أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة














المزيد.....

لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 06:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لن نفهم ما لم نقرأ، ولا جدوى من القراءة ما لم نفهم.

إنّ هذه الجملة ليست لعبة لغوية، ولا مفارقة بلاغية يتسلى بها الفلاسفة في أوقات فراغهم. إنّما هي حقيقة صلبة كالصخر، شهدها التاريخ منذ فجر الكتابة ولم يجد لها حلاً حتى اللحظة. لو كان ثمة مخرج من هذه الدائرة لوجده التاريخ، لوجده في عصر النهضة أو عصر الأنوار أو في أعقاب كل ثورة وكل صحوة وكل موجة تنوير تبشر بغد أفضل. لكنه لم يجده. والدائرة لا تزال تدور.


الأغلبية التي اختارت السكينة

يعيش السواد الأعظم من الناس داخل ما اعتادوه، لا لأنهم عاجزون بالضرورة، بل لأن هذا الاعتياد يمنح طمأنينة لا يمنحها السؤال. وهذه ليست إدانة، بل ملاحظة يصعب دحضها: الإنسان حين يجد استقراره فيما يعرفه يرتاب من كل يد تمتد إليه من خارج هذا الاستقرار. والأخطر أن هذه الأغلبية لا تطلب أن تُنقذ. بل كثيراً ما ترى في الكاتب والمفكر عدواً يزعزع طمأنينتها لا منقذاً يمد لها يد الخلاص. فمن قال أصلاً إن من يأنس بجهله، ويرفض التغيير، ويعادي كل صوت يزعج راحته... من قال إنه يستحق أن يُكتب له؟ ومن قال إنه أصلاً يريد ذلك؟

لكن قبل أن نتوقف عند هذا السؤال، علينا أن نقلب المجهر نحو الكاتب نفسه، ذلك الكاتب الذي يغرد في قفصه الذهبي:

من قال إن الكاتب يكتب لينقذ أحداً؟ ومن قال إنه خارج الدائرة أصلاً؟

ربما يكتب الكاتب لأن الكتابة تمنحه شعوراً بالامتياز. هو يعيش في الفوضى ذاتها، ويخضع للأوهام نفسها، ويخاف ويجوع ويضعف كما يفعل الجميع. لكن القلم في يده يوهمه بأنه يقف على تل مرتفع فوق الجميع، يراهم ولا يرونه. الكتابة ليست دائماً فعل وعي، بل هي أحياناً فعل غرور مقنّع بالحكمة، نرجسية ناعمة تلبس عباءة الفيلسوف.

وهنا يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: متى تكون الكتابة فعل صدق حقيقي؟ وكيف يعرف الكاتب أنه لا يخدع نفسه؟ هل يكفي أن يتألم؟ هل يكفي أن يشك؟ أم أن الكاتب الذي يرى نفسه بوضوح هو فقط من يعترف، ولو في سطر واحد، بأنه قد يكتب لنفسه أكثر مما يكتب لسواه؟

ولا يعني هذا الأمر أن كل كاتب هو كذلك، ولا أن النية الصادقة غائبة دائماً. لكنه يعني أن الكاتب إنسان لا نبي، تسكنه تناقضاته كما تسكن سواه ، وربما هذا الاعتراف وحده هو ما يميز الكتابة الحقيقية عن الكتابة المُتقنة.


بين المطرقة والسندان

وكأن هذا لم يكفِ، فإن التاريخ يضيف طبقة أخرى من المأساة.

كم من كاتب خلّده التاريخ كتب في وقت ما مديحاً وفي قلبه رثاء، مال نحو السلطة لا لأنه آمن بها بل لأن البديل كان النار؟ وكم من كاتب بقي على موقفه فصار وقود نار، أُحرقت كتبه قبل أن تُقرأ، وأُسكت صوته قبل أن يُسمع؟ وكم من صمت اختياري كان أبلغ من كل ما كُتب، وكم من كلمة كُتبت تحت الإكراه حملت بين سطورها ما لم يُقله صاحبها؟

إذن، فالكاتب محاصر من ثلاث جهات في آنٍ واحد: من الخارج بالسلطة التي تقمعه أو تشتريه، ومن الداخل بغروره الذي قد يخدعه، ومن حوله أغلبية لا تريده ولا تستدعيه. ومع ذلك - وهذا هو الأغرب - استمر الكتّاب.


فلماذا يكتب إذن؟

ربما لأن في كل مجتمع قلة قليلة تحمل بذرة فهم لكنها نسيتها. لم تفقدها، بل نامت عليها تحت ثقل الحياة اليومية وضجيج ما حولها. والكاتب لا يكتب للجميع، بل هو يكتب لذلك الواحد الذي يستيقظ ببطء، الذي تقع الكلمة في يده، فلا تعلّمه شيئاً بل تذكّره بما كان يعرفه ونسي.

الأدب لا يعمل بالخطاب الجماهيري، بل بالعدوى البطيئة عبر أفراد. فكرة تسكن قارئاً واحداً، يحملها لآخر دون أن يعلم، وهكذا تتسرب في صمت عبر الأجيال لا كموجة، بل كماء يشق طريقه تحت الأرض.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولو كان ذرةً واحدة من النور في بحر الظلام، هو كل ما كان الأدب يفعله منذ الأزل. وهذا يكفي أو هكذا يقنع الكاتب نفسه، وربما هو محق.


خاتمة بلا إجابة

هذه تأملات لا أحكام. والتأمل الصادق لا يصل إلى يقين، بل يصل إلى أسئلة أثقل وأعمق.

الكاتب يكتب وهو لا يعرف تماماً لماذا. ربما ليوقظ، وربما ليتميز، وربما لأنه لا يستطيع ألا يكتب. والقارئ يقرأ وهو لا يعرف تماماً ما الذي يبحث عنه. والأغلبية تسير وهي لا تعرف أنها تسير.

والدائرة تدور.

ولمّا تتوقف بعد، وربما في دورانها هذا يكمن المعنى الوحيد الممكن.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة
- سُكْرُ المألوف
- نوبل للآداب في بلاد الأوهام
- لجنة الخلود العليا
- مديح الهامش… ومراثي المعنى
- من النوروز إلى الهوية
- الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد
- كسر المعروف
- فلسفة النوروز التاريخية وفق رؤية المؤرخ علي تتر نيروي
- عيد العمال: صيغة الجمع ومحنة الفرد
- وسائل التواصل الاجتماعي: مرآة القلق الجمعي وتجليات الذات الم ...
- الرواية الخالدة: حين يصبح الأدب فخًا نفسيًا وتجربة وجودية
- من أجل واقع أقل وحشية
- العراق وكوردستان: تجليات الدولة المأزومة في فضاء الجغرافيا ا ...
- تغريد الإبداع أمام تهريج الجهلة
- إنتاج الغباء


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة