خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 18:49
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ليست كل كتابة تتحدث عن الوعي والحرية والوجود كتابة فلسفية، كما أن استعمال المصطلحات الفلسفية لا يجعل صاحبها مفكرًا. فقد يكتب المرء صفحات عن الحقيقة، ويستشهد بأشهر الفلاسفة، ويطرح أسئلة تبدو عميقة، ثم ينتهي إلى نص لا يضيف فكرة واضحة ولا يحل مشكلة ولا يغيّر طريقة فهمنا لما يناقشه.
والمفارقة التي تقوم عليها هذه الورقة أن الفلسفة في أصلها ممارسة تعرّض صاحبها لاحتمال الخطأ وتدفعه إلى مراجعة نفسه، بينما يستعملها بعض الكتّاب لإظهار قدرتهم على التفكير. ولذلك يكاد يكون كل خلل سنمرّ به، من غموض العبارة إلى كثرة الاقتباس إلى الأسئلة المعلقة، طريقة لتجنب الانكشاف: نص لا يُدحض لأنه لم يقل شيئًا محددًا، وحجة لا تُختبر لأنها استندت إلى سلطة غيرها. وليست الورقة هجاءً لأحد، فأغلب هؤلاء مشغولون بأسئلة حقيقية، وهي تصف أنماطًا شائعة لا تحكم على كاتب بعينه.
أولًا: من الموضوع إلى المشكلة
يبدأ الخلل من اختيار الموضوع. يعلن الكاتب أنه سيكتب عن الحرية أو الوعي أو الهوية، ثم يتنقل بين تعريفات عامة وأقوال متفرقة لا يجمعها سؤال. "الحرية" عنوان لحقل واسع، أما السؤال: هل يكون الإنسان حرًّا حين تتشكل رغباته تحت تأثير المجتمع؟ فمشكلة لها حدود. وكذلك "الوعي" موضوع، أما السؤال: لماذا يدرك الإنسان خطأه ثم لا يغيّر سلوكه؟ فيفتح بابًا للتحليل. بالسؤال المحدد يعرف الكاتب ما يدخل في مقاله وما يخرج منه، ويعرف القارئ ما الذي سيُعرض عليه.
ومن هنا كانت الأطروحة شرطًا للمقال قبل غيرها: من لا يستطيع أن يقول فكرته في جملتين فهو لا يملك مقالًا بعد، بل مادة خام. وحين تغيب الأطروحة يستطيع الكاتب أن يواصل الكتابة إلى ما لا نهاية، فكل فكرة تستدعي أخرى وكل اسم يفتح بابًا، ويصير المقال رحلة بين الأفكار لا حركة لها اتجاه. ويتبعه عنوان يعد بأكثر مما يفي، والعنوان الأصدق غالبًا ما يُكتب بعد انتهاء المقال لا قبله.
ولا يعني ذلك أن كل سؤال بلا جواب عيب. فقد يكون إبقاء السؤال مفتوحًا نتيجة مشروعة إذا بيّن الكاتب لماذا يستعصي على الحسم وما الذي انكشف في أثناء محاولة الإجابة عنه. العيب أن تُطرح الأسئلة الكبرى ثم تُترك كأنها إنجاز في ذاتها، أو تُؤجَّل إلى "أجزاء قادمة" لم يقم الجزء الأول بدونها.
ثانيًا: اللغة والمفهوم والترجمة
من أبرز مظاهر التفلسف الشكلي الاعتقاد بأن الفكرة كلما صعبت عبارتها ازداد عمقها. وليس الغموض عيبًا في ذاته، فبعض المشكلات معقدة فعلًا وتحتاج إلى لغة دقيقة. لكن بين صعوبة يفرضها الموضوع وغموض يصنعه الكاتب فرقًا: الأول نتيجة تعقيد المسألة، والثاني قد يستر فكرة لم تتضح بعد في ذهن صاحبها. والاختبار بسيط: هل يستطيع الكاتب أن يشرح فكرته بلغة مباشرة دون أن يفقد معناها؟ فإن عجز فربما لم تنضج الفكرة. فالوضوح ليس نقيض العمق، بل كثيرًا ما يكون ثمرة جهد في الفهم. وللغموض فائدة خفية لصاحبه: العبارة التي تحتمل ألف تأويل يصعب دحضها.
والفلسفة في جوهرها صناعة مفاهيم وضبط لها. فإذا استعمل الكاتب "العقل" و"الوعي" و"الذات" و"النفس" بمعانٍ متبدلة داخل النص الواحد، انزلقت الحجة من معنى إلى آخر دون أن يلاحظ. ومن أخطر صور ذلك الخلط بين الحرية بمعنى الإرادة الحرة، وهي مسألة ميتافيزيقية وأخلاقية، والحرية بمعنى التحرر من الاستبداد، وهي مسألة اجتماعية وسياسية. كل منهما جدير بالبحث، لكن الانتقال من إحداهما إلى الأخرى دون تنبيه يوهم القارئ بأن جوابًا قُدِّم على سؤال لم يُطرح.
ويقترب من ذلك التعريف بالتعداد: أن تُعرَّف "الشجاعة" بأنها صبر وإقدام وثبات وتضحية ونبل، ويُظن أن هذا تعريف وهو وصف وعدّ. التعريف يحدد ما يميز المفهوم عمّا يشبهه: ما الذي يجعل الشجاعة شجاعة لا تهورًا؟ وتزيد الزخرفة الأمر سوءًا، فالشرطات والمترادفات المتراكمة توهم بالعمق، وإذا لم تضف الكلمة الثانية معنى جديدًا فهي حشو.
وينبغي الإنصاف في أمر الترجمة. فكثير من الكتّاب يفكرون بلغة ويكتبون بأخرى أو يقرؤون الفلسفة في ترجمات مضطربة المصطلح، فيدخل إلى النص "الأنطولوجي" و"البرادايغم" بلا ضبط، وهذا في جزء منه مشكلة بنية ثقافية قبل أن يكون عيبًا في الكاتب. لكن علاجه في يده: أن يختار مصطلحًا مستقرًا ويلتزمه، وأن يمهّد للغريب قبل استعماله، وأن يكتب جملًا قصيرة.
ثالثًا: الاستشهاد بدل الحجة
يستعين بعض الكتّاب بأسماء كانط وهيغل ونيتشه وهايدغر كأن حضورها يمنح المقال قيمة تلقائية. فيعرض آراء متعددة دون أن يبيّن مواضع الخلاف بينها ولا لماذا يرجّح رأيًا على آخر، فيبدو الفلاسفة محطات سياحية لكل منهم فقرة، مع أن الفلسفة تعيش في الخلاف لا في الجرد. والاقتباس هنا يؤدي وظيفة اجتماعية لا منطقية: يمنح الكاتب سلطة مستعارة تحميه من أن يُسأل عما يقوله هو.
والاختبار أن يُحذف الاقتباس: فإن لم ينهَر ما بعده فهو زينة. فالفيلسوف في المقال الجيد شاهدٌ تُبنى على قوله خطوة منطقية، أو خصمٌ يُناقش ويُردّ عليه. وليس المطلوب أن يتفق الكاتب معهم، فمن حقه أن يعترض على كانط كما يحق له أن يستعين به، لكن ذكر الاسم لا يجعل الاعتراض فلسفيًا. وتتفاقم المشكلة حين يكون النقل عن شارح أو مترجم ثم يُعرض كقراءة مباشرة للنص، فتنتقل التبسيطات من مقال إلى آخر؛ والحل في الصدق قبل الاستقصاء: أن يقول الكاتب إنه ينقل عن شارح ويكتفي بما يفهمه. كما أن الأسماء المستدعاة تدور في دائرة ضيقة، فلا يكاد يحضر الفارابي أو ابن رشد أو ابن خلدون شريكًا في الحجة، ولا باحث معاصر في المسألة نفسها، فيبقى النص في حوار مع الموتى.
رابعًا: بناء الحجة والاعتراض والمخاطرة
المقال المبني يتحرك بالاستدلال: كل فقرة تنشأ مما قبلها بسبب أو اعتراض أو نتيجة. أما المجمَّع فيتحرك بالعطف: "كذلك"، "أيضًا"، "ومن جهة أخرى"، وهي أدوات تضع الأفكار متجاورة ولا تجعل بينها علاقة منطقية. وعند هذا الموضع تلتقي الأسئلة المعلقة بضعف الحجة: فالسؤال الذي يُطرح ثم لا تُبنى خطوات للإجابة عنه يترك القارئ أمام فكرة لم تُختبر.
وأصعب ما في بناء الحجة مواجهة الاعتراض. من السهل أن يستشهد الكاتب بعبارة توافقه، لكن الأصعب أن يعرض أقوى ما يُقال ضده. والحجة الجادة تحتاج إلى الاعتراض لتعرف حدودها، وليس من الضروري أن تنتصر عليه، بل أن تعترف بما يكشفه فيها. ومن صور الهروب منه فخّان متقابلان: الحياد الزائف حيث تُعرض المواقف كلها دون ترجيح، والتحيز الخفي حيث يُدافع عن موقف مسبق ويُقدَّم كأنه نتيجة استدلال. وقريب منهما النبرة الواعظة التي تختم بـ"يجب أن نتحرر"، فتحل الدعوة الأخلاقية محل النتيجة المستخلصة.
ويقف خلف ذلك كله غياب المخاطرة. نادرًا ما يغامر الكاتب بأطروحة قد تكون خاطئة، فيلجأ إلى الاقتباس والتعميم لأنهما آمنان. وليست كل أطروحة فلسفية قابلة للدحض بالمعنى التجريبي، لكن لكل أطروحة جادة ما يُعدّ اعتراضًا عليها، وإذا عجز صاحبها عن بيان ما الذي قد يقنعه بخطئه فقد لا تكون قالت شيئًا يُختلف عليه.
خامسًا: التاريخ والواقع
من أحب العبارات إلى هذا النمط "منذ فجر البشرية" و"التاريخ يثبت" و"الإنسان دائمًا". وهي تقريرات تحتاج إلى دليل لا يملكه المقال في العادة. فمن يقرر مثلًا أن فضيلة ما ازدهرت في عصر ذهبي ثم انهارت بظهور نظام اجتماعي بعينه، يقرر أطروحة تاريخية وأنثروبولوجية محل جدل، ولا ينبغي أن يعاملها كحقيقة مستقرة ثم يبني عليها. وهذا مظهر لآفة أعم هي التفسير بعامل واحد، رأسمالية أو ذكورية أو دين أو استبداد: السبب الواحد مريح، لكنه نادرًا ما يصمد أمام الوقائع.
وتظهر المشكلة في علاقة النص بالواقع. يقفز الكاتب من كانط إلى "ولذلك فمجتمعنا يعاني..." في جملة واحدة، فيحضر الواقع شعارًا لا حالة تُحلَّل. والواقع ليس شاهدًا صامتًا على صحة النظريات، بل هو المجال الذي تُختبر فيه قدرتها على التفسير. فإذا تحدثنا عن الحرية أمكن أن نفحص قرارًا يتخذه فرد تحت ضغط عائلته، وإذا ناقشنا المسؤولية أمكن أن نسأل لماذا يطالب بعض الناس بتطبيق القواعد على غيرهم ثم يبحثون عن استثناءات لأنفسهم. ومثال واحد يُدرس بدقة أنفع للفكرة من صفحات من التجريد، لأن الفكرة التي لا تُطبق على شيء لا نعرف أصحيحة هي أم فارغة. وتزداد المسألة حين تُستورد أسئلة بصيغتها الجاهزة، كموت المؤلف وما بعد الحداثة، دون أن يُسأل: هل هي مشكلتنا بهذه الصورة؟
سادسًا: مقال الرأي وحدود الشكل
يقول بعضهم إن ما كتبه مقال رأي فلا يُطلب منه ما يُطلب من البحث. وفي هذا حق: لا يُشترط فيه التوثيق الصارم ولا مسح الأدبيات ولا الحياد، وله أن يكون شخصيًا وأدبيًا ومنحازًا. لكن حرية الشكل لا تعني غياب الفكرة، فالرأي يحتاج إلى رأي، أي إلى موقف يدافع عنه صاحبه وحجة تفرق بينه وبين الانطباع. ولهذا كان مونتين وكامو وشوبنهاور فلاسفة حقًّا في كتاباتهم الحرة، لأن وراء أسلوبهم الحر حجة محكمة. والتحرر من الهوامش لا يعني التحرر من المنطق.
ومن هنا فرق كثيرًا ما يُهمل بين مقال في الفلسفة، وموضوعه فلسفي، ومقال فلسفي، ومنهجه فلسفي: مشكلة محددة، ودعوى مدعومة بأسباب، واعتراض مواجَه، ومفهوم مضبوط. والكتابة عن الوعي مع استدعاء كانط لا تجعل النص فلسفيًا، كما أن الكتابة عن القلب مع ذكر الدم لا تجعله طبًا. وقد يكون النص خاطرة فكرية أو تأملًا ثقافيًا، وهذه أوصاف صحيحة وشريفة، والتسمية الصادقة خير من تسمية كبيرة لا يسندها النص. وليس معيار الجودة أن يأتي المقال بفكرة لم تخطر لأحد، فقد تكون إضافته في صياغة مشكلة قديمة بدقة أكبر، أو كشف تناقض في تفسير شائع، أو تطبيق مفهوم معروف على واقع لم يُفحص من هذه الزاوية.
سابعًا: بين الصورة والحيرة
إذا نظرنا في المظاهر السابقة وجدنا لها جذرًا مشتركًا: الانشغال بالصورة التي يصنعها النص عن كاتبه أكثر من الانشغال بالمشكلة التي يحاول فهمها. فالكتابة الفلسفية تمنح صاحبها مكانة رمزية، إذ يبدو شخصًا لا يكتفي بالظاهر بل ينفذ إلى ما وراءه، وقد تتحول هذه الصورة إلى غاية تحكم اختيار الموضوع وصياغة العبارة. عندئذ لا يعود السؤال: هل فهمت المشكلة؟ بل: هل يبدو ما أكتبه عميقًا؟ ويغدو المصطلح وسيلة للتميز لا لتحديد المعنى، ويصير الاعتراف بالخطأ تهديدًا للصورة لا جزءًا من التفكير.
وهنا المفارقة التي ذكرناها في البدء: الفلسفة التي يُفترض أن تضع صاحبها أمام احتمال خطئه تصير وسيلة للدفاع عن صورته. المتفلسف بمعنى الاستعراض يبدأ غالبًا من نتيجة يريد إثباتها ثم يجمع لها ما يناسبها من أقوال، ويخشى أن تبدو فكرته بسيطة فيغلفها بلغة ثقيلة، ويرى الاعتراض تهديدًا. أما من يمارس التفكير فيبدأ بسؤال يسمح له بمراجعة موقفه، ولا يخشى الوضوح، ويرى الاعتراض فرصة ليعرف هل تصمد حجته. ولا يمكن الجزم بدوافع كاتب من نص واحد، فقد يكون الغموض أثر تدريب ضعيف أو ترجمة مضطربة أو محاولة صادقة لفكرة عسيرة؛ لكن تكرار هذه السمات يدل في الغالب على أن الكاتب يكتب من الذاكرة لا من الحيرة. ولذلك فالمشكلة ليست نقص القراءة بقدر ما هي قلة الانضباط في تحويلها إلى حجة، وضعف المراجعة التي هي حذف قبل أن تكون إضافة.
خاتمة
ليس المقصود من هذا كله أن تُغلق أبواب الفلسفة أمام غير المتخصصين، فهي ممارسة مفتوحة لكل من حيّرته مسألة وأراد أن يفكر فيها بجدية. وليس المقصود أن نجعل الكاتب يخاف من الكتابة، فالخطأ جزء من الطريق. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل كاتب على نفسه قبل أن يطرح أي سؤال على قارئه: هل أكتب لكي أفهم ما لا أعرفه، أم لكي يراني الآخرون ممن يعرفون؟ الجواب الأول يعرّض صاحبه للخطأ ولكنه يفتح له طريقًا إلى الحقيقة، والثاني يحميه من الخطأ ويحرمه من التفكير.
وهذه الورقة نفسها تقع تحت المعيار نفسه: فقد تكون بعض أحكامها أشد حسمًا مما تحتمله الوقائع، وعباراتها عن "كثير من الكتّاب" أحوج إلى اختبار بنماذج محددة. وإن أراد القارئ أن يبدأ بنفسه فأربعة أسئلة تكفي لفحص أي نص قبل نشره:
1. هل أستطيع تلخيص أطروحتي في جملتين؟
2. ما أقوى اعتراض عليها، وأين رددت عليه؟
3. لو حذفت نصف الاقتباسات، هل يبقى المقال قائمًا؟
4. هل في النص مثال ملموس واحد على الأقل؟
يمكن للكاتب أن يكتب عن الفلسفة طويلًا دون أن يمارسها، كما يمكنه أن يمارس التفكير الفلسفي دون أن يذكر اسم فيلسوف واحد. فالفارق ليس فيما يعلنه النص عن نفسه، بل فيما يستطيع أن يبرهن عليه.
#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)
Khaled_Ali_Silevani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟