أزمته السياسية، بل إن أصل الأزمة هو طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوافقية، وما أنتجته هذه المنظومة من فساد وضعف في مؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ والقرار، إلى جانب ارتباط قوى سياسية نافذة بالمشروع الإيراني وتغلغل النفوذ الإيراني في الشأن العراقي السياسي والاقتصادي والأمني. ومن هذه البيئة السياسية ولدت معظم الأزمات الأخرى. فحين تصبح الدولة ساحة لتقاسم النفوذ والمناصب والموارد بين القوى السياسية، تتحول مؤسساتها تدريجيًا من مؤسسات لخدمة المواطن إلى أدوات لخدمة المصالح الحزبية والشخصية. وهنا يصبح الفساد نتيجة طبيعية لمنظومة سياسية تحميه، ويصبح الإصلاح الحقيقي أمرًا بالغ الصعوبة ما دامت القوى المستفيدة من الوضع القائم هي نفسها صاحبة القرار في تغييره.
لن يستقر العراق بمجرد تكرار مفردات «الإصلاح الاقتصادي» و«الاستقرار» عبر وسائل الإعلام، لأن الاقتصاد لا يمكن إصلاحه بمعزل عن إصلاح النظام السياسي الذي يديره.فالعراق ما زال يعتمد بصورة شبه كلية على النفط كمصدر رئيسي لإيرادات الدولة، بينما بقيت الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي في وضع لا يتناسب مع الإمكانات الهائلة التي يمتلكها البلد.كما يعاني الاقتصاد من الفساد وسوء الإدارة والعجز المالي وتراكم الديون، فضلًا عن غياب استراتيجية وطنية متكاملة لتنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الإنتاجية وتشجيع القطاع الخاص.أما العقود الحكومية مع الشركات المحلية والأجنبية، ولا سيما في قطاع الطاقة، فتحتاج إلى أعلى درجات الشفافية والرقابة والمنافسة، خصوصًا عندما تمتد بعض الالتزامات التعاقدية لسنوات طويلة وتؤثر في مستقبل الموارد الوطنية.وفي ظل غياب الإصلاح السياسي والمؤسسي الحقيقي، تصبح البيئة الاقتصادية نفسها عرضة للمحاصصة والنفوذ والمصالح الخاصة، بدل أن تكون خاضعة لمعايير الكفاءة والجدوى الاقتصادية والمصلحة الوطنية.

ولم تتوقف آثار هذا النموذج عند حدود المال العام، بل امتدت إلى الإنتاج المحلي. فقد أدت سياسة الاستيراد غير المنضبطة، وضعف حماية المنتج الوطني، وغياب المعايير الاقتصادية العادلة، إلى إضعاف العديد من المصانع العراقية التي لم تعد قادرة على منافسة السلع المستوردة من دول الجوار والأسواق العالمية، والنتيجة كانت إغلاق مصانع وتسريح آلاف العمال، لتتسع قاعدة البطالة، بينما يستمر العراق في استيراد معظم احتياجاته بدل بناء اقتصاد منتج قادر على خلق فرص العمل وتحقيق الاكتفاء النسبي.
إن البلد الذي يمتلك النفط والغاز والأراضي الزراعية والمياه والموارد البشرية والأسواق الواسعة لا يفترض أن يبقى اقتصادًا ريعيًا يعتمد على مورد واحد ويستورد معظم احتياجاته.
إن استمرار الفساد وسوء الإدارة في مؤسسات الدولة والقطاع العام يلتهمان جزءًا كبيرًا من عائدات البلاد، بينما يذهب جزء آخر إلى الإنفاق التشغيلي المرتفع، فلا يبقى ما يكفي للاستثمار الحقيقي في البنية التحتية والخدمات والتنمية ودعم القطاع الخاص. ويظل النفط المصدر الأساسي لتمويل الموازنة، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه تقلبات أسواق الطاقة والأزمات الإقليمية والدولية. ولهذا فإن المشكلة ليست في حجم الإيرادات وحده، وإنما في كيفية إدارة هذه الإيرادات ومن يملك القرار بشأنها وأين تذهب.
إن الضغوط الاقتصادية المتراكمة تشكل قنبلة موقوتة، لأن استمرار الاعتماد على النفط، مع ارتفاع الإنفاق الحكومي وضعف الإنتاج وتفشي الفساد وتراجع الاستثمار، يعني أن أي صدمة كبيرة في الإيرادات يمكن أن تنعكس سريعًا على الدولة والمجتمع.والعراق، في الحقيقة، لا يعاني من مشكلة في إدارة الإيرادات فقط، بل من أزمة نموذج اقتصادي كامل: اقتصاد ريعي، إنتاج ضعيف، إنفاق مرتفع، مؤسسات متقادمة، وبيئة سياسية تعرقل الإصلاح وتسمح باستمرار شبكات المصالح والفساد.لذلك فإن أي تحسن في الإيرادات لن يكون كافيًا ما لم يرافقه إصلاح بنيوي حقيقي في المالية العامة والحوكمة والإدارة وتنويع الاقتصاد.
إن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي مع الإبقاء على النظام السياسي الذي أنتج المحاصصة والفساد يشبه محاولة معالجة المرض من دون الاقتراب من أسبابه.فالإصلاح يبدأ من السياسة قبل الاقتصاد، ومن بناء مؤسسات الدولة قبل إطلاق الشعارات، ومن إنهاء المحاصصة قبل الحديث عن العدالة، ومن حصر السلاح والقرار بيد الدولة قبل الحديث عن السيادة، ومن استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية قبل الحديث عن مكافحة الفساد.العراق بحاجة إلى الانتقال من منظومة «المحاصصة والتوافقية» القائمة على تقاسم النفوذ وموارد الدولة، إلى دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية الكفؤة وسيادة القانون.
كما أن استعادة القرار الوطني تتطلب إنهاء أي نفوذ خارجي يفرض نفسه على القرار العراقي، وفي مقدمة ذلك النفوذ الإيراني الذي استفادت منه القوى السياسية المرتبطة به لترسيخ حضورها داخل مؤسسات الدولة.
لقد سئم العراقيون من التصريحات والوعود المتكررة عن الإصلاح ومكافحة الفساد والسيادة والاستقرار، لأنهم يريدون أن يروا نتائج حقيقية على أرض الواقع. فالمسؤول الذي يريد إثبات جديته في مكافحة الفساد عليه أن يحاسب الفاسد الكبير قبل الصغير، وأن يقترب من مصادر الفساد بدل الاكتفاء بأدواته. ومن يريد إصلاح الاقتصاد عليه أن يبني اقتصادًا منتجًا لا اقتصادًا ريعيًا. ومن يريد تحقيق السيادة عليه أن يجعل القرار والسلاح بيد الدولة وحدها. ومن يريد دولة المواطنة عليه أن ينهي المحاصصة التي حولت الدولة إلى حصص سياسية. فالأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال، والعراق لم يعد بحاجة إلى المزيد من التصريحات، بل إلى قرارات شجاعة وإرادة سياسية حقيقية تعيد الدولة إلى دورها، وتضع المصلحة الوطنية فوق مصالح الأحزاب والقوى المرتبطة بالخارج.



#سعد_الكناني (هاشتاغ)       Saad_Al-kinani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصر السلاح بيد الدولة.. في خبر كان
- مكافحة الفساد تتطلب أولاً القضاء على المكاتب الاقتصادية للأح ...
- حصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج إلى قانون.. بل إلى قرار وطني ...
- ميناء الفاو الكبير... المشروع الذي أضعفته السياسات الحكومية
- المعادلة الواحدة: إسقاط النظام الإيراني... طريق السلام والاس ...
- الاتفاقيات التي ابرمها الزيدي مع الجانب الأمريكي خطوة ناجحة. ...
- الضرائب في العراق... عندما يدفع المواطن فاتورة الفساد
- التخلي عن الإطار خطوة تجاه استقلالية القرار العراقي
- (صولة الفجر) ... هل تبدأ محاسبة رعاة الفساد أم تكتفي بأدواته ...
- الفساد في العراق: لماذا تبقى الحيتان الكبار فوق المساءلة؟
- قراءة في الاتفاق الإيراني الأمريكي
- العراق الرئة الاقتصادية لإيران في مواجهة العقوبات الأمريكيةُ
- لا إصلاح ولا استقرار… والعراق تحت النفوذ الإيراني
- البرلمان العراقي.. لماذا يُعطَّل التصويت الإلكتروني؟
- حكومة الزيدي بين وهم التغيير وواقع المنهج التقليدي
- العراق بين هيمنة “الإطار” وانسداد أفق الدولة
- كيف يُختزل منصب رئيس الوزراء في العراق
- قراءة في الهدنة الأمريكية – الإيرانية
- العراق بين سقوط النظام الإيراني وبقائه: مفترق بين الدولة وال ...
- العراق بين النفوذ الإيراني وضرورة استعادة الدولة


المزيد.....




- -التحذيرات بشأن الذكاء الاصطناعي خدعة-.. لماذا أثار تصريح تر ...
- ترامب يحوّل مؤتمر الحزب الجمهوري إلى -مهرجان-
- غذاء منخفض السعرات قد يعزز الشعور بالشبع ويدعم الهضم
- إندونيسيا.. اكتشاف أقدم متعاط للمخدرات في العالم
- -زهرة الشيطان-.. نبات غريب في تايلاند يعيش من دون ضوء الشمس ...
- المحكمة العليا الأمريكية تعرقل خطة ترامب لتقييد التصويت بالب ...
- جوائز إيمي 2026.. ماثيو ريس وجين سمارت يتألقان في ليلة الأرق ...
- زفاف نجل ترمب بتمويل روسي وتساؤلات عن الدوافع
- -قواعدنا في الخليج تضررت والصواريخ تناقصت-.. تفاصيل أول حصر ...
- السعودية تسعى لاستئناف عمليات خط أنابيب -شرق غرب- خلال أيام ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الكناني - تصريحات المسؤولين.. الأفعال أبلغ وأصدق من الأقوال