أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد علي سليفاني - حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمكان المشروع المشترك















المزيد.....

حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمكان المشروع المشترك


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 18:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تسود الفوضى وتغيب الاستراتيجية، لا يبدو في الأفق رابحٌ واضح، كأن الجميع، في لحظة ما، ينزلقون إلى خسارةٍ لا يعلنها أحد، لكنها تتسرب بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية.
لا تنحصر الفوضى في غياب النظام أو حدوث ارتباك في الإجراءات، بل هي حالة أعمق من ذلك، حالة يفقد فيها الفعل الجماعي اتجاهه، ويصبح فيها القرار أقرب إلى ردّ فعل سريع، تحكمه الحاجة الآنية والانفعال اللحظي، أكثر مما تحكمه رؤية تمتد إلى ما وراء اللحظة. وفي المقابل، لا تنحصر الاستراتيجية في خطة مرسومة على الورق، بل هي، في جوهرها، نوع من الوعي الحكيم المتجه برؤية مستقبلية، ومحاولة مستمرة لترتيب الحاضر بحيث لا يضيع الغد في فوضى اليوم.
في المجتمعات المتأخرة على الصعيد التنموي والمؤسسي، لا تأتي الفوضى دائمًا في صورة انهيار صريح أو فوضى شاملة، بل قد تتسلل على هيئة أكثر هدوءًا وخفاءً: غياب مشروع مشترك، ضعف مؤسسات لا تقوى على فرض القواعد، ولاءات صغيرة تتقدم على المصلحة العامة، وفاعلون اجتماعيون يتحركون وكأن كل خطوة تُقاس بميزان اللحظة لا بميزان المستقبل. عندها فقط، يبدأ كل طرف في الإحساس بأنه يربح معركته الخاصة، بينما تتسع الخسارة ببطء لتشمل الجميع: السلطة تفقد قدرتها على الإدارة الرشيدة، والمعارضة تتعثر في تحويل خطابها إلى بديل، والاقتصاد يضعف، والثقة الاجتماعية تتآكل بهدوء، والمواطن العادي يجد نفسه في قلب هذه الحلقة دون أن يختار موقعه فيها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الفوضى لعبة محصلتها صفر، حيث يربح طرف ويخسر آخر، بل أقرب إلى لعبة محصلتها سالبة، تتراجع فيها قيمة المجتمع ككل. حتى أولئك الذين يبدون منتصرين في لحظة ما، يكتشفون مع مرور الوقت أنهم يتحركون داخل بيئة تزداد هشاشة، وأن مكاسبهم لم تكن سوى أشكال مؤقتة من الربح داخل مسار طويل من التآكل.
ولذلك تبدو الاستراتيجية، في هذا السياق، أقل شبهًا بالترف الفكري وأكثر قربًا من الضرورة الوجودية. فهي ليست ترفًا تنظيريًا، بل شرطٌ يسمح بتحويل الصراع من عملية استنزاف متبادل إلى شكل من المنافسة المنتجة، ويمنح الاختلاف نفسه إمكانية تحوّله من شرارة فوضى إلى قوة دفع. فحين يغيب التفكير الاستراتيجي، تتقدم الفوضى لتصبح هي القاعدة، وحين تصبح الفوضى هي القاعدة، لا يعود هناك ما يشبه الربح؛ الجميع، في نهاية المطاف، خاسرون.

كيف يولد المشروع المشترك في بيئة أنهكتها الثقة؟
غير أن هذا التشخيص، على دقته، يفتح سؤالًا أكثر إزعاجًا وتعقيدًا: كيف يمكن لمشروع مشترك أن يولد أصلًا في مجتمع أنهكته الانقسامات، واستنزفته التجارب، حتى غدت الثقة فيه شيئًا شحيحًا، إن لم يكن مفقودًا؟
وهذا، دون شك، ليس سؤالًا ساذجًا، بل هو في الحقيقة لبّ التفكير الاستراتيجي نفسه. فالمشكلة لا تكمن في غياب الرغبة في التعاون، بل في غياب البيئة الممهِّدة التي تجعل هذا التعاون ممكنًا ومفهومًا ومقنعًا في الوقت نفسه.
وفي مثل هذه البيئات، لا تولد المشاريع المشتركة من بيانات سياسية أو نداءات عامة أو شعارات كبرى، بل تولد على مهل وبمخاض عسير، من تراكمات صغيرة لكنها ثابتة، يمكن تلخيصها في ثلاث حركات أساسية:
أولًا: إعادة إنتاج الحد الأدنى من الثقة العملية. فالثقة لا تُولد من الأفكار، بل من التجربة. حين يلمس الناس أن الالتزام ممكن، وأن القواعد ليست مجرد كلمات، بل تُطبّق على الجميع ولو بدرجات متفاوتة، تبدأ ملامح ما يمكن تسميته بـ"الثقة المحدودة" في التشكل، وهي خطوة أولى قبل الثقة الكاملة.
ثانيًا: تجزئة المشروع بدل تقديمه ككلٍ واحد. فالمشاريع الكبرى، حين تُطرح دفعة واحدة في بيئة مرهقة، تبدو أقرب إلى الوعود منها إلى الإمكانات. أما حين تُبنى على خطوات صغيرة قابلة للقياس والاختبار، فإن كل نجاح جزئي يتحول إلى علامة صغيرة على إمكانية الاستمرار، وإلى لبنة جديدة في بناء الثقة.
ثالثًا: تحييد الصراع بدل إنكاره بالكامل. فالمجتمعات لا تتخلص من الاختلاف، لكنها تتعلم كيف تديره. والفرق كبير بين صراع يُدار داخل قواعد واضحة، وصراع يتحول إلى تهديد دائم يبتلع الجميع. في الحالة الأولى تظل السياسة ممكنة، وفي الثانية تتراجع السياسة لصالح الفوضى.
ومن هنا، لا يبدو المشروع المشترك فكرة تُخلق من العدم، بل بناءً بطيئًا يشبه تشييد البنية التحتية: لا يقوم على النوايا، بل على التراكم؛ ولا يستند إلى الخطاب، بل إلى النتائج.

معضلة التكافؤ: من يجرؤ على الخطوة الأولى؟
لكن هذه الصورة، رغم تماسكها، تفترض ضمنًا نوعًا من التكافؤ بين الفاعلين، وكأن الجميع يقفون على المسافة نفسها من القدرة والالتزام. بينما الواقع، في كثير من الأحيان، أكثر قسوة وتعقيدًا من ذلك.
فانعدام الثقة لا ينشأ من التجربة فقط، بل من عدم توازن القوة أيضًا. فالطرف الأقوى يستطيع أن يخرق الالتزام دون أن يدفع الثمن نفسه، بينما الطرف الأضعف، إذا وثق ثم خُذل، يخسر كثيرًا. وهكذا لا تصبح المشكلة في بناء الثقة فقط، بل في توزيع المخاطر داخلها. وهنا تبدأ الحلقة في الدوران من جديد: فوجود حكم أو آلية رقابة يفترض ثقة مسبقة في هذا الحكم، بينما بناء الثقة يفترض وجود حكم عادل من الأساس. وكأننا ندور داخل حلقة مغلقة لا تنفتح إلا بكسر ترتيبها، لا بإضافة عنصر جديد إليها. ومن هنا، يمكن التفكير في الخروج من هذه الدائرة عبر تغيير الإيقاع نفسه، لا عبر إضافة أطراف جديدة:
أولًا: عبر مبدأ الكلفة التفاضلية للالتزام، حيث لا يُطلب من الطرفين الفعل نفسه، لأن الكلفة ليست متساوية أصلًا. في هذا السياق، يصبح من الضروري أن يبدأ الطرف الأقوى بتقديم التزام مكلف له فعليًا، بحيث لا يكون الالتزام مجرد إعلان نوايا، بل فعلًا يمكن أن يخسره إن تراجع عنه.
ثانيًا: عبر الالتزام الذاتي القابل للرصد، حيث لا ينتظر المجتمع حكمًا محايدًا لا يتوفر، بل يُبنى التقييد من داخل الفاعل نفسه، بحيث يصبح سلوكه مرئيًا وقابلًا للتقييم دون الحاجة إلى ثقة مسبقة.
ثالثًا: عبر كسر التزامن لصالح التتابع؛ فالثقة لا تبدأ دفعة واحدة مع النظام الرقابي، بل تبدأ أولًا بفعل فردي مكلف، ثم تتراكم ببطء لتسمح لاحقًا ببناء آليات مشتركة أكثر استقرارًا.
ويبقى السؤال المعلّق في الخلفية: لماذا يفعل الطرف الأقوى ذلك أصلًا؟
والجواب، في النهاية، ليس أخلاقيًا بقدر ما هو واقعي: لأن استمرار الفوضى نفسها ليس محايدًا، بل هو استنزاف طويل المدى للجميع، بما في ذلك من يظن أنه في موقع القوة. فالكلفة التي يدفعها في البداية ليست خسارة، بل محاولة لإيقاف خسارة أكبر تتسع مع الوقت.

ختامًا
في نهاية هذا المسار، لا يبدو أن المشكلة في غياب النوايا، ولا في نقص الأفكار، بل في طريقة توزيع المخاطر داخل بيئة فقدت توازنها. فالتكافؤ لا يُفترض، بل يُبنى، والثقة لا تُعلن، بل تُختبر، والمشروع المشترك لا يولد من الإجماع، بل من فعل أولي صغير، غالبًا ما يكون غير متوازن، لكنه ضروري لكسر الحلقة المغلقة.
وهكذا يعود المعنى الأول ليطل من جديد، ولكن بصيغة أكثر هدوءًا: حين يغيب التفكير الاستراتيجي، لا تنتج الفوضى خاسرًا واحدًا، بل مجتمعًا كاملًا يدخل في مسار خسارة بطيئة. أما حين تُكسر هذه القاعدة من داخلها، فإن أول خطوة لا تشبه الحل النهائي، لكنها تشبه بداية الخروج من دائرة كانت تبدو مغلقة.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة
- سُكْرُ المألوف
- نوبل للآداب في بلاد الأوهام
- لجنة الخلود العليا
- مديح الهامش… ومراثي المعنى
- من النوروز إلى الهوية
- الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد
- كسر المعروف
- فلسفة النوروز التاريخية وفق رؤية المؤرخ علي تتر نيروي
- عيد العمال: صيغة الجمع ومحنة الفرد
- وسائل التواصل الاجتماعي: مرآة القلق الجمعي وتجليات الذات الم ...
- الرواية الخالدة: حين يصبح الأدب فخًا نفسيًا وتجربة وجودية


المزيد.....




- جبن عمره 2000 عام غني بالبروتين يغزو الأسواق في فرنسا.. ما ا ...
- حصري لـCNN: طيار أمريكي يكشف آخر ما رآه قبل إسقاط مقاتلته في ...
- صدام حفتر يبحث مع رئيس المخابرات التركي مستجدات الملف الليبي ...
- الجيش الإسرائيلي يوسع سيطرته على غزة رغم وصوله إلى 70% من مس ...
- -بيونغ يانغ دولة نووية بقرارٍ لا رجعة فيه-.. كيم جونغ أون يت ...
- من الشراكة إلى الخلاف، كيف يبدو مستقبل العلاقات الأمريكية ال ...
- ترامب يلوّح بدور سوري عسكري في لبنان، وأحمد الشرع ينفي، فما ...
- فرنسا تتجاوز العراق بثلاثية، فماذا نعرف عن منتخب أسود الرافد ...
- ميلوني تطلب من ترامب -التركيز على شعبيته- مع تصاعد الخلاف، ف ...
- الجزائر تفوز على الأردن، فماذا نعرف عن المنتخب الجزائري؟


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد علي سليفاني - حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمكان المشروع المشترك