أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟















المزيد.....

هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليست الأعمال الأدبية العظيمة تلك التي تقدم أجوبة، وإنما تلك التي تُجبرنا على إعادة النظر في الأسئلة التي كنا نظن أننا حسمناها. ولذلك لم تكن «الجدار» مجرد قصة قصيرة كتبها جان بول سارتر، ولم تكن أيضًا محاولة روائية لشرح الفلسفة الوجودية، بل كانت تجربة إنسانية قاسية، بدا فيها الأدب وكأنه يختبر الفلسفة نفسها.
لطالما قُرئت «الجدار» بوصفها أحد النصوص التي تتجسد فيها أفكار سارتر عن الحرية والمسؤولية والوجود. غير أن نهاية القصة، على وجه الخصوص، تدفع القارئ إلى سؤال ربما لم يكن مطروحًا منذ البداية: هل بقي النص الأدبي وفيًا تمامًا للنسق الفلسفي الذي خرج منه، أم أنه قال شيئًا آخر، من حيث لا يشعر مؤلفه؟
ليس الهدف من هذا السؤال أن نعلن تناقضًا عند سارتر، فالفيلسوف الذي كتب «الوجود والعدم» كان من أكثر المفكرين إحكامًا لمنظومته الفكرية، ولا أن نزعم أن قصة واحدة قادرة على هدم فلسفة كاملة. وإنما المقصود أن الأدب، حين يكون أدبًا حقيقيًا، يكتسب استقلاله عن مؤلفه، ويصبح قادرًا على محاورته، بل وعلى كشف مناطق لا تستطيع المفاهيم المجردة أن تبلغها.
لقد بنى سارتر فلسفته على العبارة التي أصبحت علامة على الوجودية كلها: «الوجود يسبق الماهية». فالإنسان، في نظره، لا يولد حاملًا جوهرًا سابقًا أو مصيرًا مرسومًا، بل يوجد أولًا، ثم يصوغ ذاته من خلال أفعاله واختياراته. ولهذا كتب في «الوجودية منزع إنسانية» عبارته الشهيرة: «الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرًا»؛ أي إنه لا يستطيع أن يختبئ خلف القدر أو الطبيعة أو الأعذار، لأنه مسؤول، في النهاية، عن اختياراته.
لكن هذه الحرية، كما تُقدَّم أحيانًا في القراءات الشائعة، ليست حرية مطلقة. فسارتر نفسه يميز بين حرية الإنسان وبين ما يسميه الوقائعية (Facticité)؛ أي ذلك الجانب من الوجود الذي لم نختره: زمن ميلادنا، أجسادنا، الحرب، المرض، الآخرون، وحتى اقتراب الموت. نحن لا نصنع هذه الوقائع، لكننا نصنع موقفنا منها. فالحرية عند سارتر ليست قدرة على تغيير العالم كيفما نشاء، بل مسؤولية دائمة عن الكيفية التي نواجه بها العالم.
ولو قرأنا «الجدار» في ضوء هذا التصور، لبدت القصة منسجمة تمامًا مع الفلسفة الوجودية. فبابلو إيبييتا لا يرضخ للخوف، ولا يبيع صديقه رامون غريس لينجو بنفسه. وحتى عندما يقرر الكذب على سجانيه، فإنه يفعل ذلك بإرادة واعية، ساخرًا منهم ومن سلطتهم. لقد اختار، وكان مسؤولًا عن اختياره.
غير أن القصة لا تقف عند حدود الاختيار. إنها تبدأ، في الحقيقة، من اللحظة التي يغادر فيها الاختيار صاحبه. فحين يذكر بابلو، على سبيل السخرية، أن رامون يختبئ في المقبرة، لا يخطر بباله أن صديقه موجود هناك فعلًا. لقد كانت كذبة، أو بالأحرى محاولة أخيرة للعبث بمن سيقتلونه بعد دقائق. لكن العالم، على نحو لا يمكن توقعه، يستجيب للكذبة وكأنها حقيقة. يُعثر على رامون في المقبرة، ويُقتل، بينما ينجو بابلو من الموت.
هنا، على وجه التحديد، يبدأ السؤال الفلسفي. ليس لأن الحرية غابت، بل لأنها لم تعد كافية لتفسير ما حدث.
قد يقول المدافع عن الوجودية إن بابلو كان حرًا في اختياره، أما نتائج ذلك الاختيار فلم تكن تحت سيطرته، وهذا صحيح إلى حد بعيد، بل إنه ينسجم مع فلسفة سارتر نفسها. غير أن الإرباك الذي تخلقه القصة لا يتعلق بحرية بابلو، وإنما بالعالم الذي استقبل تلك الحرية.
لماذا جاءت الكذبة مطابقة للحقيقة؟
ولماذا بدا العالم، في تلك اللحظة، وكأنه يرد على الإنسان برد يعجز الإنسان نفسه عن فهمه؟
ليس في النص ما يسمح لنا بالحديث عن قدر مكتوب، ولا عن عناية خفية ترتب الأحداث. عالم سارتر عالم صامت، لا يخبرنا بشيء، ولا يمنحنا مفاتيح غيبية لفهم ما يقع. ولهذا يبدو التسرع في تفسير النهاية بالحتمية خروجًا من النص أكثر منه قراءة له.
لكن، في المقابل، لا يبدو تفسيرها بالحرية وحدها كافيًا أيضًا. وربما هنا تكمن عبقرية قصة «الجدار»؛ فهي لا تنقض الحرية، لكنها تضعها أمام عالم لا يتصرف وفق منطق الإنسان.
هذا التوتر يذكر، من حيث البناء السردي، بحكاية قديمة يرويها التراث الإسلامي عن وزير سليمان عليه السلام الذي هرب إلى الهند فرارًا من ملك الموت، فإذا به يصل إلى المكان الذي كُتب أن يقبض فيه. غير أن التشابه يقف عند البنية، لا عند المعنى. ففي الحكاية التراثية توجد إرادة إلهية تمنح الأحداث نظامها وتفسر مفارقتها، أما في «الجدار» فلا يوجد سوى عالم أصم، لا يفسر شيئًا، ولا يعد الإنسان بأي انسجام بين قصده وما ينتهي إليه فعله.
ولعل هذا هو الفرق بين عالم تؤسس معناه السماء، وعالم يترك الإنسان وحيدًا أمام صمته.
ومن هنا، لا يعود السؤال: "هل يوجد قدر؟"، بل يصبح سؤالًا أكثر تعقيدًا:
هل تكفي الحرية وحدها لتفسير العالم؟ فالإنسان يختار أفعاله، نعم. لكن هل يختار العالم الذي يستقبل هذه الأفعال؟
يختار بابلو أن يكذب. لكنه لا يختار أن تصبح الكذبة حقيقة. ويختار أن يسخر من سجانيه. لكنه لا يختار أن يكون ثمن سخريته حياة صديقه. لقد خرج الفعل من يده، ثم صار جزءًا من عالم لم يعد يملكه. ولعل هذا هو أكثر ما تكشفه القصة عمقًا؛ فالمشكلة ليست في حدود حرية الإنسان، وإنما في حدود قدرتها على تفسير الواقع كله. وعند هذه النقطة يكتسب عنوان القصة معنى آخر.
فالجدار ليس الحائط الذي تُنفذ عنده أحكام الإعدام فحسب، ولا الرمز الفاصل بين الحياة والموت فقط، بل هو، في تقديري، لحظة الاصطدام الكبرى. ذلك الحاجز الذي لا يكتشف الإنسان عنده نهاية حياته فحسب، بل يكتشف أيضًا هشاشة يقينه. هناك، قبل الرصاص بلحظات، لا يرى الإنسان العالم كما كان، بل يرى نفسه لأول مرة، وهي عارية أمام الزمن. عند الجدار لا يتغير العالم، بل تتغير العين التي تنظر إليه؛ فكل ما كان يبدو مؤجلًا يصبح نهائيًا، وكل ما كان تافهًا يكتسب وزنه فجأة. ليس الجدار نهاية الطريق فقط، بل نهاية الأوهام التي عاشها الإنسان عن نفسه وعن العالم.
ولعل الضحكة الأخيرة التي أطلقها بابلو ليست ضحكة النجاة، ولا ضحكة العبث وحده، وإنما ضحكة إنسان أدرك أن العالم لا يلتزم بالقواعد التي وضعها العقل لتفسيره. لقد قال كلمة لا يقصدها، فتحولت إلى حقيقة. وأراد أن يخدع الواقع، فإذا بالواقع هو الذي يسخر منه. في تلك اللحظة، لم يعد الضحك تعبيرًا عن الفرح أو الجنون، بل أصبح اللغة الوحيدة الممكنة أمام مفارقة تعجز اللغة نفسها عن شرحها.
لذلك لا أعتقد أن «الجدار» تنقض فلسفة سارتر، كما لا أعتقد أنها تكررها حرفيًا. إنها تفعل شيئًا أكثر جمالًا. إنها تحاورها. فالأدب العظيم لا يقف خلف الفيلسوف، بل يسير إلى جواره، ثم يفاجئه أحيانًا بأسئلة لم يكن النسق الفلسفي مضطرًا إلى طرحها. وربما لهذا بقيت «الجدار» حية إلى اليوم؛ لأنها لم تجعل القارئ يسأل إن كان الإنسان حرًا، بل جعلته يتساءل، بعد كل هذه السنوات:
إذا كنا أحرارًا حقًا، فهل تكفي حريتنا وحدها لفهم العالم الذي نعيش فيه؟

المصادر:
سارتر، جان بول. الجدار. ترجمة: نجلاء نادي. القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط1، 2015.
سارتر، جان بول. الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية. ترجمة: عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار الآداب، ط1، 1966.
سارتر، جان بول. الوجودية نزعة إنسانية. ترجمة: محمد نجيب عبد المولى، وزهير المدنيني. تونس: دار محمد علي للنشر، ط1، 2012.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة
- سُكْرُ المألوف
- نوبل للآداب في بلاد الأوهام
- لجنة الخلود العليا
- مديح الهامش… ومراثي المعنى
- من النوروز إلى الهوية
- الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد
- كسر المعروف
- فلسفة النوروز التاريخية وفق رؤية المؤرخ علي تتر نيروي
- عيد العمال: صيغة الجمع ومحنة الفرد


المزيد.....




- -الإيرانيون يتقنون فن الحرب-.. سفير أمريكي مخضرم خدم في العر ...
- لماذا تستهدف الضربات الأمريكية جنوب إيران؟.. مراسلة CNN تجيب ...
- بشفاه برتقالية ونداء يشبه الزئير... اكتشاف قرد جديد في غابات ...
- اليوم السابع من تبادل الضربات: واشنطن تدرس توسيع غاراتها.. و ...
- ردًا على ماركو روبيو.. رئيس كوبا يتهم واشنطن بالترويج لتحالف ...
- هجمات إيرانية جديدة.. حرائق وإصابات في الكويت وصفارات إنذار ...
- الكويت: إصابات وخسائر مادية جسيمة بعد هجوم إيراني على موقع ن ...
- مقتل شخص وإصابة 37 بهجوم مسيرات أوكرانية في مقاطعة موسكو
- هل تصل موجة الحر غير المسبوقة في المغرب العربي إلى مصر؟
- سوريا.. شبهات في تمويل إسرائيلي لمشاريع في ريف دمشق والقنيطر ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟