خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 22:16
المحور:
قضايا ثقافية
في هدوء وقت متأخر من الليل، حيث لا يُسمع سوى همس الصمت وتكتكة لوحة المفاتيح، جلستُ أمام نص تاريخي كوردي أعيد صياغته بعدما نقلته إلى العربية. كانت الكلمات على الشاشة تتنفس عبق الجبال، وتئن تحت ثقل الصدمات المتلاحقة، وتنزف ذاكرة شعب طالما لازمه الاضطهاد ظلاً. في تلك اللحظة بالذات، داهمتني فكرة خاطفة، لكنها حادة على نحو أربكني، جعلتني أتوقف عن الكتابة وأتساءل: ما الذي أفعله هنا حقاً؟
هل أنا مجرد وسيط بارد ينقل كلمات من لغةٍ إلى أخرى؟ أم أن ثمة شيئاً آخر أحدثه في خفاء بين هذه السطور؟
يرى العالمُ الترجمةَ جسراً يربط بين ثقافتين. لكنني في تلك اللحظة رأيت الجسر يختفي، ليحل محله شيء أكثر غرابة: ليست الترجمة نقلاً للمعنى، بل هي - أحيان كثيرة - إعادة تجسيد للتجربة الإنسانية ذاتها.
ليستِ اللغة الأم لأي شعب مضطهد وعاءً محايداً للمصطلحات. إنها المكان السري الذي تتشكل فيه كينونة "الشخص الداخلي"؛ فيها تُحفظ صدماته وخوفه من المحو وصموده الوجودي. عندما كتب المؤرخ الكوردي سطوره، لم يكن يرصد إحصاءات باردة، بل كان يصبّ وعيه المعيش في حروف لغته. وحين أترجم هذا النص إلى العربية، لا أنقل تاريخاً؛ بل أحاول - قدر ما تتيح اللغة - أن أنقل شيئاً من ذلك الوعي إلى مساحة جديدة، إلى قارئ لم يعشه.
قد يسأل سائل: وماذا لو كان القارئ غير متعاطف؟ ماذا لو قرأ ببرود؟
ربما هذا هو السؤال الخطأ.
لا يستجدي النصُ التاريخي المُترجم بعناية عاطفة، ولا يبحث عن موافقة. بل يفعل شيئاً أصعب وأعمق: يضع القارئ - أياً كان موقفه - في مواجهة الحالة الإنسانية الخام. الدماغ، وهو يفكّ شفرة المعنى، يُجري نوعاً من المحاكاة الداخلية لا يستطيع تجنبها. قد يظل القارئ رافضاً في الظاهر، لكن وعيه لن يكون بعد القراءة كما كان قبلها. الإنكار الجاهد بعد معرفة الحقيقة يتطلب طاقة مختلفة عن الجهل البارد... وهذا الفرق بحد ذاته يستحق التأمل.
أغلقتُ الشاشة لبرهة، ونظرتُ إلى الفراغ في مكتبي.
في تلك اللحظة الصامتة، أدركت أن المترجمين ليسوا ناقلي أخبار الماضي. بل هم يعيدون، بالكلمة المختارة والجملة المعادة صياغتها، بناء إمكانية التعاطف في أذهان من لم يكونوا هناك. لا يضمنون أن يتأثر كل قارئ، لكنهم يجعلون عدم التأثر أصعب مما كان.
ولعل في ذلك ما يكفي.
#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)
Khaled_Ali_Silevani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟