أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولويات















المزيد.....

حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولويات


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 23:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يمارس الإعلام وظيفة لا تقل أهمية عن نقل الأخبار نفسها: "ترتيب انتباه المجتمع". فهو يحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما الذي يحتل مقدمة المشهد، وما الذي يتراجع إلى الهامش، وما الذي يبدو جديرًا بالنقاش، وما الذي يمكن تأجيله. وتزداد خطورة هذه الوظيفة في المجتمعات التي تتراكم فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فالمشكلة لا تكون دائمًا في منع الناس من معرفة ما يحدث، وإنما قد تكون في إعادة ترتيب المجال الذي تتنافس فيه الأحداث والقضايا على انتباههم.

ليست المشكلة في غياب الخبر، بل في موقعه
غالبًا ما تُفهم علاقة السلطة بالإعلام من خلال التعتيم: حجب خبر، منع تحقيق، إسكات صحفي، أو إخفاء معلومة. لكن هناك وسيلة أكثر خفاءً: "أن تترك الخبر حاضرًا، ثم تحيطه بما يكفي من الضجيج حتى يفقد موقعه".
في الظروف الطبيعية، يفترض بالإعلام أن يفرز القضايا بحسب أهميتها: ما الذي يمس حياة الناس مباشرة؟ ما الذي يحتاج إلى مساءلة؟ ما الذي يستدعي نقاشًا عامًا؟ وما الذي يمكن أن ينتظر؟ لكن حين تتأثر هذه الوظيفة بمصالح السلطة، قد يصبح ترتيب القضايا أقرب إلى ترتيب يخدم حاجتها إلى إدارة المشهد، لا إلى التعبير عن حجم المشكلات الفعلي.
ولا يعني ذلك اختفاء الأصوات المعارضة. فقد تبقى وسائل إعلام تنتقد السلطة، وصحفيون يحاولون طرح الأسئلة التي لا يراد لها أن تُطرح. غير أن وجود هذه الأصوات لا يعني امتلاكها القدرة نفسها على تشكيل المجال العام. فعندما تطغى موجة الإعلام الرسمي، وتنضم إليها وسائل إعلامية خضع بعض القائمين عليها للشراء أو الاستمالة، فضلًا عن «إعلام الظل» الذي يعيد تدوير الخطاب ويضخم بعض القضايا، تصبح الصورة الغالبة هي الصورة التي تملك الأطراف الأكثر قدرة على الوصول والتكرار والتأثير. وهنا لا يعود السؤال: هل يوجد صوت آخر؟ بل: "أي صوت يملك القدرة على الوصول إلى مركز المشهد؟". فقد لا يُحجب الخبر، لكنه يُدفع إلى موقع لا يعود فيه قادرًا على منافسة ما يحيط به من محتوى.

الإغراق: حين تمتلئ ساحة العرض
لا يحتاج إضعاف قضية ما إلى حذفها من المشهد. يكفي أن تصبح واحدة من عشرات القضايا التي تتنافس على الانتباه، بينما تمنح موضوعات أقل أهمية مساحة أكبر وتكرارًا أكثر وإثارة أعلى. قد يكون الخبر موجودًا على الشاشة، وفي المواقع والمنصات، لكنه لا يحتل المكان نفسه في وعي الناس؛ لأن ساحة العرض، أي مجال النظر العام، تكون قد امتلأت بما يزاحمه. وهذه ليست مسألة محتوى واحد أو حادثة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل. فعندما تمتلئ ساحة العرض بآلاف، بل مئات الآلاف من المنشورات والمواد التي تدور حول قضايا سطحية أو هامشية، فإن المشكلة لا تعود في تفاهة كل مادة بمفردها، وإنما في مجموعها وفي المساحة التي تحتلها من المشهد.
وحتى القضايا ذات الأبعاد الإنسانية أو الوطنية قد تفقد شيئًا من قدرتها على إثارة التفكير حين تتحول إلى مادة متكررة للاستهلاك والانفعال، بدل أن تفتح الطريق إلى أسئلتها الأعمق. ومع استمرار هذا التراكم، تتغير معايير الألفة نفسها. ما كان هامشيًا يصبح جزءًا من الحياة اليومية، وما كان استثنائيًا يفقد غرابته لكثرة ما يتكرر. ولا يعود الفرد بحاجة إلى أن يقتنع بأهمية هذه المواد؛ فمجرد استمرار حضورها يمنحها، تدريجيًا، مكانة تبدو طبيعية.
وهنا تظهر نتيجة الإغراق الأكثر خطورة: لا تختفي القضية الجادة، لكنها تفقد البيئة التي تجعل حضورها مؤثرًا. فالصوت المختلف يجد نفسه داخل ساحة مزدحمة، والأسئلة الجادة تنافس سيلًا من الموضوعات السريعة التي تستنزف الانتباه قبل أن يصل إليها. ومع الوقت، لا يعود الأمر متعلقًا بقدرة شخص على الكلام، بل بقدرة كلامه على إحداث أثر. وهذا يفسر لماذا قد تكون كثرة الكلام في المجال العام، على نحو متناقض، سببًا في ضعف بعض الأصوات بدل قوتها.

من تشتيت الانتباه إلى تشكيل المجال العام
لا يتوقف أثر هذه العملية عند الجمهور. فعندما يعتاد المجال العام على منح اهتمامه للسطحي والعابر، يتغير أيضًا موقع الذين يحاولون طرح أفكار أكثر جدية. قد يكتب صاحب فكرة، أو يطرح سؤالًا يتعلق بالاقتصاد أو السياسة أو المجتمع، ثم يجد أن الموضوع الذي يشغله لا يملك القدرة نفسها على جذب الانتباه. ومع تكرار التجربة، قد لا يُمنع من الكتابة، لكنه يبدأ في الشعور بأن المجال العام لم يعد ينتظر منه هذا النوع من الكلام. وهنا لا يكون الخطر في إسكات المثقف أو الكاتب، بل في "إقناعه تدريجيًا بأن صوته قليل الجدوى". والنتيجة أبعد من تراجع حضور فكرة معينة. فحين تنخفض قيمة الأسئلة الجادة في المجال العام، قد تنخفض معها الرغبة في إنتاجها أصلًا. يتراجع الطموح إلى النقاش، ويحل محله الاكتفاء بما يلقى استجابة أسرع، أو ما ينسجم مع المزاج السائد.
ومن هذه النقطة يتحول الانتباه من مجرد ظاهرة إعلامية إلى "مورد سياسي". فالإنسان لا يستطيع أن يمنح القضايا كلها القدر نفسه من التفكير. وما يستولي على انتباهه يستهلك جزءًا من قدرته على السؤال والمقارنة والمساءلة. وإذا ظل وعيه مشغولًا بما هو سطحي وعابر، تقل المساحة الذهنية المتاحة لأسئلة أكثر كلفة: لماذا ارتفعت الأسعار؟ أين تذهب الموارد؟ كيف تعمل المؤسسات؟ من يتحمل المسؤولية؟ وما البدائل الممكنة؟ لهذا قد تكون إدارة الانتباه، في بعض الظروف، أكثر فاعلية من محاولة التحكم في الآراء نفسها. ليس المطلوب أن تحدد للناس الإجابة؛ يكفي أحيانًا أن تؤثر في "الأسئلة التي يصلون إليها أصلًا".

ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن الإغراق يكون دائمًا نتيجة خطة مركزية واعية. فجزء منه قد ينتج بصورة طبيعية عن منطق السوق: المحتوى الأكثر إثارة يجذب الانتباه، والانتباه يجذب الجمهور، والجمهور يجذب الإعلان. لكن حين تتقاطع هذه الآلية مع مصالح السلطة، يصبح ما هو مربح إعلاميًا متوافقًا أحيانًا مع ما هو مريح سياسيًا. وهنا تكمن المفارقة: قد لا يحتاج أحد إلى أن يأمر بإخفاء القضية، إذا كان المجال العام مشغولًا بما يكفي كيلا تمنحها الجماعة اهتمامها.
إن حرية الإعلام، إذن، لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تستطيع الكلام، وإنما أيضًا بقدرة هذه الأصوات على الوصول، وبالتوازن الذي يحكم توزيع المساحة والوقت والتكرار داخل المجال العام. فالمجتمع الذي يستطيع الجميعُ أن يتكلم فيه دون التمييز بين ما يستحق الانتباه وما يفرض نفسه بكثافة الحضور، يملك حرية في التعبير، لكنه يظل معرضًا لفقدان شيء أكثر أساسية: حرية توجيه انتباهه بنفسه. وقد لا تكون السلطة الأكثر تأثيرًا هي التي تحدد للناس ما يجب أن يعتقدوه، بل التي تنجح في جعل بعض الأشياء تبدو جديرة بالانتباه، وأشياء أخرى غير جديرة به، حتى يصبح هذا الترتيب نفسه جزءًا من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى واقعه.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التعب الأخلاقي: حين يتسع الضمير أسرع من القدرة
- الرواية: بين التركيز والتوزيع
- هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟
- جغرافيا الغياب: نحو تاريخ آخر للأدب
- الأدب كخيانة ضرورية: تأمل في العلاقة بين التجربة واللغة والق ...
- لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة


المزيد.....




- شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
- مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض- ...
- شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة ...
- هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
- ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
- إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
- ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة ...
- التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
- ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا ...
- اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولويات