أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟















المزيد.....

هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 16:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مفارقة البُعد الواحد
يتسع الكون من حولنا في أبعاد شاسعة لا كبح لجموحها؛ فالمدى يمتد، والزمن يتدفق، والنفس البشرية تموج بطبقات وتناقضات لا تكاد تستقر على حال. وحتى الأفكار، في أصل تكوينها، تولد ككائنات حرة، مشحونة باحتمالات وتأويلات وزوايا رؤية تتعدد بتعدد العقول التي تمر بها. لكن المشهد الإنساني يكشف لنا عن مفارقة مدهشة: الشيء الوحيد القابل لأن ينزلق إلى "البُعد الواحد" ليس ظاهرة فيزيائية جامدة، بل الفكرة ذاتها.

فظهور الفكرة في صيغة واحدة لا يعني أنها مستنفدة الأبعاد، لكنها قد تصبح كذلك بفعل عملية هندسية قسرية ندعوها التحجيم. عندما تُساق الفكرة، مدفوعة برغبة مستترة في السيطرة أو ببواعث عميقة من الخوف، لتستقر داخل قالب ضيق، فإنها تفقد عمقها وارتفاعها، وتتحول من كيان حي متسع إلى مجرد مسار خطي مدبّب.
وهذا الاختزال، حين يحدث، لا يمر بصمت دائمًا؛ فثمة انقباض خفي يعتري النفس كلما اقترب منها احتمال لم تطلبه، كأن جزءًا فينا يتحسس مكانه قبل أن يُسأل. فإذا كانت عقولنا ونفوسنا متعددة الأبعاد، فلماذا نصر على ممارسة هذا القصّ الممنهج لأجنحة أفكارنا؟

البحث عن الفاعل
حين نقول إن الفكرة تتشوه بالتحجيم، فإننا نقف أمام التساؤل الأهم: أين تجري هذه الجناية المعرفية؟ ومن يحرك أدواتها؟ إن محاولة تتبع أثر "المقصّ" تضعنا أمام ثلاث فرضيات تبدو، في ظاهرها، متنازعة، بل متناقضة في تحديد طبيعة هذا الفعل.

الفرضية الأولى: المعرفة الحتمية. تفترض أن التحجيم ليس خطأ نرتكبه، بل هو آلية بقاء عقلية وثمن التفكير نفسه؛ فالعقل البشري، بطبيعته المحدودة، مضطر إلى الاختزال والتبسيط ليتمكن من الفهم.

الفرضية الثانية: الاجتماعية/البنيوية. ترى أن الفاعل هو "الآخر" الجمعي؛ فالمؤسسات والأيديولوجيات تمارس قصًّا قسريًا للأفكار لإنتاج "المعيارية" اللازمة لإدارة الاستقرار والسيطرة.

الفرضية الثالثة: الفردية الأخلاقية. تُرجع الأمر إلى ذات الإنسان، حيث يختار الفرد، برغبته، أن يرى الفكرة من زاوية واحدة مريحة، هروبًا من عبء الحرية وقلق التعقيد، وطلبًا لطمأنينة اليقين الزائف.

هنا يبرز التوتر الفلسفي الحاد: كيف يمكن للتحجيم أن يكون حتمية معرفية لا مفر منها، وفي الوقت نفسه خطيئة أخلاقية يختارها الفرد أو تفرضها السلطة؟
لحل هذا التعارض، يجب التمييز بين درجتين من الاختزال.
ثمة اختزال أدنى ومشروع، وهو خط الدفاع المعرفي الأول؛ حيث يقوم العقل بتركيز الضوء على أبعاد محددة من الفكرة، لمجرد جعلها قابلة للفهم والاستيعاب، دون أن ينفي وجود بقية الأبعاد في الخلفية.
فقد يرى شخص، مثلًا، أن تجربة عاطفية سابقة كانت مؤلمة، فيقول: "لقد آلمتني، ولذلك سأكون أكثر حذرًا في التجارب المقبلة".
هنا هو يضيء جانبًا محددًا من تجربته ليستخلص منها معنى أو درسًا، دون أن يحوّلها إلى حكم على الحياة كلها. يظل باقي الاحتمالات حاضرًا، حتى وإن لم يكن في بؤرة وعيه.

أما التحجيم المُدان، فيبدأ عند النقطة التي يتحول فيها هذا الاختزال المؤقت إلى انغلاق دائم، أو إلى انغلاق يتخذ صفة الحقيقة النهائية. قد ينتقل الشخص نفسه من القول: "سأكون أكثر حذرًا" إلى القول: "كل من يقترب مني سيؤذيني"، ثم إلى يقين أشد: "لا يمكن الوثوق بأحد". هنا لم يعد يختزل تجربته لكي يفهمها، بل حجّمها عن بقية الاحتمالات، وحوّل واقعة واحدة إلى قاعدة تفسّر العالم كله. عند هذه النقطة يتجاوز العقل حاجة الفهم المعرفية ليدخل في مساحة الخوف والسيطرة؛ فينتهي دوره كأداة استكشاف، ويبدأ دور البنية الاجتماعية والفرد الذعِر في تحويل البعد الواحد إلى حقيقة مطلقة وحيدة، وإسقاط بقية الأبعاد عمدًا من الحساب.

عند هذا الحد الفاصل، يتلاشى التناقض بين الفرضيات ليتضح التكامل البنيوي؛ فالتحجيم يبدأ كضرورة معرفية يفرضها قصور العقل (حتمية)، لكن المجتمع قد يستغل هذه الثغرة ليُرسّخها في قوالب جاهزة إرضاءً لشهوة السيطرة (اجتماعية)، ليأتي الفرد في النهاية مستسلمًا لهذا القالب طلبًا لراحة البال وهروبًا من الخوف (أخلاق).

الخاتمة: كيف تعرف أن المقصّ في يدك؟
لكن مثال التجربة العاطفية، مهما أوضح الفرق، لا يحسمه في حياتنا الداخلية؛ إذ يبقى السؤال الأهم: كيف نتلمّس الحد الفاصل في أنفسنا لحظة وقوعه، لا بعد أن يقع؟ والمكان الوحيد الذي يمكن أن نرى فيه هذا الحد بوضوح ليس في الفكرة ذاتها، بل في ردّ فعلنا حين تُعرض علينا فكرة أخرى. حين يظهر احتمال جديد، أو زاوية لم نفكر فيها، أو تأويل يناقض ما استقررنا عليه، هناك لحظة قصيرة جدًا، تسبق أي ردّ فعل واعٍ، تكشف أي المستويين نحن فيه.

فإن كان اختزالنا مشروعًا، اختزالًا أدنى فرضه علينا حدّ الفهم لا أكثر، فسيستقبل الاحتمال الجديد بفضول هادئ، حتى لو لم يُقنعنا: سنميل إليه، نقلّبه، ونسأل كيف يمكن أن يتسق مع ما نعرفه. أما إن كنا قد عبرنا، دون أن نشعر، إلى التحجيم، فسيظهر شيء آخر تمامًا: تصلّب سريع، ورغبة في إغلاق النقاش قبل فتحه، ودفاع يسبق أي حجة. وهذا هو "الفرد الذَعِر" الذي تحدثنا عنه؛ لا يظهر حين يُهاجَم، بل حين يُعرض عليه احتمال لم يطلبه.

هذا الذعر ليس دليلًا على خطأ الفكرة التي نحملها. قد تكون فكرتنا صحيحة تمامًا، ويكون الاحتمال المعروض علينا خاطئًا تمامًا. لكن الذعر لا يقيس صحة الفكرة؛ إنه يقيس شيئًا آخر: هل ما زالت الأبعاد الأخرى موجودة في خلفية وعينا، ولو باهتة، أم أننا محونا وجودها أصلًا، فصار عرضها علينا أشبه بتهديد لا بمعلومة؟

لكن هذا التمييز يحتاج إلى تنبيه دقيق: ليس كل رفض سريع لفكرة معارِضة تحجيمًا. فإذا واجه الإنسان فكرة تدعو إلى إيذاء الآخرين أو تنكر كرامتهم، فإن رفضه الفوري لها قد يكون حكمًا أخلاقيًا استقر بعد فحص، لا ذعرًا يغلق باب الفهم. فالفارق ليس في سرعة الرفض، بل في مصدره: هل نرفض الفكرة لأننا فحصناها ووزناها فوجدناها تنتهك ما لا نساوم عليه، أم لأن مجرد وجودها يهدد تماسكنا الداخلي؟ الأول يقين أخلاقي، والثاني تحجيم معرفي؛ وقد يبدوان من الخارج تصلبًا واحدًا، لكنهما في الجوهر فعلان مختلفان.

فالفكرة السليمة، مهما ضاقت في الظاهر إلى بُعد واحد نتحدث منه، تظل قابلة لأن يُقترح عليها بديل دون أن نشعر بأن كياننا مهدَّد. أما الفكرة التي تحجّمت، فلم تعد فكرة نحملها، بل صارت الفكرة تحملنا؛ وأي محاولة لتحريكها تصبح محاولة لتحريكنا نحن.

وربما هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا بعد هذا المقال، لا أن يُغلق: ليس "ما الأفكار التي أحملها؟" بل "أي أفكاري تجعلني أشعر بالذعر حين يُقترح عليّ نقيضها؟".

ففي تلك اللحظة بالذات، لا قبلها ولا بعدها، يختبئ مقصّ التحجيم؛ وهو، على الأرجح، بيدنا نحن، لا بيد أحد سوانا.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جغرافيا الغياب: نحو تاريخ آخر للأدب
- الأدب كخيانة ضرورية: تأمل في العلاقة بين التجربة واللغة والق ...
- لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد
- النغمة الخجولة
- سُكْرُ المألوف
- نوبل للآداب في بلاد الأوهام
- لجنة الخلود العليا


المزيد.....




- ماغي بو غصن في قبضة العنكبوت.. إطلالة تنكرية بالكريستال في ا ...
- شاهد.. أمريكا تشن غارة على قارب يُشتبه في تهريبه للمخدرات بع ...
- روبوتات تغير شكلها، فكيف تفعل ذلك؟
- السجن مدى الحياة لمفتي النظام السابق في سوريا
- الاستخبارات الخارجية الروسية: السياسيون الألمان يكررون سينار ...
- تلفزيون بيلاروسي: تبادل جديد بصيغة 10 مقابل 10 لمواطني روسيا ...
- سموتريتش يدعو إلى توسيع الاستيطان في الضفة الغربية (فيديو)
- حبس لاعب مصري مشهور 3 سنوات
- نداء عاجل لإعادة أموال صرفتها ماكينة بالخطأ في مصر
- مصر تمنع السياح من زيارة خان الخليلي والحسين في المولد النبو ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟